العودة   منتديات تونيزيا ميكس > ** القسم العام ** > المنتدى التعليمي > المنتدى التعليمي > منتدى الباكالوريا
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 04-18-2011, 10:38   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي دروس في الفلسفة لتلاميذ الباكالوريا

السلام عليكم

الشخص والهوية الشخصية


استشكالات أولية
رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته، فإن كل واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير ان هذه الوحدة التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة


بل إن البديهي يشكل الموضوع الأثير والمفضل للفكر الفلسفي. ويمكن القول أن الفيلسوف يصادف إشكالية الوحدة المزعومة للهوية الشخصية في معرض بحثه في الماهيات والجواهر. يتساءل الفيلسوف: إذا كان لكل شيء ماهية تخصه، بها يتميز عن غيره، فهل هناك ماهية تخص الفرد، بها يتميز عن غيره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنه ما من صفة فيه، جسمية او نفسية، إلا ويشاطره التخلق بها عدد قليل أو كثير من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاريخ، فهل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟ وهل هذا الجوهر كيان ميتافيزيقي مكتمل التكوين منذ البدأ، أم أنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير؟.
أ-ثبات الأنا واستمراريته في الزمان:
موقف ديكارت: التصور الجوهراني الماهوي للهوية الشخصية
نلاحظ أن الفرد يستطيع التفكير في الموجودات الماثلة أمام حواسه أو المستحضرة صورتها عبر المخيلة، ولكنه يستطيع أيضا التفكير في ذاته ، في نفسه هذه التي تفكر!!
يسمى هذا التفكير وعيا وهو نفس الوعي الذي اعتمدعليه ديكارت في " الكوجيطو" وخصوصا وعي الذات بفعل التفكير الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبيعة المفكرة للذات التي تقابل عند ديكارت طبيعة الإمتداد المميزة للجسم.
تساءل ديكارت في التأمل الثاني: "أي شيءأنا إذن؟ " وأجاب: " أنا شيء مفكر"
ولكن هل وراء أفعال الشك والتذكر والإثبات والنفي والتخيل والإرادة…هل وراءها جوهر قائم بذاته؟
يجيب ديكارت بنعم : إنها النفس، جوهر خاصيته الأساسية التفكير، أي أن للكائن البشري طبيعة خصائصها هي أفعال التفكير من شك وتخيل وإحساس …وهي مايشكل الهوية الشخصية للكائن البشري، بل إنها صفته الأكثر يقينية، والأكثر صمودا أمام أقوى عوامل الشك
موقف جون لوك:نقد التصور الجوهراني الماهوي: ليست الهوية الشخصية سوى ذلك الوعي أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا
يرى "جون لوك" أن مايجعل الشخص " هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان
"إذن فلوك" و "ديكارت" مجمعان بأن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر و -يضيف التجريبي لوك- يشم ويتذوق!
ولكنهما يختلفان فيما يخص وجود جوهر قائم بذاته يسند هذا الوعي وهذه الاستمرارية التي يستشعرها الفرد؛، والواقع أن " الجوهر المفكر" -من وجهة نظر المحاكمة الحسية- كينونة ميتافيزيقية لايسع لوك قبولها انسجاما مع نزعته التجريبية التي لاتقر لشيء بصفة الواقعية والحقيقة مالم يكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس،
وباختصار فالهوية الشخصية تكمن في فعل الوعي، وعندما يتعلق الأمربالماضي يصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل هذا لكي يتجنب لوك القول بوجود جوهر مفكر، أي أن الهوية لاتقوم في أي جوهر مادي كان أو عقلي، ولاتستمر إلا مادام هذا الوعي مستمرا
موقف دافيد هيوم: النقد الجذري للتصور الديكارتي الماهوي
دافيد هيوم فيلسوف تجريبي، لايعترف بغير الانطباعات الحسية مصدرا أولا للأفكار، وعليه فلكي تكون فكرة ما واقعية، فلابد لها أن تشتق من انطباع حسي ما، والحال أن فكرة "الأنا" أو "الشخص" ليست انطباعا حسيا مفردا، بل هي ماتنسب إليه مختلف الانطباعات. وإذا ما وجد انطباع حسي مولد لفكرة "الأنا" فلابد أن يتصف هذا الانطباع بنفس صفات الأنا وهي الثبات والاستمرارية طيلة حياتنا، والحال أنه لاوجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأهواء والاحساسات…، حالات شعورية تتعاقب ولاتوجد أبدا متزامنة أومجتمعة. وعليه ففكرة الأنا لايمكن ان تتولد عن هذه الانطباعات ولاعن أي إنطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل هذه الفكرة واقعيا، ومن باب أولى ينبغي الامتناع عن أي حديث عن الهوية الشخصية كجوهر قائم بذاته.

ب- الذاكرة والهوية الشخصية
بغض النظر عما إذا كانت الهوية جوهرا قائما بذاته أو تعاقبا لحالات شعورية متباينة، فإن الهوية ليست كيانا ميتافيزيقيا مكتمل التكوين منذ البدأ، إنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير
سبق لــ ابن سينا أن لاحظ، في هذا الإطار، بأن فعل التذكر هو الذي يمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها.ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها.
إذا كانت الذاكرة هي مايعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان، كما يلاحظ جون لوك، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته.
لهذا السبب، وعندما يتساءل برغسون عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيرنا، يجيب ببساطة: إن الوعي ذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها
ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو الأرقى ليس مقدرة غريزية او إشراقا فجائيا، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغير.

الشخص بوصفه قيمة

استشكالات أولية:
مالذي يؤسس البعد القيمي-الأخلاقي للشخص؟ وهل يمكن فلسفيا تبرير الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤوليته والتزامه كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها ؟
يستفاد من المحورين السابقين أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين - أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه او مزاجه أو ثروته- هو ذات مفكرة، عاقلة، واعية قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، وذلك بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة…
ولكن مافائدة هذا التجريد النظري على المستوى العملي؟ هل يمكن أن نرتب عليه نتائج أخلاقية ملموسة؟

موقف كانط:العقل أساس قيمة الشخص وكرامته
انطلاقا من هذا التجريد، ذهب كانط بأن الإنسان هو أكثر من مجرد معطى طبيعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامة أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر.إن قدرته كذات أخلاقية على أن يشرع لنفسه مبادئ يلتزم بها بمحض إرادته، هي ما يعطيه الحق في إلزام الآخرين باحترامه أي التصرف وفق هذه المبادئ. ومادام هذا العقل الأخلاقي ومقتضياته كونيا، فإن الأنسانية جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما يستوجب احترامه ومعاملته كغاية لاكوسيلة والنظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء. وهذا الاحترام الواجب له من طرف الغير لاينفصل عن ذلك الاحترام الذي يجب للإنسان تجاه نفسه،إذ لا ينبغي له أن يتخلى عن كرامته، وهو ما يعني أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة، .
لقد كتب كانط هذه الأفكار في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" في القرن الثامن عشر .وصحيح أن القرن العشرين قد شهد تحسنا كبيرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفيف من الميز ضد النساء…، بيد أنه عرف أيضا أهوال حربين عالميتين جسدتا واقعيا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إليهما حروب محلية شهدت أبشع أنواع التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال… مما جعل التأمل الفلسفي، في القرن العشرين يعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدية وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى، "

موقف طوم ريغان:قيمة الشخص نابعة من كونه كائنا حيا حاسا
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بها هذه الكائنات،بما يجعل منها ذواتا أخلاقية، فإن طوم ريغان يعتبر هذا التأسيس غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة واعية أي كائنات حية تستشعر حياتها، بما لديها من معتقدات وتوقعات ورغبات ومشاعر مندمجة ضمن وحدة سيكلوجية مستمرة في الماضي عبر التذكر ومنفتحة على المستقبل من خلال الرغبة والتوقع…، مما يجعل حياتها واقعة يعنيها أمرها، بمعنى ان مايحدث لها، من مسرة تنشدها أو تعاسة تتجنبها، يعنيها بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "
ويمضي توم ريغان بهذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جميع المخلوقات التي يمكنها أن تكون «قابلة للحياة»، أي مواضيع لوجود يمكن أن يتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليها، تمتلك قيمة أصلية في ذاتها وتستحق أن تحترم مصالحها في عيش حياة أفضل..

إذا كان تصور طوم ريغان يتجاوز بعض مفارقات التصور الكانطي، فإنه يثير مفارقات لاتقل عنها إحراجا لأن معيار "الذات الحية التي تستشعر حياتها" يلزمنا بإضفاء قيمة أصيلة مطلقة ليس فقط على الكائنات البشرية، بل وحتى الحيوانات ووبالخصوص الثدييات التي سنصبح مطالبين بمعاملتها كغاية لا كمجرد وسيلة!
الشخص بين الضرورة والحتمية

استشكالات أولية:
يبدو أن مدار الحديث عن مفهوم الشخص - كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها - ينحصر في قضيتين: الكرامة والمسؤولية. يشير المفهوم الأول إلى مايحق للمرء النمتع به بوصفه شخصا، بينما يشير المفهوم الثاني إلى ماهو ملزم او ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أيضا.
بحثنا المفهوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفهوم الثاني، فمن اليسير أن نتصور بأن المسؤولية لاتنفصل عن صفة أخرى وهي الحرية التي يطالب بها الفرد كجزء من كرامته، وهذه المرة أيضا، بوصفه شخصا.
لن نتوقف عند الحريات السياسية لأن المانع دونها جلي واضح، وهو النظام السياسي ومختلف أشكال التضييق والقمع التي يمارسها على حرية الأفراد في التجمع والتعبير، سيقتصر بحثنا فقط على الحرية التي يحاسب الشخص بموجبها أخلاقيا من قبل الغير أو من قبل ضميره الشخصي (تأنيب الضمير) ؛أو تلك الحرية التي تترتب عنها المسؤولية المدنية أو الجنائية والتي بموجبها يحاسب المرء قانونيا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولية أي توفر عنصر الحرية والاختيار، وبناءا عليه يعرض المتهم نفسه للعقوبات المقررة
هل هذه الحرية المفترضة موهومة، لأن الشخص يرزح تحت وطأة مجموعة من الإكراهات والإشراطات التي لايطالها وعيه أحيانا، أم أن الشخص البشري ليس موضوعا ولاتجوز في حقه مقولات العلم وعلى رأسها الحتمية؟
موقف العلوم الإنسانية: تتمثل الضرورة في خضوع الشخص لحتميات تتجاوز وعيه وتلغي حريته
في المحورين السابقين تمت مقاربة مفهوم الشخص من زاوية الوعي وبشكل مجرد من كل تعيين، بيد أن الكائن الشري بنية سيكوفيزيولوجية وكائن سوسيوثقافي، فلا يسعه الإنفلات من قوانين الفيزيولوجيا والمحددات النفسية والإكراهات السوسيوثقافية.
إن تجاهل هذه الشروط هي مايجعل كل إنسان يعتقد أنه السيد في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصيته،
هناك مذاهب فلسفية كثيرة قامت على فكرة الحتمية الكونية الشاملة فلم تر في الشعور بالحرية سوى وهم ناتج عن جهل بسلسلة العلل والأسباب، وكما يقول اسبينوزا، فإنا الناس يعوون حقا رغباتهم لكنهم يجهلون العلل الخفية التي تدفعهم إلى الرغبة في هذا الموضوع او ذاك. وبيدو أن العلوم الإنسانية المعاصرة تقدم دلائل إضافية داعمة للتصور الحتمي السبينوزي،: فالتحليل النفسي مثلا يرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثير من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو اللاشعورية ذات الطبيعة الجنسية أو العدوانية. هذا الهو الذي قال عنه "نيتشه": وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، إسمه الهو. في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"، بل إن بول هودار يذهب إلى حد القول بأن: " كلام الإنسان كلام مهموس له به من طرف الهو، الذي يعبر عن نفسه في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته !!"
أما بالنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجيا، فإن طبقات مهمة في الشخصية لاتعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوظيفية لجماعة الإنتماء، بحيث يمكن القول مع دوركايم أنه كلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله. وإذا كانت التنشئة الإجتماعية تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن هذه الثقافة بدورها حسب التحليل الماركسي ليست سوى انعكاس للبنية التحتية المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لاالعكس.
حاصل الكلام هو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية، لأن البنيات النفسية الإجتماعية اللغوية… هي التي تفعل وليس الذات أو الفرد. هل يمكن بعد كل هذا الحديث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القيام بعمل إرادي؟ هل للسؤال "من أنا " بعد من قيمة؟ !!

موقف سارتر ومونييه:إن كون الكائن البشري شخصا هو بالضبط مايسمح له بأن يبارح مملكة الضرورة؟
رغم كل ماذكر فإن الإنسان لازال يقنع نفسه بأن له شيئا يفعله، شيئا يبقى عليه أن يفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتا ووعيا يمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتميات الشارطة يمثل خطوة أولى على طريق التحرر من تأثيرها وإشراطها المطلق، بلقد اشتقت الوجودية مقولة " أسبقية الوجود على الماهية " من خاصية الوعي،، لأن الإنسان ليس وجودا في ذاته كالأشياء، بل وجودا لذاته: يوجد ويعي وجوده، مما يجعل وجوده تركيبة لانهائية من الإختيارات والإمكانيات؛ وعلى عكس الطاولة أو الشبل اللذان يتحدد نمط وجودهما بشكل خطي انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو الحديث عن شخصيته على نحو قبلي مسبق. صحيح أن الفرد يحيا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعية محددة اجتماعيا وتاريخيا، لكن ردود أفعاله واختياراته لاتحددها هذه الشروط الموضوعية وحدها، بل وأيضا المعنى الذاتي الذي يفهم بموجبه هذه الشروط والأوضاع مما يفسح مجالا واسعا للحرية وانفتاح الممكنات. من هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم عليه بأن يكون حرا، وبان الإنسان ليس شيئا آخر غير مايصنع بتفسه.
ونستطيع استثمار أطروحة سارتر التي أتينا على ذكرها للقول بأن الإنسان ليس آلة إلكترونية، حتى لو أضفنا لها صفات الذكاء والصنع المتقن كما يقول إيمانويل مونييه الذي يرفض كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع لأن البشر ليسوا صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية بمعنى أن كل المعرفة الوضعية التي راكمتهاالعلوم الإنسانية لا يمكنها أن تستنفذ حقيقة الشخص الذي يظل أكثر من مجرد شخصية أي أكثر من مجرد نظام سيكوفيزيولولجي وسوسيوثقافي
نلاحظ أن وجودية سارتر وشخصانية مونييه يتقاطعان في رفض الخطاطة التبسيطية التي تجعل الشخص والظاهرة الإنسانية عموما ظاهرة خاضعة على غرار الظواهر الطبيعية لمقولات العلم الموضوعي وعلى رأسها الحتمية، إن الإنسان بالنسبة لفلاسفة الحرية تجربة ذاتية منغرسة في العالم لاتتوقف عن إبداع نفسها ولكن تقول العلوم الإنسانية: إنه لايبدع ولايعبر إلا عن مجمل الشروط التي يتلقى!

خلاصة عامة للدرس
إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع "الشخص"، فسنقول بأن الشخص، تلك الوحدة الصورية، ذلك الكائن المفكر العاقل والواعي…إلخ ينطوي في المستوى المحسوس على شخصية هي حصيلة تفاعل بين عوامل باطنية وأخرى متعلقة بالمحيط الخارجي، إنها ذلك الشكل الخاص من التنظيم الذي تخضع له البنيات الجسمية، النفسية والإجتماعية. صحيح أن هذا التنظيم يخضع لعوامل ومحددات موضوعية كثيرة، لكن ذلك لايلغي دور الشخص في بناء شخصيته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكاليا متعدد الأبعاد، فماذلك إلا لأن دراسة الشخص ليست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس

قديم 04-18-2011, 10:40   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الـغـيـر


ـ مدخل (من الدلالات إلى الإشكالية)


يتخذ مفهوم الغير في التمثل الشائع معنى تنحصر دلالته في الآخر المتميز عن الأنا الفردية أو الجماعية (النحن). وتكون أسباب هذا التميز إما مادية جسمية، وإما إتنية (عرقية) أو حضارية، أو فروقا اجتماعية أو طبقية ؛ ...الخ. ومن هذا المنطلق، ندرك أن مفهوم الغير في الاصطلاح الشائع يتحدد بالسلب، لأنه يشير إلى ذلك الغير الذي يختلف عن الذات ويتميز عنها، ومن ثمة يمكن أن تتخذ منه الذات مواقف، بعضها إيجابي (كالتآخي، والصداقة، ...الخ) ؛ وأخرى سلبية (كاللامبالاة، والعداء ..الخ). وهكذا، يتضح أن معنى الغير والآخر واحد في التمثل الشائع. وهذا ما يتيح لنا فرصة استباق هذا المفهوم في دلالته المعجمية.

ففي الدلالة المعجمية العربية، يظهر أن مفهوم الغير مشتق من كلمة غير التي تستعمل عادة للاستثناء (بمعنى سوى). ومن ثم يتخذ مفهوم الغير معنى التميز والاختلاف، كما يلاحظ ترادف بين معنيي الغير والآخر.

أما في الدلالة المعجمية الفرنسية، يلاحظ بعض التمييز بين مصطلحي الغير Autrui والآخر L'autre ، حيث يتخذ مفهوم الآخر معنى أوسع يفيد كل ما يختلف عن الموضوع والذات، فيشمل الاختلاف كذلك مستوى الأشياء... أما مفهوم الغير، فهو تضييق لمعنى الآخر، حيث يحصره في مجال الإنسان فقط، ويقصد به الناس الآخرين.

أما على مستوى الدلالة الفلسفية، فنجد التنوع والاختلاف في تحديد مفهوم الغير. فإذا حددنا الأنا فلسفيا باعتبارها ذاتا مفكرة أو أخلاقية ؛ فإن مفهوم الغير يكتسي أبعادا متنوعة يمكن حصرها في المماثلة أو الاختلاف. فقد نجد كانط ـ مثلا ـ يماثل بين الأنا والغير، باعتبار الوجود الإنساني وجودا يتسم بالحرية والإرادة. أو يمكن أن يكون الغير أنا أخرى ليست أناي الفردية، كما يرى سارتر، أو يمكن أن يكون الغير مقابلا للهوهو كما هو الأمر عند أرسطو خصوصا واليونان على وجه التعميم.

إن هذا التنوع الدلالي هو الذي يفتح أمامنا فرصة بناء الإشكالية العامة لهذا الدرس، والتي تمكن ترجمتها من خلال التساؤلات التالية :
  • كيف يتحدد وجود الغير بالنسبة للأنا ؟
  • كيف تمكن معرفة الغير ؟
  • ماهي طبيعة العلاقة التي يمكن أن تجمع الأنا بالغير ؟


2. وجـود الـغير


يرجع بنا تأسيس مفهوم الغير، في صورته الأولية، إلى الفلسفة اليونانية التي كانت فلسفة يغلب عليها الطابع الأنطولوجي في تحديد مفهوم الغير..، فكان مفهوم الهوهو هو المعيار المسيطر على الفكر اليوناني في تحديد كل كينونة أو تميزها عن غيرها، وسيصوغ أرسطو هذا المفهوم صياغة منطقية في شكل مبدأ الهوية (أو الذاتية). ومعنى ذلك : إما أن يكون الشيء هو هو، وإما أن يكون مخالفا لذلك. فهو بالنسبة إلى كينونته هوهو، وبالقياس إلى الغير مخالف له.. وهذا يفسر قيام الفلسفة اليونانية على كثير من التقابلات : كاللوغوس في مقابل الميتوس/ الإثبات في مقابل النفي/ البارد في مقابل الساخن (الحار)/ الإنساني في مقابل الإلهي/ ...الخ.

ولما كان الفكر الفلسفي اليوناني يقوم على نوع من النزعة القومية (اليونان في مقابل الشعوب الأخرى) ؛ فإن إشكالية الغير كأنا متميزة عن الأنا الفردية لم تظهر إلا مع الفلسفة الحديثة.

فكان ديكارت أول فيلسوف حاول إقامة مفارقة بين الأنا الفردية الواعية وبين الغير ؛ حيث أراد ديكارت لنفسه أن يعيش عزلة إبستيمية، رافضا كل استعانة بالغير في أثناء عملية الشك. فرفض الموروث من المعارف، واعتمد على إمكاناته الذاتية، لأنه يريد أن يصل إلى ذلك اليقين العقلي الذي يتصف بالبداهة والوضوح والتميز... فوجود الغير في إدراك الحقيقة ليس وجودا ضروريا، ومن ثمة يمكن أن نقول : إن تجربة الشك التي عاشها ديكارت تمت من خلال إقصاء الغير... والاعتراف بالغير لا يأتي إلا من خلال قوة الحكم العقلي حيث يكون وجود الغير وجودا استدلاليا... وهذا ما يجعل البعض يعتقد بأن التصور الديكارتي يقترب من مذهب الأنا وحدي Le Solipsisme .

وقد تجاوز هيجل هذا الشعور السلبي بوجود الغير، لأنه رأى أن الذات حينما تنغمس في الحياة لا يكون وعيها وعيا للذات، وإنما نظرة إلى الذات باعتبارها عضوية. فوعي الذات لنفسها ـ في اعتقاد هيجل ـ يكون من خلال اعتراف الغير بها. وهذه عملية مزدوجة يقوم بها الغير كما تقوم بها الذات. واعتراف أحد الطرفين بالآخر لابد أن ينتزع. هكذا تدخل الأنا في صراع حتى الموت مع الغير، وتستمر العلاقة بينهما في إطار جدلية العبد والسيد. هكذا يكون وجود الغير بالنسبة إلى الذات وجودا ضروريا...

إن ما سبق يظهر التناقض الحاصل بين التمثلين الديكارتي والهيجلي ؛ ففي الوقت الذي يقصي فيه ديكارت وجود الغير، يعتبره هيجل وجودا ضروريا. وهذا يتولد عنه السؤال التالي : هل معرفة الغير ممكنة ؟ وكيف تتم معرفته؟


3 ـ معرفة الغير


إن المعرفة تشكل علاقة " إبستيمية " بين طرفين، أحدهما يمثل الذات العارفة والآخر يمثل موضوع المعرفة. إن هذا ما يدفعنا إلى طرح التساؤل التالي : هل نعرف الغير بوصفه ذاتا أم موضوعا ؟

يطرح سارتر العلاقة المعرفية بين الأنا والغير في إطار فينومينولوجي (ظاهراتي) متأثرا في ذلك ب " هوسرل " Husserl فالغير في اعتقاد سارتر " هو ذلك الذي ليس هو أنا، ولست أنا هو ". وفي حالة وجود علاقة عدمية بين الأنا والغير، فإنه لا يمكنه " أن يؤثر في كينونتي بكينونته "، وفي هذه الحالة ستكون معرفة الغير غير ممكنة. لكن بمجرد الدخول في علاقة معرفية مع الغير معناه تحويله إلى موضوع (أي تشييئه) : أي أننا ننظر إليه كشيء خارج عن ذواتنا ونسلب منه جميع معاني الوعي والحرية والإرادة والمسؤولية. وهذه العلاقة متبادلة بين الأنا والغير : فحين أدخل في مجال إدراك الآخر، فإن نظرته إلي تقيدني وتحد من حريتي وتلقائيتي، لأنني أنظر إلى نفسي نظرة الآخر إلي ؛ إن نظرة الغير إلي تشيئني، كما تشيئه نظرتي إليه. هكذا تبدو كينونة الغير متعالية عن مجال إدراكنا ما دامت معرفتنا للغير معرفة انطباعية حسية.

إن هذه أطروحة لا يتفق معها ميرلوبونتي، حيث يقول : " إن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع " ؛ إلا في حالة واحدة وهي أن ينغلق كل واحد في ذاته وتأملاته الفردية. مع العلم أن هذا الحاجز يمكن تكسيره بالتواصل : فبمجرد أن تدخل الذات في التواصل مع الغير حتى تكف ذات الغير عن التعالي عن الأنا، ويزول بذلك العائق الذي يعطي للغير صورة عالم يستعصي بلوغه.

إلا أن هذا ليس هو تمثل المدرسة الشعورية التي تعتقد أن الغير يظل حياة نفسية باطنية يستعصي بلوغها دون منهج الاستبطان. إن المشاركة الوجدانية للغير (الحزن لحزنه أو الفرح لفرحه ..الخ) لا تكفي وحدها للشعور بما يشعر به ... فبدون إرادة من الغير للإفصاح عن ذاته بكل صدق وأمانة تكون معرفته غير ممكنة.

أما المدرسة اللاشعورية فترى أن هذه الرغبة الصادقة وحدها لا تكفي، لأن الأنا تجهل جانبا مهما من حياتها النفسية (أي خبايا اللاشعور)، والوصول إلى مكامن النفس الخفية هذه يكون مستحيلا دون اللجوء إلى التحليل النفسي (الحاجة إلى الغير).

إن هاذين التصورين لا يحظيان بالإجماع، لأن هناك من يرى أن معرفة الغير ممكنة عن طريق البرهان بالمماثلة، أي أن الغير ليس بأنا غريب ومتعال : إنه صورة من أناي. ومن ثمة، حين أعرف ذاتي أستطيع أن أسقطها على الغير. لكن ألا يمكن اعتبار الإسقاط جهلا بالذات، ما دامت المدرسة اللاشعورية تعتبره نوعا من الميكانزمات الدفاعية ؟

إن الاختلاف الحاصل حول معرفة الغير يمكن أن يتجاوز، في نظرٍ شيللر Scheller ، في الاعتقاد أن الغير لا يتشكل من ثنائية، جزء منها خفي وآخر ظاهر ؛ أو شطرين " أحدهما مخصص للإدراك الداخلي والآخر للإدراك الخارجي "، لأنهما في العمق مترابطين، فالغير كلية تتمثل من خلال مظاهره الخارجية، ونستطيع معرفته معرفة كلية ، فالغير " ليس بأنا غريب".

أما دولوز Deleuze فيرى أن الغير ليس هو ذلك الموضوع المرئي، وليس ذلك الشخص الآخر. إن الغير بنية الحقل الإدراكي، كما أنه نظام من التفاعلات بين الأفراد كأغيار. فحين تدرك الذات شيئا ما، فإنها لا تستطيع أن تحيط به في كليته إلا من خلال الآخرين ؛ فالغير هو الذي يتمم إدراكي للأشياء، وهو الذي " يجسد [مثلا] إمكانية عالم مفزع عندما لا أكون بعد مفزوعا، وعلى العكس إمكانية عالم مطمئن عندما أكون قد أفزعت حقيقة ". إن الغير إذن بنية مطلقة تتجلى في الممكن الإدراكي وهي تعبير عن عالم ممكن، ومعرفة الغير يجب أن تكون معرفة بنيوية.

لا يمكن اختزال العلاقة مع الغير في علاقة إبستيمية /أو معرفية/ من أي نوع. إن العلاقة مع الغير يمكن أن تكون علاقة أكسيولوجية قيمية تحكمها ضوابط أخلاقية كالأنانية، والغيرية، والظلم، والتسامح ...الخ. وهذا ما يضطرنا إلى الوقوف عند نموذجين للعلاقة مع الغير هما : الصداقة والغرابة.
4 ـ نموذجان للعلاقة بالغير: الصداقة والغرابة

(ا) الغير كصديق


يمكن اعتبار الصداقة من العلاقات الإيجابية التي تربطنا بالغير، حيث يمكن أن تسمو بالأفراد إلى علاقات من الود تصل إلى التآخي والتضحية والإيثار... فما هو الدافع إلى الصداقة ؟ هل هو دافع المنفعة ؟ أم دافع الفضيلة ؟

يرى أفلاطون أن الصداقة علاقة من المحبة والمودة، لا يمكنها أن توجد بين الشبيه وشبيهه، ولا بين الضد وضده. فالطيب لا يكون صديقا للطيب، ولا يكون الخبيث صديقا للطيب. فلكي تكون هناك صداقة بين الأنا والغير، لابد أن تكون الذات في حالة من النقص النسبي الذي يجعلها تسعى إلى تحقيق الكمال مع من هو أفضل. ولو هيمن الشر على الذات فإنها ستكون في حالة نقص مطلق لا تستطيع معه أن تسمو إلى الخير. ولو كانت الذات في حالة خير مطلق لعاشت نوعا من الاكتفاء الذاتي. فالدافع إلى الصداقة هو الرغبة في تحقيق سمو الذات وكمالها من خلال الغير.

أما أرسطو فهو أكثر واقعية من أفلاطون، حيث يرى أن الدوافع إلى الصداقة ثلاثة هي : المنفعة، والمتعة، والفضيلة. لكن الصداقة الحقيقية هي صداقة الفضيلة لما تتسم به من نبل أخلاقي، وخصوصا لأنها تحقق التلاحم الاجتماعي بين أفراد المجتمع، باعتبار الإنسان "حيوانا مدنيا" ؛ لذا يقول أرسطو : "إن المواطنين لو تعلق بعضهم ببعض برباط الصداقة لما احتاجوا إلى العدالة". إن صداقة الفضيلة هي ذلك الوسط الذهبي الذي لا يمنع تحقق المنفعة والمتعة، في حين أن الصداقة القائمة على المنفعة أو على المتعة صداقة زائلة بزوال نوعية الرغبة في الغير...

إن قيام هذا النوع من الصداقة التي يدعو إليها أرسطو، قد يكون سهل التحقق في مجتمعات صغيرة، ويصعب تحققه في المجتمعات المعاصرة حيث تكثر الكثافة السكانية، ويسود فيها الشعور بالغرابة. فمن هو الغريب ؟
(ب) الغير كغريب


تحدد كريستيفا الغريب في مفهومين أساسين ؛ أحدهما ذلك الذي يفيد الافتقار إلى حق المواطنة. وهذه دلالة حقوقية تحاول بها الجماعة أن تمنع انحشار الغير الغريب في شؤونها الداخلية. وهذا في اعتقادها تعريف سطحي للغريب، لأنه هو تلك القوة الخفية التي تسكننا جميعا والتي تعبر عن التناقضات والاختلافات الداخلية التي غالبا ما يتم السكوت عنها، لأن هذا الغريب " يجعل ال"نحن" إشكاليا وربما مستحيلا ". إن الغريب إذن يوجد فينا، " إن الغريب يسكننا على نحو غريب ".

ومن هذا المنطلق تكون الغرابة شعورا قد يدفع الأنا (الفردية والجماعية) إلى إقصاء الغير أو تدميره أو الشعور بالعدوانية تجاهه أو على الأقل مقابلته باللامبالاة والتهميش... إن الدوافع نحو الغريب هي في الغالب دوافع سلبية... إنها تلك المواجهة الدائمة التي تؤدي إلى إذابة الاختلاف لصالح الذات، وقد كان آخر ما التجأت إليه المجتمعات الغربية في إقصاء الغير هو الاستعمار والاستيعاب الثقافي. هكذا أصبحت "عملة الغيرية" عملة مفقودة. وهذا فيما يرى كل من جيوم Guillaume وبودريار Boudrillard وضع لابد من القضاء عليه. حيث لابد أن يعيش كل "كائن مبدأ نقص وعدم كفاية"، لأن الشعور بالنقص يولد بالضرورة "الغيرية الجذرية". فالاحتفاظ بهوية الغير ينعش وعي الذات لنفسها. وهذا يستدعي ـ حسب ليفي ستروس ـ احتفاظ الكل بهويته الثقافية، ويجب القضاء على أسطورة التفوق القومي القائمة على اعتبارات إتنية كالتي نلمسها في بعض الطروحات الإستشراقية (عند إرنست رينان مثلا) أو الأنتروبولوجية (عند ليفي برول L. Bruhl مثلا).

فالتراكم الثقافي ليس ملكا خاصا لبعض الإتنيات ولا لبعض الثقافات، فليس هناك ثقافة معزولة. ومن ثمة لابد أن تنشأ بين الأنا والغير علاقة من الاحترام المتبادل وبالتالي الاعتراف للغير بخصوصيته الثقافية ونوعيتها وتميزها. أي لابد من الاعتراف بشرعية الاختلاف حتى في الحالة التي لا ندرك فيها طبيعة ذلك الاختلاف.

كتخريج عام نقول : إن الغير مفهوم فلسفي مجرد وإشكالية فلسفية حديثة، حاول التفكير الفلسفي في إطارها أن يتعامل مع مفهوم الغير كوجود عقلي يتم بناؤه من خلال فردية الأنا أو الدخول معه في صراع من أجل الوعي بالذات ؛ بل الدخول معه في علاقة إبستيمية تتنوع بين تشييئه واعتباره موضوعا، أو باعتباره ذاتا، أو كلية، أو بنية... إن تحديد طبيعة العلاقة مع الغير تدعو إلى الانفتاح على علاقات أخرى، أهمها : علاقتا الصداقة والغرابة.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:43   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الحقيقة


إطار الدرس :
تحددت الفلسفة منذ نشأتها حتى بداية العصور الحديثة بوصفها بحث عن الحقيقة، لذلك فإن مفهوم الحقيقة ينتمي إلى مجال الفلسفة باعتباره مفهوما فلسفيا بامتياز، غير أن تعدد أشكال المعرفة التي تجعل من الحقيقة موضوعا لها يؤدي إلى تعدد الحقائق، ومن تم يمكن الحديث عن حقيقة فلسفية وحقيقة علمية وفنية ودينية… ومن هنا ينبع الطابع الإشكالي لهذا المفهوم التي ستتم معالجته تاريخية بدءا من الفلسفة اليونانية مرورا عبر الفلسفة الحديث وانتماء بالفلسفة المعاصرة.
I- من الدلالة إلى الإشكالية .
أ- الدلالة المتداولة : يشير لفظ الحقيقة للدلالة المتداولة إلى معنيين أساسيين : الصدق والواقع، الحقيقي : هو كل ماهو موجود وجودا واقعيا، بينما الصادق هو الحكم الذي يطابق الواقع ومن تم، يكون الواقع هو مرجع الحقيقة وأساسها فكل ماهو واقعي حقيقي وكل ما هو مطابق للواقع صادق وحق.
غير أن هذا التحديد للحقيقة يطرح جملة من التساؤلات أليس اللاواقعي واللاحقيقي يمكن أن يوجد ضمن الواقع، مثل : الخطأ، الكذب، الخيال… فهذه الأشياء واقعية لكنها ليست حقيقة. معنى هذا أن ليس كل ماهو واقعي حقيقي أوكل ماهو حقيقي واقعي وبالتالي فإن الدلالة الحقيقية. الشيء الذي يفرض علينا تجاوزها والتفكير فلسفيا في مفهوم الحقيقة من خلال تحديد الدلالتين اللغوينوالفلسفية.
ب- الدلالة اللغوية يعرفها الجرجاني في كتابه التعريفات "هي الشيء التابت قطعا ويقينا، يقال حق الشيء إذا تبين، وهي إسم للشيء المستقر في محله ومابه الشيء هو هو الملاحظ أن الجرجاني في هذا التعريف يختزل الحقيقة فيما هو تابث ومستقر ويقيني يقابله المتغير والزائف والمتحول، وبذلك يلتقي هذا التعريف مع المعنى الأنطلوجي للحقيقة كماهية وجوهر في المقابل الأعراض المتغيرة والفانية. أما على المستوى المنطقي فيرادف لفظ الحقيقة الحق والصدق ويقابله الباطل والكذب فتصبح الحقيقة بهذا المعنى هي الحكم المتطابق مع الواقع، ففي الحق يكون الواقع مطابقا للحكم، بينما في الصدق يكون الحكم مطابقا للواقع وبذلك تكون الحقيقة صفة للحكم المطابق للواقع.
ج- الدلالة الفلسفية :
يعطي لا لونك 5 معاني للحقيقة : - الحقيقة بمعنى الحق حين يطابق الواقع الحكم وضده الباطل.
- الحقيقة بمعنى الصدق حين يطابق الحكم الواقع وضده الكذب .
- الحقيقة بمعنى الشيء المبرهن عليه.
- الحقيقة بمعنى شهادة الشاهد لما رآه أو فعله .
- الحقيقة بمعنى الواقع .
خلاصة : نستخلص أن الواقع عند la lande يتبقى معيارا وأساسها للحقيقة الشيء الذي يؤدي إلى طرح مجموعة من الاشكالات يمكن صياغتها على الشكل التالي : - إذا كانت الحقيقة تتميز بالثباث واليقين عما طبيعة علاقتها بالواقع المتغير؟ إذا كانت الحقيقة هي الحكم فهل هي صورة الواقع المنعكسة ففي الفكر والمعبر عنها في اللغة بمعنى آخر، لاتوجد الحقيقة خارج اللغة والفكر وإذا كانت هي الواقع فهل نسبية أم مطلقة ؟ متعددة أم واحدة ؟ ذاتية أم موضوعية ؟ هل توجد بمعزل عن الخطأ والكذب أي عن أصنافها ؟ أم أنها متلازمة ومتداخلة معها ؟ ماهي أنواع الحقيقة ؟ ومن ثم من أين تستمد الحقيقة قيمتها ؟ .
II- الحقيقة والواقع .
تمهيد :
سنعالج في هذا المحور طبيعة العلاقة بين الحقيقة والواقع من خلال استحضار التصورات الفلسفية المرتبطة بهذا الموضوع، سواء تحلق الأمر بالفلسفة اليونانية أو الفلسفة الحديثة أو الفلسفة المعاصرة.
- الإشكالية : إذا عرفنا الحقيقة أنها خاصية ماهو تابت ومستقر وبقية فما هي طبيعة علاقتها بالواقع كمعطى متغير ومتحول ؟ هل هي الواقع ذاته أم هي مطابقة الفكر للواقع ؟ أم أن الأمر يتجاوز هذا وداك.
1) الفلسفة اليونانية :
أ- أطروحة أفلاطون : يعتبر أفلاطون أن وراء التغير في الأشياء وتحولها الدائم ماهيات تابثة ودقائق خالدة تمثل الواقع الحقيقي سماها أفلاطون بعالم المثل وهو عالم أزلي خالد لايلحقه التغير والفساد لأن المتغير والفاسد هو الواقع المحسوس وهكذا وفي نظر أفلاطون هناك عالمين : عالم المثل و هو عالم سامي فوق العالم المحسوس ومفارق له، يمثل عالم الموجودات و الصور العقلية الثابتة التي منها تستمد جميع الأشياء الحسية ووجودها، ففي المقابل كل الأشياء الحسية الكثيرة والمتنوعة توجد صورة عقلية في عالم المثل هي أصل هذه الأشياء، وماهذا الأشياء الأخيرة إلا نسخ مشوهة لتلك الصور العقلية الحقيقية وبذلك يكون مبدأ الواقع الحسي هو عالم المثل الذي يعبر في نظر أفلاطون الواقع الحقيقي، فبينما ينتمي الواقع الحسي إلى عالم التغير والفناء، عالم الأوهام والنسخ المشوهة غير الحقيقية نجد عند أفلاطون أن الحقيقة لايمكن أن توجد إلا في العالم المعقول، عالم الصور العقلية الخالصة الذي لاندر كما إلا بالتأمل العقلي والمجرد التي يعوقه الحواس عن إدراك هذا الواقع الحقيقي .
- أرسطواطاليس .
إذا كانت الحقيقة حسب أفلاطون تابثة وعقلية، فإنها لاتوجد في عالم المثل، فهذه النظرية حسب أرسطوطاليس ليست سوى مجازات شعرية لا وجود لها في الواقع، لذلك فإن الحقيقة لاتخرج عن هذا العالم الحسي المتغير، فوراء تغير الأشياء ولاولى الدائم هناك الملهيات التابتة لأن التغير في نظر ارسطو لايتم إلا في إطار التبث والاستمرار وبذلك فإن الحقيقة عند أرسطو هي ماهية مجانية للأشياء متظمنة فيها يتم التوصل إليها بواسطة عملية التجريد تلغى فيها الأعراض المتغيرة الزائلة ويتم الاحتفاظ بالماهيات العقلية الكلية الذي تمثل الواقع الحقيقي وهكذا يعتبر أرسطو أن لكل شيء طبيعة جوهرية هي حقيقة التي توجد وراء الأعراض الحسية.
ينتهي إذن أرسطو إلى نفس موقف أفلاطون من الحقيقة وكل ما فعله هو إيزال تلك الصور العقلية زمن عالم المثل إلى الواقع الحسي وجعلها عقلية ومعقولة توجد في الفكر لكن إدراكها لابد أن يمر عبر الحواس الشيء الذي تجعلنا نواجه التساؤل التالي : - ألم تحول الحواس دون إدراك الحقيقة ؟ ثم حينما نحدد الحقيقة في العقل ألا نواجه إشكال آخر هو إشكال المطابقة، مطابقة الفكر للواقع، ألا يطرح هذا التطابق جملة من المفارقات الناتجة عن التناقض بين طبيعة الفكر والواقع.
2) الحقيقة بما هي مطابقة الفكر للواقع :
أ- أطروحة ديكارت، إن خداع الحواس وتشويش على العقل هو مادفع ديكارت إلى إقصاءها من عالم الحقيقة، حيث شك في لحواس وفي المعارف الجاهزة، والأحكام المسبقة… معتبرا أن الشك هو أضمن طريق للوصول إلى الحقيقة، التي جعلها تتحدد للأفكار الواضحة والمتميزة التي لاتقبل الشك. ينطلق ديكارت إذن من الشك في الحواس لأنها تخدعنا وفي المعارف السابقة وفي كل شيء إلى أن ينتهي إلى القول بفكرتين عقليتين هما : الفكر والامتداد وهما، فكرتين فطرتين في العقل استمدهما من ذاته اعتمادا على قواه الذاتية : يقول ديكارت "كل الموضوعات معرفتي أفكار في عقلي" الفكر خاصية الوحيدة هي التفكير ولايشتغل حيزا في المكان بينما الامتداد لايفكر، يمتد بالمكان ويمكن قياسه ومن منا ينتمي ديكارت إلى القول بالواقعين هما الفكر والامتداد، وهما واقعان متناضران لانستطيع أحدهما التأثير في الآخر الشيء الذي يجعلنا أمام عالمين متوازين، عالم روحي حقيقي هو الفكر واضح ومتميز يتطابق مع واقع حسي ومادي الشيء الذي يجعلنا نواجه التساؤل التالي : إذا كانت الحقيقة بناء عقليا خالصا فإن تحديدها كتطابق يطرح جملة من الاشكالات : كيف يمكن لشيئين من طبيعتين متناقضتين أن يتطابقا الحقيقة ؟ من طبيعة عقلية روحية، بينما الواقع من طبيعة مادية. كيف نضمت التطابق بينما في الأدهان، ومافي الواقع الخارجي ؟ .
الحل الذي يقدمه ديكارت الضمان الإلاهي يظل غير مقنع على الشيء الذي جعل بسينورة يقول، نحو مر الواحد الذي يكون بقيمته مستمد من ذاته وبالتالي فالحقيقة هنا هي معيار ذاتها .
ب- أطروحة جون لوك :
يرفض لوك أطروحة ديكارت الفاعلة للأفكار الفطرية فإذا كان العقل في نظره هو صفحة بيضاء وكل الأفكار والمعارف التي تحصل عليها من الواقع التجريبي فهذه الأفكار بتطابق مع الأشياء المادية وعليه فإن الحقيقة هنا هي تطابق الفكر والواقع وأساس الحقيقة هنا ليس هو العقل وإنما هو التجربة.
خلاصة : هكذا يقدم كل من ديكارت ولوك نضرة أحادية الجانب للحقيقة فدلكارت يميل إلى العقل ويجعله مصدر الحقيقة بينما يجعل لوك إلى التجربة و يجعلها مصدرا للحقيقة.
أطروحة على عكس النظرة الأحادية للجانب الإتجاهين السابقين. للحقيقة قدم كانط تصورا نقديا لكتب (جدلي) للحقيقة معتبرا أن هذه الأخيرة لاتوجد في الذهن على نحو فطري كما يقول ديكارت، وليست معطاة بالواقع الحسي كما يزعم التجريبيون، وإنما تبنى وتشيد. تأسس الحقيقة وفق هذا التصور النقدي على تطابق المعطيات الواقع الحسي مع البنية القبلية للعقل، فالواقع يزودنا بمادة الحقيقة والعقل يزودنا بصورتها وهكذا فلا وجود في نظر كانط لحقيقة عقلية خالصة، أو حقيقة تجريبية محضة، إن الحقيقة ليست هي مطابقة الفكر للواقع وإنمامي انتظام معطيات الواقع الحسي مع النظام القبلي للعقل (المقولات، الزمان، المكان) تبقى الحقيقة إذن مشروطة لما تعطيه التجربة للعقل ومايمد به العقل معطيات التجربة، بمعنى آخر أن الحقيقة تظل رهينة مطابقة الفكر للواقع .
تحليل نص : الحقيقة الصورية والحقيقة المادية :
يتحدث هذا النص (الحقيقة الصورية والحقيقة المادية) لصاحب إما نويل كانط وهو بالمناسبة فيلسوف ألماني اشتهر بالفلسفة النقدية التي حاولت التوفيق بين الفلسفة العقلانية والفلسفة التجريبية وقدم نظرة تركيب للحقيقة تحاول الجمع بين بعدها الصوري العقلاني وبعدها المادي التجريبي. والنص الذي بين أيدينا مقتطف من كتابه المشهور (نقد العقل الخالص ومن خلال يحاول تقديم وجهة نظر نقدية حول الحقيقة لذلك تساؤل مع كانط ماهو مفهوم الحقيقة ؟ ماهي أنواعها ؟ وهل هناك معيار للحقيقة ؟ وإذا كان هذا المعيار موجودا فما هي طبيعته ؟ يعرف كانط بالحقيقة على أنها مطابقة الفكر لموضوعه وهكذا يميز بين نوعين من الحقيقة، دقيقة مادية، وأخرى صورية، ففي الحقيقة المادية تكون بمعنى المطابقة أي مطابقة المعرفة (موضوعها وهنا لايمكن أن يكون هناك معيارا كليا وشموليا للحقيقة ينطبق على جميع الموضوعات أما فيما يتعلق بالحقيقة الصورية فيعني بها مطابقة المعرفة لذاتها وهنا يمر كانط بوجود معيار كلي وشمولي للحقيقة سماه المنطق، والمنطق في نظره هو مجموعة من القواعد والقوانين العامة في الفكر التي تكون معيار الصواب والخطأ. فما يتطابق مع هذه القواعد يكون صائبا وحقيقيا، وما يخالف هذه القواعد يكون خاطئا هكذا ينتهي كانط إلى بناء تصور نقدي للحقيقة ينبني على فكرة المطابقة مطابقة المعرفة للموضوع ومطابقة المرفوض والمنطوق للشيء مما يجعله لايخرج عن التصور التقليدي للحقيقة .
مناقشة :
من خلال أطروحة مارتن هيدوجر ونظرا لإستحالة تطابق ماهو عقلي مجرد مع ماهو مادي محسوس فإن هيدجر يعمل على طرح مفهوم آخر للحقيقة لايقوم على المطابقة وإنما على الحرية والانفتاح وهكذا يرى هيدجر أن ماهية التطابق تنحصر في طبيعة العلاقة بين المنطوق أو الفكر وبين الشيء من حيث أن التطابق يعني حضور الشيء ومثوله أمام الذات غير أن التطابق بهذا المعنى يؤدي إلى الحد من تريه الوجود وانفتاحه الشيء الشيء الذي يقول إلى تحجبه واختفاءه.
3) أنواع الحقيقة :
تمهيد : إذا كانت الحقيقة مرتبطة بالخطاب واللغة وإذا علمنا أن هناك خطابات متعددة وليس خطابا واحدا ذلك سيؤدي إلى تعدد الحقيقة وتنوعها بتعدد هذه الخطابات.
- هل الحقيقة واحدة أم متعددة ؟ وإذا كانت متعددة فماهي أنواعها ؟ ثم من أين تستمد مصدرها ؟ كيف يتم إقناع الآخرين بها.
1) أطروحة ابن رشد : يرى ابن رشد أن الحقيقة الواحدة هي الحقيقة الدينية التي تستمد مصدرها من الوحي الالاهي. لكن الحقيقة وإن كانت واحدة فإن طرق تبليغها وإقناع الناس بها متعددة تختلف باختلاف مستواهم المعرفي والعقلي وماجدلوا عليه من التصديق ذلك أن طباع الناس متفاضلة للتصديق فمنهم من يصدق بالبرهان وهو خاص بالفلاسفة، ومنهم من صدق بالجدل وهو خاص بالمتكلمين، ومنهم من يصدق بالخطابة وهم عامة الناس.
يستنتج ابن رشد من هذا التصور الوحدوي للحقيقة على أن الحقيقة الفلسفية لاتخالف المشرع لأن كلاهما يطلب الحق والحق لايضاد الحق بل يوافقه وشهد لتك ما يقول ابن رشد نفسه وبذلك فإن الحقيقة واحدة وإن تعددت سبل الوصول إليها.
2) أطروحة مشيل فوكو : يقسم فوكو الحقيقة إلى 14 أنواع فهناك الحقيقة البنوية والحقيقة الفلسفية والسياسية والعلمية، وبالتالي فإن الحقيقة الدينية إن هي إلا وجه واحد من أوجه الحقيقة المتعددة والمتنوع. ولكن من أين تستمد الحقيقة قيمتها ومصدرها ؟ كيف تفرض نفسها وسلطتها على الناس ؟ يجيب فوكو أن الحقيقة تستمد مصدرها وقيمتها من المجتمع الذي تنتمي إليه لذلك أن لكل مجتمع نظامه الخاص وسياسته العامة التي تحدد شروط إنتاج الحقيقة وتداولها واستهلاكها، ومعايير التمييز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الخاطئ، والحدود التي لاينبغي أن تتجاوزها، ومن له الحق في قولها واستهلاكها وعليه فإن إنتاج الحقيقة وتأسيس النواة التي لها الحق في القول الحقيقة يتم تحت مراقبة المؤسسات الاجتماعية (الجامعة المدرسة الأسرة، وسائل الاعلام…) وفق طقوس خاصة ومراسيم محددة سلفا، إن هذه الرقابة المفروضة على الحقيقة هي التي بتث مدى علاقة الحقيقة بالمؤسسة والسلطة التي تنتجها وتدعمها، وبالتالي فإن الحقيقة تستمد قيمتها من المؤسسة والسلطة، فلا حقيقة بدون سلطة لأن الحقيقة هي مدار كل سلطة.
3) أطروحة G Bachelard :
إن هيمنة المؤسسة على الحقيقة لم تسلم منها حتى الحقيقة العلمية المحصورة داخل شبكة من المؤسسات كالجامعات ومنظومة الكتب والنشر والطبع والخزانات، فهذا الخطاب الذي فرض نفسه القادر للوصول إلى الحقيقة دقيقة وناجحة. أنبث تاريخ العلم أن الحقيقة بشكل عام والحقيقة العلمية بشكل خاص لاتوجد بمعزل عن الخطأ، بل إن إدكار نوار "يعبر أن أكبر منبع للخطأ هو الحقيقة نفسها" وهكذا يرى باشلار أن تاريخ الوقوع في الأخطاء، وإعادة تصحيحها باستمرار، فأخطاء الماضي في نظر باشلار تكشف عن نفسها كنوع من الندم والمراجعة المستمرة للحقيقة. إن الحقيقة العلمية هي دائما هدم لحقيقة سابقة لم تكن مقامة على أساس مثين وتجاوزه في نفس الوقت لما يمكن أن يشكل عقبة أمام المعرفة العلمية ذلك أن هذه المعرفة تحمل في ذاتها عوائق إيستمولوجية تؤدي إلى أخطاء وتقف حاجزا أمام تقدم المعرفة العلمية، ومن أبرز هذه العوائق هناك الحس المشترك والأحكام الجاهزة وبادئ الرأي أو الظن. إنما ينقص التجربة المباشرة والمعرفة المشتركة حسب باشلار هو منظور الأخطاء المصححة الذي يتم به الفكر العلمي المعاصر، والعلم مطالب بالتقلص من هذه العوائق الإيستمولوجية حتى يتقدم ويتطور، وهكذا فالخطأ في نظر باشلار جزء لايتجزء من بنيته الحقيقة العلمية المعاصرة حيث يلعب دورا إيجابيا لتقدم العلم وتطوره وعليه ليست هناك دقيقة مطلقة ولكن هناك حقيقة نسبية وليست هناك حقيقة يقينية كما تدعى فلسفة كلاسيكية ولكن الحقيقة قابلة للخطأ.
أطروحة نيتشه :
إذا كان الخطأ لاينفصل عن الحقيقة فإن نيتشه لاينفصلها عن الوهم، فالحقيقة في نظره ليست سوى وهم من أوهام الحياة. انطلاقا من هذا التصور، يتأمل نيتشه عن طبيعة الحقيقة وإنما عن قيمتها ودورها في الحياة وتتحدد قيمة الحقيقة من وجهة نظره في فائدتها ومنفعتها لا وجود لحقيقة في معزل من غايات تضمن استمرار الحياة وبقائها، فالحقيقة ليست غاية في ذاتها بل هي وسائل لغاية نفعية، والحقيقة تدوم يقدرها تنفع بالحفظ الحياة والنوع الشيء الذي يعمل حتى بالأوهام هاته مادم أن المعيار الوحيد للحقيقة هو المنفعة.
إن الحقيقة في نظر نيتشه أوهام واعتبر هذه الحقائق وهما هذا اعتبرها مقنعة لنا، لكننا بينا أنها أوهام لأنها أوهام نافعة في معركة الصراع من أجل البقاء. يسمح هذا الحديث المينشوي الحقيقة بالتساؤل عن قيمتها وأهميتها.
4) الحقيقة بما هي قيمة :
تمهيد : إذا كانت الحقيقة في الفلسفة التقليدية يعتبر غاية في ذاتها وتستمد قيمتها من ذاتها لا من شيء خارجها، فإن الفلسفة المعاصرة وخاصة المدرسة البرنجماتية ستؤسس تصورا نفعيا للحقيقة.
– إشكالية : فمن أين تستمد الحقيقة قيمتها ؟ هل من ذاتها أم من منفعتها ؟ ألا يطرح التصور النفعي تساؤلات لا أخلاقية فيه بصدد الحقيقة.
أطروحة ويليام جيمس يؤسس ويليام تجيمس تصورا جديدا للحقيقة ينبني على أساس نظرة نفعية عملية وهكذا فجيمس على غرار نيتشه يقضي بدوره على فكرة الحقيقة المطلقة المنزهة عن كل غاية خارجية، ويؤكد عن الطابع البرغماني للحقيقة، إذ أن قيمة هذه الأخيرة تتجلى في كل ماهو نقعي عملي ومفيد، تأكيد يعبر عنه V . S يقول " امتلاك أفكار صادفة يعني على وجه الدقة امتلاك أدوات تمينة للعمل" من هنا يصبح معيار الحقيقة الوحيد هو صلاحيتها للعمل، والإنسان هو صانعها، وبذلك فإن الحقائق تتغير مغير المواقف ومايصلح لكل منها، وتختفي الحقيقة الكلية الثابثة وتصبح نسبية، تختلف باختلاف المصالح وتداركها وهكذا فما يكون نافعا بالنسبة لي قد يكون ضارا بالنسبة لغيره، مما يجعل النظرية البرغماتية بطريقة لا أخلاقية.
أطروحة بركسون :
رغم الطابع اللاأخلاقي للحقيقة إلى أن بركسون يدافع عنها باعتبارها تقدم بديلا للمفهوم التقليدي للحقيقة الذي لايرى فيما إلا مطابقة الفكر بالواقع فهذه المطابقة غير ممكنة في نظرها، لأنه ليست هناك واقع تابث حتى يتطابق معه الفكر، إن الواقع دائما متحرك، مما يجعل الحقيقة السباق للمستقبل واستعداد له.
أطروحة كانط :
إن هذا التأويل للحقيقة على بركسون لايلغي طابعها اللاأخلاقي الشيء الذي يجعل المفهوم الكانطي للحقيقة باعتبارها واجبا أخلاقيا ذا بعد إسناني رفيع، يحتفظ بأهميته وراهنية، وهكذا يرى كانط أن الكذب لايضر بالإنسانة فقط بل يضر بمفهوم الواجب الذي يجعل قول الحقيقة واجبا أخلاقيا ينبغي أن يلتزم به الجسم، وكما يرفض كانط أن تكون الحقيقة ملكا خاصا للبعض دون الآخرين فإنه يجعلها واجبا مطلعا يتساوى فيه جميع الناس مهما اختلفت مذاهبهم وأعراقهم وجنسياتهم.
خاتمة : لقد ظلت الحقيقة ومازالت هدفا وغاية لكل معرفة إنسانية فأن تكون الحقيقة غاية المعرفة معناه أنها غير موجودة وتاريخ الفلسفة – قدم نفسه على أنه السعي الدائم وراء الحقيقة، ومن هنا منبع النسباين والاختلاف في تحديدها. تبعا الاختلاف الأنساق الفلسفية والمراحل التاريخية التي تأطرها. لذلك اتجهت الفلسفة المعاصرة إلى البحث في الحقيقة لا بالمعنى الحقيقة، ولكن البحث في الحقيقة من حيث قيمتها ودورها في المجتمع.
- تحليل نص الحقيقة هو المفيد -
مقدمة : يتحدث النص عن مفهوم الحقيقة أو عن الحقيقة من حيث مفهومها وقيمتها ووظيفتها. وماهي الحقيقة ؟ هل هي مطابقة الفكر للواقع ؟ هل تعتبر غاية في ذاتها ؟ أم مجرد أداة ووسيلة لتحقيق المنفعة بمعنى آخر هل الحقيقي هو المفيد ؟ ألا يطرح التصور النفعي للحقيقة تساؤلات أو نتائج لا أخلاقية ؟ ماهي حدود التصور النفعي للحقيقة ؟
- عرض :
يرى ويليام جيمس أن الحقيقة ليست هي مطابقة الفكر للواقع وليست غاية في ذاتها، وإنما هي أداة ووسيلة لإشباع حاجات ضرورية، والتأثير في واقعنا وسلوكنا، فالأفكار النافعة والمفيدة وليس الصادقة هي ما ينبغي السعي إلى اكتسابها، وبالتالي فإن امتلاك الحقيقة يعني امتلاك المفيد (أدواة مفيدة ونافعة) فالحقيقة عند ويليام جيمس هو المفيد .
- ينقسم هذا النص إلى مجموعة من الفقرات ففي الفقرة الأولى : يتحدث عن المفهوم البرغماني للحقيقة باعتبارها أداة للحمل وهي ما ينبغي أن يكتسبها.
وفي الفقرة الثانية : يعتمد ويليام جيمس أكثر في مفهومه للحقيقة والانسام الحاجات وليس لغاية وفي الفقرة الثالثة يرفض المفهوم الشائع للحقيقة باعتبارها مطابقة لأن الصادق ليس هو المطابق وإنما هو المفيد بسلوكنا وفكرنا أي الذي يساعدنا عن التأثير في الواقع.
ليختم هذا النص في الفقرة الأخيرة بخلاصة يختزل فيها تصوره المام للحقيقة في المفيد والنافع. يستمد الكاتب في تصوره للحقيقة على دواعي عقلية نفعية، ذلك أن ما يهم الناس هو ما ينفعهم وماسيساعدهم على التمييز بين الوقائع الضارة والوقائق الناتجة وقد اتخذ النص صبغة تقريرية في عرضه لأطروحته حيث يبدأ دائما بالتأكيد على موقفه، تصوره للحقيقة ليعقبه بعد ذلك شرح تفصيلي لهذا المفهوم مثل على أولا أن أذكركم، ومن الواضح كل الوضوح…

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:44   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الشخص والهوية الشخصية


استشكالات أولية
رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته، فإن كل واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير ان هذه الوحدة التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة


بل إن البديهي يشكل الموضوع الأثير والمفضل للفكر الفلسفي. ويمكن القول أن الفيلسوف يصادف إشكالية الوحدة المزعومة للهوية الشخصية في معرض بحثه في الماهيات والجواهر. يتساءل الفيلسوف: إذا كان لكل شيء ماهية تخصه، بها يتميز عن غيره، فهل هناك ماهية تخص الفرد، بها يتميز عن غيره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنه ما من صفة فيه، جسمية او نفسية، إلا ويشاطره التخلق بها عدد قليل أو كثير من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاريخ، فهل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟ وهل هذا الجوهر كيان ميتافيزيقي مكتمل التكوين منذ البدأ، أم أنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير؟.
أ-ثبات الأنا واستمراريته في الزمان:
موقف ديكارت: التصور الجوهراني الماهوي للهوية الشخصية
نلاحظ أن الفرد يستطيع التفكير في الموجودات الماثلة أمام حواسه أو المستحضرة صورتها عبر المخيلة، ولكنه يستطيع أيضا التفكير في ذاته ، في نفسه هذه التي تفكر!!
يسمى هذا التفكير وعيا وهو نفس الوعي الذي اعتمدعليه ديكارت في " الكوجيطو" وخصوصا وعي الذات بفعل التفكير الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبيعة المفكرة للذات التي تقابل عند ديكارت طبيعة الإمتداد المميزة للجسم.
تساءل ديكارت في التأمل الثاني: "أي شيءأنا إذن؟ " وأجاب: " أنا شيء مفكر"
ولكن هل وراء أفعال الشك والتذكر والإثبات والنفي والتخيل والإرادة…هل وراءها جوهر قائم بذاته؟
يجيب ديكارت بنعم : إنها النفس، جوهر خاصيته الأساسية التفكير، أي أن للكائن البشري طبيعة خصائصها هي أفعال التفكير من شك وتخيل وإحساس …وهي مايشكل الهوية الشخصية للكائن البشري، بل إنها صفته الأكثر يقينية، والأكثر صمودا أمام أقوى عوامل الشك
موقف جون لوك:نقد التصور الجوهراني الماهوي: ليست الهوية الشخصية سوى ذلك الوعي أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا
يرى "جون لوك" أن مايجعل الشخص " هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان
"إذن فلوك" و "ديكارت" مجمعان بأن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر و -يضيف التجريبي لوك- يشم ويتذوق!
ولكنهما يختلفان فيما يخص وجود جوهر قائم بذاته يسند هذا الوعي وهذه الاستمرارية التي يستشعرها الفرد؛، والواقع أن " الجوهر المفكر" -من وجهة نظر المحاكمة الحسية- كينونة ميتافيزيقية لايسع لوك قبولها انسجاما مع نزعته التجريبية التي لاتقر لشيء بصفة الواقعية والحقيقة مالم يكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس،
وباختصار فالهوية الشخصية تكمن في فعل الوعي، وعندما يتعلق الأمربالماضي يصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل هذا لكي يتجنب لوك القول بوجود جوهر مفكر، أي أن الهوية لاتقوم في أي جوهر مادي كان أو عقلي، ولاتستمر إلا مادام هذا الوعي مستمرا
موقف دافيد هيوم: النقد الجذري للتصور الديكارتي الماهوي
دافيد هيوم فيلسوف تجريبي، لايعترف بغير الانطباعات الحسية مصدرا أولا للأفكار، وعليه فلكي تكون فكرة ما واقعية، فلابد لها أن تشتق من انطباع حسي ما، والحال أن فكرة "الأنا" أو "الشخص" ليست انطباعا حسيا مفردا، بل هي ماتنسب إليه مختلف الانطباعات. وإذا ما وجد انطباع حسي مولد لفكرة "الأنا" فلابد أن يتصف هذا الانطباع بنفس صفات الأنا وهي الثبات والاستمرارية طيلة حياتنا، والحال أنه لاوجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأهواء والاحساسات…، حالات شعورية تتعاقب ولاتوجد أبدا متزامنة أومجتمعة. وعليه ففكرة الأنا لايمكن ان تتولد عن هذه الانطباعات ولاعن أي إنطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل هذه الفكرة واقعيا، ومن باب أولى ينبغي الامتناع عن أي حديث عن الهوية الشخصية كجوهر قائم بذاته.

ب- الذاكرة والهوية الشخصية
بغض النظر عما إذا كانت الهوية جوهرا قائما بذاته أو تعاقبا لحالات شعورية متباينة، فإن الهوية ليست كيانا ميتافيزيقيا مكتمل التكوين منذ البدأ، إنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير
سبق لــ ابن سينا أن لاحظ، في هذا الإطار، بأن فعل التذكر هو الذي يمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها.ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها.
إذا كانت الذاكرة هي مايعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان، كما يلاحظ جون لوك، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته.
لهذا السبب، وعندما يتساءل برغسون عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيرنا، يجيب ببساطة: إن الوعي ذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها
ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو الأرقى ليس مقدرة غريزية او إشراقا فجائيا، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغير.

الشخص بوصفه قيمة

استشكالات أولية:
مالذي يؤسس البعد القيمي-الأخلاقي للشخص؟ وهل يمكن فلسفيا تبرير الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤوليته والتزامه كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها ؟
يستفاد من المحورين السابقين أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين - أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه او مزاجه أو ثروته- هو ذات مفكرة، عاقلة، واعية قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، وذلك بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة…
ولكن مافائدة هذا التجريد النظري على المستوى العملي؟ هل يمكن أن نرتب عليه نتائج أخلاقية ملموسة؟

موقف كانط:العقل أساس قيمة الشخص وكرامته
انطلاقا من هذا التجريد، ذهب كانط بأن الإنسان هو أكثر من مجرد معطى طبيعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامة أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر.إن قدرته كذات أخلاقية على أن يشرع لنفسه مبادئ يلتزم بها بمحض إرادته، هي ما يعطيه الحق في إلزام الآخرين باحترامه أي التصرف وفق هذه المبادئ. ومادام هذا العقل الأخلاقي ومقتضياته كونيا، فإن الأنسانية جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما يستوجب احترامه ومعاملته كغاية لاكوسيلة والنظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء. وهذا الاحترام الواجب له من طرف الغير لاينفصل عن ذلك الاحترام الذي يجب للإنسان تجاه نفسه،إذ لا ينبغي له أن يتخلى عن كرامته، وهو ما يعني أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة، .
لقد كتب كانط هذه الأفكار في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" في القرن الثامن عشر .وصحيح أن القرن العشرين قد شهد تحسنا كبيرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفيف من الميز ضد النساء…، بيد أنه عرف أيضا أهوال حربين عالميتين جسدتا واقعيا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إليهما حروب محلية شهدت أبشع أنواع التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال… مما جعل التأمل الفلسفي، في القرن العشرين يعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدية وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى، "

موقف طوم ريغان:قيمة الشخص نابعة من كونه كائنا حيا حاسا
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بها هذه الكائنات،بما يجعل منها ذواتا أخلاقية، فإن طوم ريغان يعتبر هذا التأسيس غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة واعية أي كائنات حية تستشعر حياتها، بما لديها من معتقدات وتوقعات ورغبات ومشاعر مندمجة ضمن وحدة سيكلوجية مستمرة في الماضي عبر التذكر ومنفتحة على المستقبل من خلال الرغبة والتوقع…، مما يجعل حياتها واقعة يعنيها أمرها، بمعنى ان مايحدث لها، من مسرة تنشدها أو تعاسة تتجنبها، يعنيها بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "
ويمضي توم ريغان بهذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جميع المخلوقات التي يمكنها أن تكون «قابلة للحياة»، أي مواضيع لوجود يمكن أن يتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليها، تمتلك قيمة أصلية في ذاتها وتستحق أن تحترم مصالحها في عيش حياة أفضل..

إذا كان تصور طوم ريغان يتجاوز بعض مفارقات التصور الكانطي، فإنه يثير مفارقات لاتقل عنها إحراجا لأن معيار "الذات الحية التي تستشعر حياتها" يلزمنا بإضفاء قيمة أصيلة مطلقة ليس فقط على الكائنات البشرية، بل وحتى الحيوانات ووبالخصوص الثدييات التي سنصبح مطالبين بمعاملتها كغاية لا كمجرد وسيلة!
الشخص بين الضرورة والحتمية

استشكالات أولية:
يبدو أن مدار الحديث عن مفهوم الشخص - كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها - ينحصر في قضيتين: الكرامة والمسؤولية. يشير المفهوم الأول إلى مايحق للمرء النمتع به بوصفه شخصا، بينما يشير المفهوم الثاني إلى ماهو ملزم او ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أيضا.
بحثنا المفهوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفهوم الثاني، فمن اليسير أن نتصور بأن المسؤولية لاتنفصل عن صفة أخرى وهي الحرية التي يطالب بها الفرد كجزء من كرامته، وهذه المرة أيضا، بوصفه شخصا.
لن نتوقف عند الحريات السياسية لأن المانع دونها جلي واضح، وهو النظام السياسي ومختلف أشكال التضييق والقمع التي يمارسها على حرية الأفراد في التجمع والتعبير، سيقتصر بحثنا فقط على الحرية التي يحاسب الشخص بموجبها أخلاقيا من قبل الغير أو من قبل ضميره الشخصي (تأنيب الضمير) ؛أو تلك الحرية التي تترتب عنها المسؤولية المدنية أو الجنائية والتي بموجبها يحاسب المرء قانونيا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولية أي توفر عنصر الحرية والاختيار، وبناءا عليه يعرض المتهم نفسه للعقوبات المقررة
هل هذه الحرية المفترضة موهومة، لأن الشخص يرزح تحت وطأة مجموعة من الإكراهات والإشراطات التي لايطالها وعيه أحيانا، أم أن الشخص البشري ليس موضوعا ولاتجوز في حقه مقولات العلم وعلى رأسها الحتمية؟
موقف العلوم الإنسانية: تتمثل الضرورة في خضوع الشخص لحتميات تتجاوز وعيه وتلغي حريته
في المحورين السابقين تمت مقاربة مفهوم الشخص من زاوية الوعي وبشكل مجرد من كل تعيين، بيد أن الكائن الشري بنية سيكوفيزيولوجية وكائن سوسيوثقافي، فلا يسعه الإنفلات من قوانين الفيزيولوجيا والمحددات النفسية والإكراهات السوسيوثقافية.
إن تجاهل هذه الشروط هي مايجعل كل إنسان يعتقد أنه السيد في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصيته،
هناك مذاهب فلسفية كثيرة قامت على فكرة الحتمية الكونية الشاملة فلم تر في الشعور بالحرية سوى وهم ناتج عن جهل بسلسلة العلل والأسباب، وكما يقول اسبينوزا، فإنا الناس يعوون حقا رغباتهم لكنهم يجهلون العلل الخفية التي تدفعهم إلى الرغبة في هذا الموضوع او ذاك. وبيدو أن العلوم الإنسانية المعاصرة تقدم دلائل إضافية داعمة للتصور الحتمي السبينوزي،: فالتحليل النفسي مثلا يرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثير من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو اللاشعورية ذات الطبيعة الجنسية أو العدوانية. هذا الهو الذي قال عنه "نيتشه": وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، إسمه الهو. في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"، بل إن بول هودار يذهب إلى حد القول بأن: " كلام الإنسان كلام مهموس له به من طرف الهو، الذي يعبر عن نفسه في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته !!"
أما بالنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجيا، فإن طبقات مهمة في الشخصية لاتعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوظيفية لجماعة الإنتماء، بحيث يمكن القول مع دوركايم أنه كلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله. وإذا كانت التنشئة الإجتماعية تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن هذه الثقافة بدورها حسب التحليل الماركسي ليست سوى انعكاس للبنية التحتية المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لاالعكس.
حاصل الكلام هو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية، لأن البنيات النفسية الإجتماعية اللغوية… هي التي تفعل وليس الذات أو الفرد. هل يمكن بعد كل هذا الحديث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القيام بعمل إرادي؟ هل للسؤال "من أنا " بعد من قيمة؟ !!

موقف سارتر ومونييه:إن كون الكائن البشري شخصا هو بالضبط مايسمح له بأن يبارح مملكة الضرورة؟
رغم كل ماذكر فإن الإنسان لازال يقنع نفسه بأن له شيئا يفعله، شيئا يبقى عليه أن يفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتا ووعيا يمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتميات الشارطة يمثل خطوة أولى على طريق التحرر من تأثيرها وإشراطها المطلق، بلقد اشتقت الوجودية مقولة " أسبقية الوجود على الماهية " من خاصية الوعي،، لأن الإنسان ليس وجودا في ذاته كالأشياء، بل وجودا لذاته: يوجد ويعي وجوده، مما يجعل وجوده تركيبة لانهائية من الإختيارات والإمكانيات؛ وعلى عكس الطاولة أو الشبل اللذان يتحدد نمط وجودهما بشكل خطي انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو الحديث عن شخصيته على نحو قبلي مسبق. صحيح أن الفرد يحيا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعية محددة اجتماعيا وتاريخيا، لكن ردود أفعاله واختياراته لاتحددها هذه الشروط الموضوعية وحدها، بل وأيضا المعنى الذاتي الذي يفهم بموجبه هذه الشروط والأوضاع مما يفسح مجالا واسعا للحرية وانفتاح الممكنات. من هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم عليه بأن يكون حرا، وبان الإنسان ليس شيئا آخر غير مايصنع بتفسه.
ونستطيع استثمار أطروحة سارتر التي أتينا على ذكرها للقول بأن الإنسان ليس آلة إلكترونية، حتى لو أضفنا لها صفات الذكاء والصنع المتقن كما يقول إيمانويل مونييه الذي يرفض كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع لأن البشر ليسوا صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية بمعنى أن كل المعرفة الوضعية التي راكمتهاالعلوم الإنسانية لا يمكنها أن تستنفذ حقيقة الشخص الذي يظل أكثر من مجرد شخصية أي أكثر من مجرد نظام سيكوفيزيولولجي وسوسيوثقافي
نلاحظ أن وجودية سارتر وشخصانية مونييه يتقاطعان في رفض الخطاطة التبسيطية التي تجعل الشخص والظاهرة الإنسانية عموما ظاهرة خاضعة على غرار الظواهر الطبيعية لمقولات العلم الموضوعي وعلى رأسها الحتمية، إن الإنسان بالنسبة لفلاسفة الحرية تجربة ذاتية منغرسة في العالم لاتتوقف عن إبداع نفسها ولكن تقول العلوم الإنسانية: إنه لايبدع ولايعبر إلا عن مجمل الشروط التي يتلقى!

خلاصة عامة للدرس
إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع "الشخص"، فسنقول بأن الشخص، تلك الوحدة الصورية، ذلك الكائن المفكر العاقل والواعي…إلخ ينطوي في المستوى المحسوس على شخصية هي حصيلة تفاعل بين عوامل باطنية وأخرى متعلقة بالمحيط الخارجي، إنها ذلك الشكل الخاص من التنظيم الذي تخضع له البنيات الجسمية، النفسية والإجتماعية. صحيح أن هذا التنظيم يخضع لعوامل ومحددات موضوعية كثيرة، لكن ذلك لايلغي دور الشخص في بناء شخصيته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكاليا متعدد الأبعاد، فماذلك إلا لأن دراسة الشخص ليست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:46   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

منهجية الكتابة في الامتحان الوطني


المطلوب هو كتابة إنشاء فلسفي انطلاقا من تحليل و مناقشة السؤال (نصا كان ام قولة أو سؤالا)

كيف أعالج النص الفلسفي؟

* مقدمة:
أكتب تمهيدا مناسبا لموضوع النص
اصوغ الإشكالية المتضمنة في النص على ان تكون واضحة (و هي أهم شيء)



* العرض: اللحظة الأولى التحليل
استخراج اطروحة النص/ موقف صاحب النص من الإشكالية المطروحة
استخراج الوحدات الفكرية المتضمنة في النص: افكار النص
حجج النص/ الطريقة التي دافع بها صاحب النص عن اطروحته
التركيز على المفاهيم الفلسفية الواردة في النص


اللحظة الثانية المناقشة:
طرح المواقف الفلسفية المساندة لموقف صاحب النص(مواقف حجج مفاهيم أمثلة )
طرح المواقف الفلسفية المعارضة لموقف صاحب النص(مواقف حجج مفاهيم أمثلة )
* الخاتمة:
خلاصات واستنتاجات تركيبية عامة
اماكنية طرح سؤال مفتوح أو ابداء الرأي


كيف أعالج القولة؟

* مقدمة:
أكتب تمهيدا مناسبا يدور حول الموضوع الني تحيل إليه القولة من خلال الدرس
اصوغ الإشكالية المتضمنة في القولة على ان تكون واضحة (و هي أهم شيء)



* العرض: اللحظة الأولى التحليل
استخراج اطروحة القولة/ موقف صاحب النص من الإشكالية المطروحة
التركيز على المفاهيم الفلسفية الواردة في القولة لاستخراج الاطزوحة
الدفاع عن موقف صاحب القولة من خلال ما درسته وما أعرفه


اللحظة الثانية المناقشة:
طرح المواقف الفلسفية المساندة لموقف صاحب القولة (مواقف حجج مفاهيم أمثلة )
طرح المواقف الفلسفية المعارضة لموقف صاحب القولة(مواقف حجج مفاهيم أمثلة )
* الخاتمة:


خلاصات واستنتاجات تركيبية عامة
اماكنية طرح سؤال مفتوح أو ابداء الرأي


كيف أعالج السؤال المفتوح؟

* مقدمة:
أكتب تمهيدا مناسبا لموضوع النص
اصوغ الإشكالية باسلوب واضح (و هي أهم شيء)



* العرض: اللحظة الأولى التحليل
اعرض الاطروحات أوالمواقف الفلسفيةالمتشابهة من الإشكالية المطروحة
يمكن اغناء العرض بما تراه مناسبا (أمثلة افكار مما تعرفه أو درسته)
الدفاع عن موقف صاحب القولة من خلال ما درسته وما أعرفه


اللحظة الثانية المناقشة:
طرح المواقف الفلسفية المعارضة أو التي لها طرح مغاير للطرح الوارد في التحليل(مواقف حجج مفاهيم أمثلة )
* الخاتمة:


خلاصات واستنتاجات تركيبية عامة
اماكنية طرح سؤال مفتوح أو ابداء الرأي


شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:47   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

إمتحان في مادة الفلسفة


النص
" إن مفهوم الشخصية الذي حظي باهتمام علم النفس المعاصر، يحتل مكانة أرقى في التحليل النفسي، باعتباره مدرسة من مدارس علم النفس، فإنه يعطي أهمية كبيرة للتاريخ الشخصي، ويهتم في إطار تاريخ الشخص، بالعلاقات بين الأشخاص.
فالمحللون النفسانيون، لم يقدموا تعريفا عاما للشخصية. لقد اهتموا بالبحث عن تعريف يرتبط بالتنظيم الديناميكي للشخصية، وبباطن الشخص، وبالأنظمة السيكوفزيولوجية التي تضمن تكيف الفرد بمحيطه. لهذا، فالتحليل النفسي أكد على بنية الشخصية أو النظام النفسي".
السؤال:
في ضوء النص:
أوضح تصور التحليل النفسي(فرويد) للشخصية وبين حدوده.
___________________________________
الجواب
من خلال النص يمكن أن نوضح تصور التحليل النفسي للشخصية خاصة من وجهة نظر فرويد كما يلي:
- التاريخ الشخصي للفرد و أهميته:
نعلم أن كل فرد يحمل وراءه تاريخا يتكون من مراحل نمو متتالية:
1 مرحلة الطفولة وهي السنوات الخمس الأولى
2 مرحلة الكمون من 6 إلى 11 سنة
3 المراهقة
4 الرشد
1 مرحلة الطفولة
هي المرحلة الحاسمة في تكوين شخصية الفرد. خلالها تتركز الإستجابة التي يقوم بها الطفل في مناطق محددة من الجسم:
المرحلة الفمية خلال السنة الأولى حيث يعتبر الفم هو المنطقة الرئيسية للنشاط الطفولي
المرحلة الشرجية والمرحلة القضيبية في السنة الثانية حيث تعتبر مناطق الإخراج هي المراكز الرئيسية للنشاط الطفولي وكذلك الأعضاء التناسلية للجنسين.
تسمى هذه المراحل الثلاث بالمراحل قبل التناسلية
2 مرحلة الكمون
هي سنوات تتسم بالهدوء من الناحية الدينامية للفرد
3 المراهقة
تعود الدوافع قبل التناسلية لفورتها. إذا تم تهذيب هذه الدوافع و التسامي بها إنتقل الفرد إلى مرحلة النضج الأخيرة وهي المرحلة التناسلية.
3 الرشد
لا يعود الفرد يستخدم شحناته للحصول على اللذة من تنبيه و استخدام جسمه لذلك، بل بتحويل هذا الحب الذاتي أو النرجسي إلى حب موضوعي يلتمسه لدى الآخرين. فتبدأ بذلك الجاذبية الجنسية والنشاطات الإجتماعية و التخطيط المهني و الإستعداد للزواج في الظهور.
- العلاقات بين الأشخاص:
ويقصد بها هنا هي العلاقات بين الطفل ووالديه ففي المرحلة القضيبية التي تمتد بين الثالثة والخامسة من العمر، والتي تحتل فيها المشاعر الجنسية و العدوانية المركز الرئيسي، لأن الطفل و هو "يلعب" بعضوه الجنسي يكون ممارسا لإستمناء و للتخييل المرتبط به، وتتم خلال ذلك مشاعر متناقضة اتجاه الوالدين، فالولد يوجه شحنته الجنسية إلى أمه وشحنته العدوانية إلى أبيه، و العكس بالنسبة للبنت، و هذا ما يعرف بعقدة أوديب. و إشتهاء الطفل لوالده من الجنس المغاير و كراهيته لوالده من نفس الجنس، ينجم عنه " الخوف من الخصاء" لدى الولد و "حسد القضيب" بالنسبة للبنت التي تعتقد أنها كانت تملك شيئا مهما "القضيب" و أنها فقدته (الخصاء). و من هذه العلاقة، و بسبب تحويل الجانب الشهوي تجاه الوالد من الجنس الآخر إلى مشاعر الحب و الرقة و الحنان، يتم كبت عقدة أوديب، و تطوير الشخصية في أحد مكوناتها الأساسية أي الأنا الأعلى، ولهذا يعتبر فرويد أن الأنا الأعلى هو وريث عقدة أوديب.
إن هذه العلاقات تتم داخل أسرة ووسط وأقرباء، وبسبب تعقدها، فهي إما أن تساهم في تكوين شخصية الفرد تكوينا سويا حيث يصبح التناغم بين متطلبات الهو و الأنا الأعلى حاصلا، و تكوينا غير سوي حيث تبقى المخلفات السلبية على حياة الفرد ذات آثار.
- أن الإهتمام كان بالتنظيم الديناميكي للشخصية وبباطن الشخص وبأنظمته التي تضمن تكيفه مع المحيط، و ليس بالشخصية عامة. لهذه الإعتباراتسُمي هذا الفرع من علم النفس الذي يهتم بالتنظيم الدينامي للإنسان بالإتجاه التحليلي و الدينامي"المتحرك" و ليس بالإجمالي أو الستاتيكي"المجمٌد". فالتحليل النفسييَعتبر الشخصية الإنسانية بنية أو نظاما نفسيا مكوٌناَ ثلاثة أنساق أو تشكيلات و هي: الهوٌ و الأنا و الأنا الأعلى.
الهوٌ هو أهم ممثل للطاقة النفسية الغريزية، يستخدمها في تحقيق رغباته و إشباع حاجياته وفقا لمبدأ اللذة و طلبها، و الإبتعاد عن الألم. و لهذا يتوجه الهوٌ إلى موضوعه مباشرة و لا يعرف التأجيل، و لا يراعي الواقع أو الزمان.
الأناهو المنظم الواقعي و العقلي للشخصية يستعير الطاقة من الهو ليستعملها من جهة في تحقيق التوافق بين متطلبات الهوٌ و موانع الأنا الأعلى و الواقع، و من جهة ثانية في تحقيق مستوى أعلى من العمليات السيكولوجية كالإدراك و التذكر و الأحكام و التمييز و التجريد و التعميم "العمليات المنطقية" لكن إذا إشتدت شحنات الهو، يضطر الأنا إلى استخدام الطاقة النفسية أو جزء منها في ما يسميه فرويد " الشحنات المضادة" التي تظهر على شكل ميكانيزمات دفٌاعة مثل الكبت ، الإسقاط، التثبيت و النكوص ..إلخ. أمٌا الأنا الأعلى فهو أيضا يستمد الطاقة النفسية و يوظف شحناته إما لتأييد أهذاف الغرائز المتفِقة مع قِيَمه أو لإحباطها إذا كانت قير متفِقة مع تلك القيم. و إذ تغلبت تلك الشحنات فإن الغلبة ستكون للإعتبارات الأخلاقية، وهذا يعني أن شحنات الضمير ستقيد الآنا بقيود أخلاقية وتَحول دون أي من نوع من العمل و تحوٌله إلى مثالي، بل و قد تولد لديه الإحباط المستمر، في الأخير ينتهي الشعور المكتئب بالفشل.
-مناقشة التصور
إن تصور فرويد للشخصية لا يمكن مطلقا إنكار أهميته في حقل علم النفس و تاريخه. إنه تصور ثوري لأنه تناول الشخص الإنساني في واقعيته و حلل مراحل طفولته، و شدد على دور الغريزة الجنسية و الغريزة العدوانية في هذه المراحل. ويكاد يكون من الصعب عدم الإتفاق مع فرويد في طروحاته و نظرياته.
رسم فرويد مراحل تطور شخصية الإنسان عبر السنين، و بين خصائص كل مرحلة، كما رسم العمليات الدينامية التي تقع داخل الجهاز النفسي للإنسان سواء تلك المتعلقة بالرغبة(الهوٌ)، أو بالتوافق بين متطلبات الهو و الأنا الأعلى و العالم الخارجي (الميكانيزمات الدفاعة التي يستعملها الأنا) أو بالتوتر و الصراع و المرض. و لهذا كان التصور الفرويدي تصورا ديناميا، يندرج داخل علم النفس الشخصية و علم النفس المرضي.
بيان حدوده
تركيز فرويد على الجنس كعامل وحيد للتفسير، فليست الشخصية الإنسانية محكومة فقط بدوافعها الغريزية الشهوانية، بل هناك دوافع أخرى كحب التملك، و حب الإنتماء إلى الجماعة، وحب التفوق على الغير...وكلها تعتبر موجهة للشخصية و متحكمة فيها.
تركيز فرويد على اللاشعور وعملياته. صحيح أن اللاشعور هو الأصل في السلوكات الإنسانية، إلا أن الفرد و هو ينمو يغادر اللاشعور إلى الشعور، فتصبح أفعاله بفعل النضج أقرب إلى الشعور. إن اللاشعور يتمظهر حتى لدى الراشد في الأحلام و الأمراض العصابية و الذهانية، و لكنه يبقى محدود الأثر في الحياة العامة للناس.
تعميم فرويد لأحكامه و إفتراضاته على الشخصية الإنسانية ككل، دون مراعاة لإختلاف المجتمعات و الثقافات و التي تتدخل في اختلاف تنشئة الأفراد، فليست كل المجتمعات تشبه المجتمع النمساوي الذي عاش به فرويد.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:48   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

تحليل البعد النفسي في أوراق/العروي


تحمل الشخصيات - وخاصة الرئيسية منها - عناصر سيكولوجية تميزها éléments psychologiques، وبذلك يهدف التحليل إلى تحديد هويتها، وبالتالي تحديد صورتها من خلال ترصد حركاتها وسلوكها ومواقفها، والأوصاف المسندة إليها
و مادام إدريس شخصية محورية في النص ( ذات فاعلة ) فإن التركيز سيقع عليها بصورة مكثفة، كي نتعرف على خصائصها ومميزاتها النفسية
يمكن تلخيص الدلالات النفسية عند إدريس بشعوره بالفراغ العاطفي على مستويات متعددة، فهو اليتيم الذي فقد الأم منذ طفولته المبكرة وبالتالي فقد حنان التربية في هذه المرحلة، وعايش أسرة لم يستطع أفرادها ملء الفراغ الذي تركته الأم.
وهو ما نجده على مستوى العلاقة بالمرأة، فقد كان الإخفاق العاطفي هو ما يطبع علاقته بها، بدليل ما تكشف عنه الرسائل التي بعثها ( أو لم يبعثها ) إلى الفتاتين: الألمانية والفرنسية، إضافة إلى نوعية العلاقة بمارية الي لاحظنا توتر علاقته بها حتى على مستوى أعمال العروي الأخرى.
إنه الفراغ العاطفي الناشئ أيضا عن الإحساس بالانفصال عن الوطن، وهو الإحساس الذي لم تستطع باريس تعويضه أو تغييره رغم رغم أجوائها الحضارية البراقة وما تحمله من شحنات نفسية، حيث يظل إدريس منجذبا بروحه إلى الوطن، آملا أن يعيش به في غبطة وسلام عند عودته إلى المغرب، لكنه يحس بصدمة عنيفة عندما يحل بالوطن، ويكتشف ما حصل به من تغيرات سلبية بعد الاستقلال، تخالف مبادئه الوطنية التي تعتبر السياسة سلوكا ومعاناة وليست حرفة يرجى من ورائها اقتناص فرص معينة.
إن إحساسه بالخيبة بعد الاستقلال يعمق الجانب الذاتي لديه، ويساهم في توسيع الهوة بينه وبين الجماعة، ويعكس الإخفاق الذي تفرزه ارتدادات نفسية،فيجعل منه ” قيمة أخلاقية “يحولها السارد وشعيب إلى ” إحساس بالنصر “68
· العلاقات العاطفيةles relations affectives :
وهي مجموع العلاقات العاطفية التي تنشأ بين الشخصيات وأطراف التواصل، أو بينها وبين موضوع أو واقعة أو فكرة أو ذات معينة، ولهذا ينصب التحليل في هذه المرحلة على ما يتضمنه النص من مظاهر ذات طابع سيكولوجي.
ويمكن رصد هذه العلاقات في أوراق كما يلي:
1 - علاقة الصداقة: إنها حافز انطلاق تدشين مشروع أوراق، باعتبارها عنصرا دفع بشعيب إلى أن يترجم صداقته لإدريس عن طريق جمع أوراقه بعد وفاته، وإنقاذها من الضياع، فيكون ذلك بمثابة تأبين وتزكية لروحه، وإعطاء قيمة ومعنى لإخفاقه وموته
2 - علاقة التنافر: وهي التي يمثلها إدريس تجاه الاستعمار وكل من يسير في اتجاهه عن قصد أو غير قصد، وفي هذا الاتجاه يندرج الطلبة الفوضويون الذين انتقدوا الحركة الوطنية، وسارعوا بالعودة إلى المغرب بعد الاستقلال مباشرة لاقتناص المناصب الشاغرة من طرف الفرنسيـين، كذلك يدخل في هذه العلاقة، الانتقاد الذي وجهه إلى إدريس الشرايبي عند صدور كتابه الماضي البسيطle passé simple في ظروف تاريخية وطنية استغلت فيها الحكومة الفرنسية ما جاء في مضمونه من مواقف تجاه التيار الوطني آنذاك.
3-. علاقة الحب : وهي العلاقة المبتورة التي يمثلها الطرف الواحد/ إدريس، وينقطع خيطها عند الطرف الثاني ( مارية - الفتاة الألمانية - الفتاة الفرنسية… )
4. علاقة التواصل : أو الارتباط الذي يعقده إدريس بحنينه إلى الوطن، وبنزعته الخالصة المخلصة تجاهه، إنها نفس العلاقة التي يتبادلها مع مطالعاته وكتبه بما في ذلك المفكرين والفلاسفة والأدباء والشعراء وغيرهم.. إنهم بذلك يمثلون لدى إدريس ” النغمة المفقودة ” التي يطول بحثه عنها، فينغمس في لجة المعرفة ويرتبط بمكوناتها.
إن علاقة الترابط هذه تتمثل أيضا في المحكي الإطار، عندما نجد “شعيب ” والسارد منهمكين في تحليل الألوراق وتفصيل أقسامها، وبالتالي البحث في دقائق حياة إدريس بغاية تقديمه في صورة مناقضة لإحباطاته وإخفاقه.
-التيمات/الموضوعات السيكولوجيةThèmes psychologiques :
هي الحوافز العاطفية التي تؤثر في أفعال الشخصيات، وتتخذ في النص شكل تيمات نفسية فتظهر فيه صراحة أو ضمنا، ويمكن رصدها من خلال جرد التشاكلات les isotpies أو الحقول المعجمية المهيمنة ذات الدلالة المشتركة، لاستخلاص وظيفتها في توضيح حركية العلاقة العاطفية وديناميتها:
· الموضوعات النفسية الجليةles thèmes affectifs manifestes :
تعني المواصفات والمواقف القيمية و المواضيع ذات الطابع النفسي، و هكذا نعاين في أوراق حوافز عاطفية تؤثر في أفعال “إدريس” باعتباره شخصية محورية، و كذا في أفعال “شعيب و السارد” نظرا لارتباطهما به و تعاطفهما معه، و تتخذ هذه الحوافز العاطفية في النص شكل سمات نفسية نختار منها ما يظهر في “أوراق” صراحة مثل:
-تيمة الموت


و هي المنطلق و النهاية، تتجلى في الاستهلال (البداية)، و تنتهي في التأبين (الخاتمة)، و بين هذين النقطتين، تتحدد الأوراق و شروحها، إن تيمة الموت تلعب دورا مهما في النص، فهي الحافز الرئيسي لجمع الأوراق و تدوينها، فلولا موت إدريس لما استدعت الحاجة ذلك، فشعيب يحث السارد منذ البداية على قراءة أوراق إدريس و تحليلها ليفهم أسباب موته، و يطول الحوار بينهما حول هذه الظاهرة، ليفضي الاستطراد إلى حكاية الغراب في الآية الكريمة المشيرة إلى أول جريمة قتل على الأرض (قتل قابيل لأخيه هابيل).
و تشير أوراق مرارا - في هذا الصدد - إلى يتم إدريس، حيث فقد أمه في صغره، فيخاطب شعيب السارد : “مات اليتيم و أنت وارثه الوحيد”69 بل نجدمحاولة تفسير مأساته بيتمه “وددت لو أعيد كل مأساته إلى يتمه”70 . هكذا تؤشر المقدمة على الموت.. بينما يهيمن السارد في التأبين، فيذكر به. إن تيمة الموت هذه تحيلنا إلى تيمة أخرى هي :


-تيمة الفقدان

: و يبدأ بفقدان الأم بالنسبة لإدريس، و هو حدث له أثره البالغ على حياته، حيث يفقد عنصرا عاطفيا مهما، ليصبح الفقدان العاطفي مهيمنا بصورة واضحة على جل حياته، حيث يمتد إلى علاقاته العاطفية الفاشلة.. فالمرأة تصبح لديه رمزا لافتقاد إشباع الخواء العاطفي، فيضطر إلى مخاطبتها كتابة (دون انتظار الرد)، لأنه أصبح بحاجة فقط إلى مخاطب يبثه ما يتعتمل في أعماق نفسه من فراغ، فيحتمي بالعزلة و الانطواء الذي يشكل تيمة أخرى.

-تيمة الانطواء

: و هو العالم الرومانسي أو الصوفي في حياة إدريس، يغرق في أحلامه و يجتر أحزانه، و يتقوقع على ذاته ملتمسا عزاءه في الانكباب على المعرفة، إنه الإنسان المهزوم، المطعون في آماله سواء على المستوى الوجداني أو السياسي الوطني، و كأن الإغراق في المعرفة طوق نجاة يتشبت به للخلاص من عالم انقطعت معه أسباب التواصل، لقد عبرت أوراق عن عجزها عن إقامة علاقة واضحة مع الجماعة، فكانت المصالحة مع الذات بديلا، و أدى ذلك إلى العزلة و الاختلاء المترجم للإخفاق…

- تيمة الإخفاق

: و تهيمن على “أوراق” باعتبارها من أهم دوافع الجمع و التدوين الذي قام به شعيب و السارد، فقد راهنا على تحديد سبب الإخفاق أو أسبابه، بل جعلاه في الأخير -كما سبقت الإشارة- نصرا لإدريس، لأنه إخفاق ناتج عن إحساس بمرارة تجاه واقع حركته عوامل خارجة عن نطاق إرادته، فكان انكسار حلمه بمغرب جديد متطور، منعتق من كل رواسب الاحتلال، و إرهاصات التخلف.

-تيمة الغربة

: و هي هاجس العروي الذي جعلها عنوانا لأحد مؤلفاته الروائية السابقة، حيث نراها ترتبط بإدريس و تتبعه، فيحس بغربة مزدوجة، تتجلى على مستوى المكان، عندما يعايش مغربا خضع لسلطات المستعمر، و فرض عزلة على المغاربة -بما فيهم إدريس- و ذلك في عقر دارهم، لقد ثار إدريس على أستاذه الفرنسي الذي “غربه” حتى على مستوى قدرات الكتابة الإنشائية الفلسفية، باعتباره مواطنا مغربيا “غريبا” عن مثل هذه القدرات المعرفية... و هي نفس الغربة (المكانية) التي يعيشها بباريس، فيحن إلى الوطن باستمرار.
و بالمقابل تتجلى غربة أخرى على مستوى النفس، (اغتراب) عندما يتطلع إدريس إلى مغرب مشرق ببزوغ شمس الاستقلال، فتنحدر الأحلام، و يغترب من جديد داخل الوطن.
· الموضوعات النفسية الضمنية les thèmes affectifslatents :
نستشف هذه الموضوعات من خلال المقاطع المتضمنة لتلوينات عاطفية متناثرة تكشف عن جو “اليـأس و الإحباط” الذي يسود “أوراق” يصفه عامة، من خلال “إدريس” الشخصية المحورية، إن المقولات النصية في أوراق تترجم هذا الجو المعبر عن هذه الأحاسيس السلبية/المحزنة و التي هي بمثابة “نواة مركزية” تتواتر في جل أوراق إدريس على اختلاف مواضيعها و ظروفها، و يؤدي تواترها إلى ضمان انسجام النص.
و تؤكد شبكة العلامات داخل النص دلالة هذه المقولات المعبرة عن الأحاسيس السلبية، فمثلا إذا تتبعنا هذه العلامات في الفصل I(العائلة) و الفصل II(المدرسة) و الفصل III (الوطن) نجد ما يلي :
I - ( أمر تافه… أسماء جنود و ضباط جيش الاحتلال… فيستشعر الخوف… تألم و أحس بالدم يسيل في الحذاء… يجيبه الصمت… بلد يرغم فيه السكان على مغادرة مساكنهم…
كان الفتى وحده في الحافلة… يتألم من البرد… في مقلته مناظر كئيبة مملة… لم يلبث أمله أن خاب… محاطا بزملاء جفاة و أساتذة قساة… لم يتذوق حياة الداخلية… إلخ ).
II - ( أي مغزى نعطيه للألم… بطل المأساة… البطل عاطل… شحب وجهي و نقصت…رفع الأستاذ يده و صفع الفتى بقوة… لماذا الغضب؟… لماذا القلق؟… إلخ ).
III - (شعب يعيش على إرث ثلاثة عشر قرنا… هنا سبب سباتنا الطويل… توترت أعصابي… لأن فرنسا وعدت و خانت… سوء حظنا هو موقعنا الجغرافي… المشكل هو نفسانية المغاربة… أين عقلية التضحية؟… إلخ ).
إن ما يوحد بين هذه الألفاظ و العبارات/العلامات هو اشتراكها في التعبير عما هو “محزن و محبط” و هو تشاكل عاطفي يسيطر كما ذكرنا على جل “أوراق” إدريس الـتي تراوحت بين الذاتي و الفكري و السياسي و الوجداني… و كلها تعبر عن إحباطات نفس متأزمة (عائليا و فكريا و سياسيا و وجدانيا…)، و كلها تلوينات قاتمة تخيم على مجموع النص، و تلخص خيبة إدريس، المثقف الوطني المخلص لمبادئه و قيمه، في واقع لم يستجب لهذه القيم، و هي خيبة و إحباط جعلت العنصر المحزن dysphoriqueيسيطر على ما هو سار euphorique، فكون ذلك تشاكلا عاطفيا تقاطع مع تشاكلات طبعتها المواضيع المختلفة التي سجلتها الأوراق، فتنوعت بتنوعها، و توزعت إلى تشاكلات ذاتية و تاريخية وسياسية و اجتماعية وطنية… تتلخص كلها في عنصرين متعارضين: عنصر يعكس رؤية إدريس الحالمة بواقع إيجابي و عنصر يعكس اصطدام الرؤية بواقع مغاير للحلم.
-الموقف من الوجود، الميتولوجيا mythologies, attitudes devant l’existence :
تساعدنا العناصر النفسية السابقة، على اكتشاف الموقف من الوجود، أو رؤية العالم التي تعبر عنها أوراق.
و المقصود بها مجموع التمثلات و القيم الواعية/اللاواعية التي تحدد موقف إدريس، باعتباره ذاتا فاعلة أساسية، أو موقف فئات أخرى (الطلبة الفوضويين.. الاستعمار.. المناضلين الوطنيين).
و بذلك تتحدد وجهات نظر إيديولوجية متطابقة أو متعارضة مختلفة. لقد عايش إدريس فترة حاسمة من تاريخ المغرب، تنقل خلالها داخل الوطن و خارجه (فرنسا).. و هي مرحلة عرفت أحداثا حاسمة حركت تاريخ البلاد، و طبعته بملامح خاصة..فقد تطور الصراع بين الوطن و المستعمر.. و تحمست الحركة الوطنية في المطالبة بالاستقلال.. و تشبت المغاربة برجوع محمد الخامس من منفاه.. و كانت حركة المقاومة التي بلغت أوجها في هذه الأثناء..
و تعارضت الرؤى في خضم هذا الواقع بين مدافع مخلص و مساير مداهن..
كل ذلك ساهم في تكوين أفكار إدريس، و نضج مشاعره و أحاسيسه، ونمو تطلعاته وأحلامه بمغرب مستقل جديد..إنهاء ” الرؤية ” والموقف الذي يكونه عن هذا الواقع المتعارض ..والمتعارض مع ايديولوجية المستعمر ، فيدافع عن موقفه باستماتة ، ويدخل في نقاش حاد/معارض مع من يتخذ السياسة حرفة لاقتناص الفرص ، وطعن الثوابت والمقدسات.
ونقاش تحليلي مسالم مع من يتخذها سلوكا ومعاناة ، فيبسط مشاريع بناء مجتمع يلبي حاجيات المواطن ، ويستجيب لمطامحه.
-دلالات النص وأبعاده النفسية Significations etimplications psychologiques du texte :
انطلاقا من الدلالات النفسية التي ناقشناها سابقا من خلال تركيزنا على البعد النفسي/العاطفي في ” أوراق ” يتضح لنا أن إدريس مثقف مغربي ، ساير تطور الأحداث التاريخية الوطنية المغربية ، بفكره وإحساسه وعواطفه ، في مرحلة حاسمة تراوحت بين فترة استعمارية وما صاحبها من اضطرابات سياسية وطموحات مستقبلية.. وفترة استقلالية وما صاحبها من احباطات وانكسارات للتطلعات والآمال.
لقد جعلته المرحلة الثانية يواجه إحباطات نفسية كما أشرنا سابقا..وبذلك “حكمت” عليه “أوراق بالفشل والإخفاق..بل بالموت .. لأنه ” رفض أن ينغمس في المسيرة”، أن يتيه بين المراحل والمنازل..”
لقد ناقش كمثقف وكوطني الطروحات الاستعمارية ، وما يتعلق بالحرية والنهضة والتطور..وكان في كل ذلك مدافعا عن الهوية الوطنية والعربية والإسلامية ..تواق إلى مجتمع متقدم ومنتج ، متوفر على كل مؤهلات التنمية والإصلاح..
ومع ذلك جعلته ” أوراق ” يصاب بالإخفاق.. لأنه لم يشارك في ماراطون الحصول على المناصب الشاغرة بعد الاستقلال.. والذي جرى/تسابق في حلبته من كان ينعتهم بالطلبة الفوضويين الذين شاركهم مرحلة الدراسة بباريس.. ولاحظ حلمهم بالحياة الرغدة (الفيللا والسيارة الفارهة… الخ).. فاستمر هؤلاء .. وقضى هو.


البعد النفسي ينطلق هنا من إحساس إدريس بالخيبة والانهزام، وهو المثقف الواعي بخبايا الأمور.. تصارع” الثقافي” و” السياسي” داخل ذاته.. فتمخض هذا الصراع عن الإحساس بالإخفاق.. إنه صراع بين الحلم ( الثقافي) والواقع (السياسي) الذي ذهب ادريس ضحيته! وبقي السارد وراءه ليكشف اللعبة.. ويدين المرحلة ويجعل “الإخفاق” نصرا للإحساس بالمباديء.. وإيمانا بالقيم، رغم أنه إيمان قد يودي بصاحبه!!

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:50   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

اللغــــــة


I - من الدلالات إلى الإشكالية :
1 – الدلالة المتداولة في الدلالة المعجمية :ثم الاعتقاد في التمثل المشترك بأن اللغة هي الكلام وهي بمثابة حقيبة كلمات وألفاظ بتداولها أفراد مجتمع معين كوسيلة للمعرفة وتعبيرا عن التواصل . وبهذا المعنى فهي تحمل دلالات ومعاني جاهزة لمعرفة واقع يتصور هو الأخر بأنه ثابت في جوهرة.وهذا الارتباط بين اللغة والكلام تتضمنه أيضا الدلالة المعجمية كلمة لغة المشتقة في اللغة واللغو إلا أن لسان العرب لابن منظور يحددها كالتالي : " اللغة أصوات يعبر فيها قوم عن أغراضهم " أما المعاجم الفرنسية Robert مثلا فإن كلمة Langage مشتقة في lingria اللاتينية التي تعني الكلام واللسان. وتدل كلمة logos الاغريفية عن الكلام والفكر والعقل .غير أن الواقع يكشف عن آليات أخرى للتواصل غير الكلام والكلمات وذلك بالحركات والإشارات كما هو الحال عند الصم والبكم وبالإيبلءات الجسدية كما يتم أيضا في العلامات والرموز التي تحمل معان ودلالات مختلفة يستجاب لها بكيفية مناسبة ( علامات وأضواء المرور....)ونلاحظ أيضا بأن التواصل اللغوي يختلف من مجتمع لأخر لا رتباطه يا لانتماء الثقافي والحضاري لأفراده فنجد مثلا لغات عديدة عربية فرنسية إنجليزية .... عكس الإيماءات الجسدية والعلامات والرموز التي تتخد طابع الكونية .ونستنتج ما تعدد المظاهر للكلمات وللتمثل القبلي الجاهز : الكلمات مطابقة للأشياء وللأفكار والمشاعر مادام هناك أسماء عديدة لشيء واحد مثلا كتاب كما لا يبدو بديهيا الفكر المتعدد الألسن واحدا أم متعددا ولا ما إذا كان الكلام واللسان واللغة إيضا شيئا واحدا أم متعيدا .وهذا ما يدفعنا إلى تحديد مفهوم اللغة بدقة وشمولية .2 – الدلالة الفلسفية :يميز لا يدقي معجبة الفلسفي بين معنيبين اللغة معنى خاص و معنى عام فاللغة بالمعنى الخاص هي وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا و خارجيا أما اللغة بالمعنى العام هي كل نسق من العلامات يمكن ان يتخذ للتواصل .و يوضح لا ندان اللغة بالمعنى الخاص تتقابل مع الكلام باعتبار الكلام نوع من اللغة وليس كل اللغة و تتقابل اللغة هنا مع اللسان باعتبار اللغة وظيفة مشتركة بين البشر و اللسان نسق من العلامات الصوتية خاص بمجتمع معين خارج إرادة الأفراد و يفرض نفسه عليهم .- يحدد معجم اللسانيات لا روس 1973 اللغة بكونها القدرة الخاصة بالنوع البشري على التواصل بواسطة نسق من العلامات الصوتية اللسان وهي قدرة تستخدم قدرة جسمانية معقدة وتفرض وظيفة رمزية ومراكز عصبية متخصصة وراثياونستنتج من هذان التحديدان النتائج التالية : 1 الإنسان باللغة واشتراكها بين جميع البشر وذلك من حيث هي وظيفة التعبير الكلامي و الفكرياللغة من حيث هي لسان لا تتحقق إلا في شكل اجتماعية تتخذ شكل نسق من العلامات والرموز الصوتية ، يعد شرطا للكلام الفردي العلامات والرموز الصوتية يعد شرط للكلام الفردي استحالة الكلام خارج المجتمع وبدونه. تتوقف اللغة على نشاط فيزيولوجي عصبي وراثي ( منطقة في الدماغ ) وعلى جهاز صوتي ( خيحرة فم لسان ) وعلى نشاط فكري رمزي ، ولكن اللغة لاتتوقف على الصوت ماداما يمكن أن تكون هناك لغة إشارية إيمائية ورمزية غير كلامية .يتجاى من خلال أي نسق رمزي غير كلامي وما ارتياطها باللغة والصوت إلا أمر عرضي غير أن هذه النتائج تتضمن مفارقات وتقابلات تضفي على اللغة طابعا إشكاليا فهي تبدو فطرية طبيعية \ مكتبة ثقافية مادية \ لا مادية عل فردي إداري حر ( كلام ) \ كيان موضوعي واجتماعي قسري ( لسان ) نتاج للفكر (الوظيفة الرمزية ) \ وسيلة للتعبير عن الفكر وتبليغه ( التواصل ) من هذه التقابلات يتكون الاساس النظري الذي تقوم علية الإشكالية الفلسفية المتعلقة باللغة ونمو فها كالتالي :الإشكالية :الاشكال المركزي في مفهوم اللغة هو العلاقة بين اللغة والفكر .هل للفكر وجود مستقل عن اللغة هي نسيج الفكر وقوامة ؟ وعن هذا الأشكال تتفرع الإشكاليات الفلسفية التالية : اللغة الإنسانية واللغة الحيوانية أي هل اللغة خاصة بالإنسان وما الذي يجعلها كذلك ؟ وكيف تنشأ الدلالة والمعنى في اللغة هل بشكل تلقائي وطبيعي أم بالمواضعة والإتفاق ؟ ما هي طبيعة العلامة والرمز اللسانيان ؟ وما هي علاقتها بالأشياء والفكر؟ وكيف تتؤدي اللغة وظيفة التواصل ؟ وهل تنحصر وظيفتها في التواصل ؟ وهل تؤدي خلال التواصل وظيفة الكشف فقط أم وظيفة الإخفاء أيضا؟
II – اللغة الانسانية واللغة الحيوانية : اللغة خاصية إنسانية
تم الإعتقاد بأن اللغة ظاهرة كلامية – صوتية - تستعمل من أجل التعبير والتواصل . وقد سمح هذا الاعتقاد بالحديث عن وجود لغة لدى الحيوان ، بل وعن مشاركته للانسان في هذه الظاهرة . غيران مقارنة دقيقة . بين لغة الإنسان وكيفية تواصله ، وبين لغة الحيوان وطريقة تعبيره عن حاجياته ، تثبت وجود اختلافات ومميزات لا تدع مجالا للشك في اختصاص الإنسان باللغة وانفراده بها.لقد عقد ديكارت مقارنة بين لغتي الإنسان والحيوان ، فتبين له بأن الإنسان عند استعماله للغة فإنه يجعلها وسيلة للتعبير عن أفكاره . أما الحيوان فإنه يستعمل أصواته للتعبير عن انفعالاته . وإذا كان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفكر لأنه يملك ملكة العقل فإن ذلك يدل على أنه الكائن الوحيد الذي يختص باللغة .ينتهي ديكارت إلى أن الفكر من خلال هذه المقارنة شرط انطولوجي للغة فحيثما يوجد الفكر توجد اللغة . ومعلوم أن الفكر لا يوجد إلا عند الإنسان لذلك فاللغة خاصة إنسانية وليست حيوانية . والحقيقة أن ربط اللغة بالفكر حجة غير كافية لجعل اللغة خاصية إنسانية لأنها في نظر بنقنيست تستعمل أيضا للتواصل ، وفي الحالة نجد أن للحيوانات أشكالا للتواصل تبلغ عند بعضها درجة من الدقة ، ولحل هذا الإشكال كان لابد من تجاوز النظرة الفلسفية التأملية التي طبعت موقف ديكارت ، واعتماد دراسات العلمية ، وما يميز هذا النوع من الدراسة هو الوقوف على النتائج التي انتهت إليها الدراسات العملية في مجال التواصل والاستجابات عند الحيوانات .لقد توصل بنفنيست عند تحليلة اللغة الإنسانية ومقارنتها بشكل التواصل لدى النحل إلى أن التوصل الإنساني لا يجعل المعطى الموضوعي ( المادي ) مرجعا وحيدا وممكنا لإنتاج الرسالة ونقلها ، لأن الإنسان يملك قدرة على نقل خطابه من معطى لساني ( لغوي ) حتي وإن لم يعاين موضوع هذا المعطى أو محتواه أما الحيوان فيبقى مشدودا في تواصله بالمعطى الموضوعي . وهكذا استنتج بنفيست أن اللغة الإنسانية تمنح إمكانية تجويد الواقع وقدرة افنسان على إنتاج وإعادة إنتاج وإعادة انتاج الرسالة بفضل حركية الدليل اللساني . ويضيف مارتينية خاصية أخرى تميز اللغة الإنسانية عن اللغة الحيوانية وهي خاصية التمفصل . فما هوا التمفصل ؟ وكيف يحدث في اللغة الإنسانية ؟ التمفصل هو عملية تحليل وتفكيك وتأليف وإعادة تأليف ، ويحدث في اللغة على مستويين
التمفصل الأول : يتم عن طريق حل أورد رسالة أو خطاب ما إلى وحداته المكونة له تسمى " موفيمات " تتميز هذه الوحدات بقدرتها لأن تدخل ضمن سياقات مختلفة من أجل إبلاغ وقائع متعددة ،الأمر الذي يكشف عما يوفره التمفصل من اقتصاد ،فقد يسمح عدد قليل من المور فيمات بإيصال أكثر مما تسمى به أشكال للتواصل الأخرى كالعميات والإشارات ...
التمفصل الثاني : يتم عن طريق حل أورد الوحدات الصوتية للمونميات إلى وحدات صوتية صغري تسمى " فونيمات " وهي وحدات فارغة من المعنى ولا تقبل التمفصل و مع ذلك فهي قابلة للتأليف وإعادة التأليف . وتشكل هذه الوحدات الصوتية الصغرى والبسيطة قاعدة كل لغة فلكل لغة وحدات صوتية متميزة ومحدودة. وعلى الرغم من محدوديتها فإنها تسمع بتأليف عدد لايحصى من المونيمات .
أما برجسون : فيرى أن ضرورات العمل عند الحيوان ليست هي نفسها عند الإنسان ويميز بين لغة الإنسان ولغة الحيوان من خلال تمييزه بين العمل عند الإنسان والعمل عند الحيوان لكون تقسيم العمل عند هذا الأخير تحكمه الغريزة والانفعالات و الاندفاعات والأمر الذي جعل علامات التواصل بين الحيوانات محدودة ومرتبطة مباشرة أبدا بالأشياء التي تدل عليها وهكذا تكون العلامة الحيوانية علامة غريزية وتابتة بينها الإنسان لا يعتمد في عجلة على تركيبه البيولوجي فقط بل تتحدد وظيفته ثقافيا أي اكتسية من المحيط و على مقدراته الفكرية وامكانياته الاجتماعية . إن ارتباط اللغة بالفكر وتمفضلها .... بين بوضوح إلى أي حد يمكن اعتبار اللغة ظاهر إنسانية ينفرد بها غيره تتجلى علاقة اللغة بالفكر في أشكال متعددة ، لكنها تأخذ صيغة خاصة عندما نتساءل عن طبيعة اللغة ، وأصلها وسواء تعلق الأمر بطبيعتها الداخلية أم بعلاقتها بموضوعات العالم الخارجي فإن التساؤل يبقى هو النسق اللساني المنظم . والسؤال المطروح هو هل أصل الكلمات ناتج عن العلاقة الطبيعية بين الأشياء : يتزعم هيرموجين الرأي القائل بأن العلاقة بين الكلمات والأشياء خاضعة للموا ضعة بيتها يرى كراتيل أن ثمة مطابقة طبيعية أصلية بين الكلمات والأشياء وخلص افلاطون إلى موقف المحاكاة إذ أن مهمة اللغة هو محاكاة الأشياء من حيث الماهية أي أن الاسم محاكاة صوتية للشيء المحاكي .إلا أن اللسانيات لم تعد تهتم بطبيعة اللغة الداخلية كنسق إلى الاهتمام بالدلالة والمعنى والرمزية والتواصل : أي كيف تنتج الدلالة والمعنى ؟ وكيف تنشأ العلامة والرمز اللسانيان.
III – العلامة والرمز اللسانيان :
لقد ثبت أن اللغة خاصة إنسانية : وأنها ليست أصوات بقدر ما هي نسق من العلامات والرموز اللسانية يستعملها الإنسان للتعبير عن حاجياته وعن الأشياء المحيطة به الأمر الذي يدل على وجود علاقة بين اللغة والأشياء ، فكيف تتحول الأشياء إلى إعلاميات ورموز لسانية ؟ هل تتحول بشكل وطبيعي أم اعتياطي ؟ وبعبارة أخرى كيف تنشأ الدلالة والمعنى لسانية ؟ هل تتحول بشكل تلقائي وطبيعي ؟ أم بالواضعة والاتفاق .تشكل العلامات و الرموز على اختلاف أنواعها أهمية كبرى في حياة الإنسان وتمكن هذه الأهمية في قدرته على استبدال الأشياء والاستغناء عنها ، وهي القدرة التي تمنحه تحررا من سلطة الأشياء وقيود الواقع ، وتزداد هذه الحرية عندما يتعلق الأمر بالعلامات اللسانية التي جعلها إرنست كاسيرر المجال الحقيقي لانبعاث الوعي البشري وترره من سلكة الأشياء ، فما يميز الإنسان في نظر هذا الأخير ليس هو فكرى كما زعم ديكارت وإنما ما يميز لبيعته هو قدرته على بناء عوالم رمزية تجسد وعيه بوجوده فالإنسان إذن كائن رامز يبدو لنا من خلال هذا الطرح أن العلامة هي الرمز ذاته ما داما بديلين عن الأشياء غير أننا إذا نظرنا إليهما على مستوى طبيعة علاقتهما بالأشياء فإننا سنكشف اتهما يختلفان وفي نحو تام ليبن فارغا بل يحتوي على بقية من الصلة الطبيعية بين الدال والمدلول أي أن الرمز يدخل في علاقة طبيعية مع ما يرمز إليه ولكن لا يشترط لكي يبقى رمزا أن يمثله على نحو كامل أما العلامة فعلا قتها مع ترمز إليه اعتباطية. ويفسر لنا هيجل هدة الصلة الطبيعية بين الرمز والشيء بالمثال التالي : عندما نر من للقوة بالأسد وللمكر بالثعلب فلأن الأسد والثعلب يمتلكان في ذاتيهما الخصائص الطبيعية التي يفترض فيهما أنهما يعبران عن معنى القوة والمكر . وهكذا لانستطيع أن نستبدل مثلا الأسد ( الدال ) بحيوان آخر لأننا لو فعلنا ذلك لتغير المدلول حتما . أما العلامة اللسانية فعلا قتهخا بما تعبر عنه هي علاقة اعتباطية أو تعسفية ، لأننا قد نغير الدال ( المتوالية الصوتية ) ولن يتغير المدلول والسبب في ذلك يعود أساسا إلى اختلاف وتعدد اللغات والألسن.غير أن ينفنيت لا يرى على أن طبيعة الدليل اللساني اعتباطية بل هي ضرورية لأنهما (الدال\ والمدلول) متحدان ومتكاملان ووجهان لمعنى واحد والعلاقة بينهما جوهرية ضرورية وما يكون اعتياطيا في نظرى هو علاقة دليل من الدلائل بعنصر من عناصر الواقع .
IV - اللغة . الفكر والتواصل :
تعتبر اللغة ظاهرة إنسانية ، ينفرد بها الإنسان عن غيره من الكائنات ، وهي بمثابة نسق من العلامات الاعتباطية ، يستعملها الإنسان للتعبير عن حاجياته وأغراضه من جهة كما يستعملها للتعبير عن أفكاره وعن الأشياء المحيطة به من جهة أخرى . الأمر الذي يدل على وجود علاقة بين اللغة والفكر ، فما طبيعة هذه العلاقة ؟ هل تعني أن الفكر يوجد داخل اللغة أم أنه يوجد خارجها ومستقلا عنها ؟ هل تعني تلك العلاقة أن اللغة قادرة عن التعبير عن جميع أفكارنا أم أنها تبقى عاجزة عن فعل ذلك ؟لقد اختلف الفلاسفة والمفكرون في مقاربتهم لعلاقة اللغة بالفكر بحيث أثبت ديكارت وهو يؤكد على اختصاص الإنسان باللغة أن هذه الأخيرة ليست سوى أداة للتعبير عن الفكر .وبحكم على اختصاص الإنسان باللغة أن الفكر يوجد خارج عنها : مختلف في طبيعته . فالفكر عند ديكارت جوهر روحي قائم بناته ، له منطقه الخاص في النمو والتطور ، لا تشكل اللغة بالنسبة إليه سوى أداة تقوم بالتعبير عنه وبتبليغه ، الأمر الذي يدل على أن الأفكار تموت لحظة أن تنجسد في كلمات .غير أن الدراسات اللسانية المعاصرة رفضت مزاعم التصور الأذاتي لأنه مثالي يبقى معه الفكر غامضا يحتاج إلى توضيح . وأن ربط الفكر باللغة يبقى عاملا أساسيا لهذا التوضيح يعتقد أصحاب الدراسات اللسانية أن الفكر ليس له وجود قائم بذاته مستقل بطبيعة ، أنه مجرد نشاط أو فاعلية يقوم بها الذهن ولا تستقيم إلا باللغة ، إن الفكر بدون اللغة يبقى على حد تعبير دي سوسير كتلة تسديمة لا شكل له ولا صورة . الأمر الذي يعني أن اللغة وحدها هي شكله وصورته التي سيوجد عليها ، فاللغة شرط انطولوجي للفكر ، يدرك ذاته من خلالها وينظم وفق قوانينها الداخلية .ينتهي هذا التصور إلى استخلاص النتائج التالية :إن احتواء اللغة للفكر يفيد وجود تطابق بينهما بشكل يجعلها أمام وحدة لا تقبل الإنفسام . فالدال والمدلول وجهان لعملة واحدة .وجود الفكر داخل اللغة ، وخضوعه لقوانينها وتطوره وفق آلياتها يجعله يحتل موقعا سلبيا ، فهو منفعل وليس فاعلا . الأمر الذي يدل على وجود علاقة ميكا***ية بين اللغة والفكر ، إن أهم مكسب حققته االدراسات اللسانية المعاصرة هو تأكيدها على أن الفكر يتشكل لسانيا إلا أن ميرلوبونتي وإن كان قد حافظ على هذا المكسب فإنه يرفض العلاقة الميكا***ية التي أسسها دي سوسير بين اللغة و الفكر . يقول دي سوسير : " .... غير أن هذا الصمت المزعوم هو في الحقيقة ضجيج من الكلمات ، وهذه الحيات الداخلية هي لغة داخلية ، فالفكر والتعبير يتكونان إذن في آن واحد " يتبين من هذا القول أن للفكر عند ميرلوبونتي جدورا أخرى غير اللغة ووضعه هذا لا يعني أنه يتأثر بشرط أو عوامل سياسية واقتصادية ودينية ....... يحمل منها ما يمكنه من التأثير في اللغة ودفعها على ملاحقته . الأمر الذي يعني أن الفكر أصبح طرفا أساسيا في علاقته باللغة ، فهو يؤسسها أو لنقل إنه يتمادل معها مسألة التأسيس ، مما يجعل العلاقة بين الفكر واللغة علاقة حميمية وليست مجرد علاقة ميكا***ية .ولئن تمكن ميرلوبونتي من تحقيق قفزة في مجال علاقة الفكر يتشكل لسانيا لدرجة تطابقة مع اللغة ومعلوم أن هذا الإعتقاد يؤدي إلى استنتاج أن اللغة قادرة على التعبير على جميع أفكارنا وهو استنتاج في نظر يرجسون خاطئ لأني مستنبط من مقدمات خاطئة أيضا ، فالفكر لا يتشكل بطريقة واحدة بل على نوعي حسب برجسون :فكر عقلي : أداته الحدس ، وموضوعه الأشياء والظواهر الطبيعية الهادية القابلة للقياس.فكر حدسي : أداته الحدس ، وموضوعه الظواهر الروحية كالأحاسيس والمشاعر التي تعبير عن الحياة الإنسانية ، وهي ظواهر مجردة غير قابلة للقياس .ومعلوم أن العقل مشدود بالمجال الهادي الجامد ومقيد به ، لذلك تعود أن يضفي على موضوعات هذا المجال الكلمات والألفاظ ، ويفعل هذا التعود نقل نفس الكلمات إلى مجال آخر ليس مجاله وهو الحياة الإنسانية . فمثلا يمكننا أن تضفي كلمة " كيرى " على شيء من الأشياء المادية كالصحراء فتأتي الكلمة مناسبة ومعيرة تعبيرا دقيقا عن تلك الأشياء ، ولكننا إذا أضفين نفس الكلمة على الظواهر المتعلقة بالحياة الإنسانية كالحرية ، فإنها تأتي غير مناسبة وبالتالي غير معبرة عن تلك الظواهر .بهذا الطرح رفض برجسون فكرة التطابق لأن مجال الفكر أوسع من مجال اللغة الشيء الذي يجعل اللغة غير قادرة على التعبير على جميع أفكارنا .اللغة والتواصل :كيف يكون التواصل إجرائيا ؟ ثم هل تكون اللغة أثناء التواصل أداة للكشف أم أداة للإخفاء ؟ نظرية التواصل قديمة في الفكر الفلسفي ، فقد تم الإعتقاد بأن التواصل بتحقق إذا ما توفرت له ثلاثة عناصر وهي : المرسل – الرسالة والمرسل إليه ، إلا أنه مع ظهور الدراسات اللسانية المعاصرة تبين عقم هذا التصور بحيث لوحظ أن هذه العناصر الثلاثة غير كافية لكي يتحقق التواصل ما لم ينضاف إليها عنصر آخر هو السنن أو القدرة على فك رموزها . غير أن أهم ثورة حققتها نظرية التواصل كانت على يد جاكبسون : لأنه كشف عن إجرائية التواصل وعن الوظائف التي نريد تحقيقها أثناء هذه العملية تقدم هذه الخطاطة التالية :نلاحظ من هذه الخطاطات اننا امام تصوربنيوي يجعل اللغة بنية ذات عناصر مترابطة فيما بينها وفق القانون الداخلي – ومن نتائج هدا التصور الغاؤة في خطاطة التواصل العناصر التي لاتنتهي الى البنية اللغوية مثل حركات اليدين وملاع الوجة أثناء الكلام والغاؤة في الخطاطة الثانية للوظائف الخارجة عن اللغة كالوظيفة المادية النفعية الاامر الذي يدل على ان الخطاب لا يناثر بالخلفيات أو العوامل الخارجية الواقعية مما يجعل اللغة شفافة كاشفة وقابلة لجعل التواصل اجرائياإن عيب جاكوسون وغيرة- هو أنهم تصورا اللغة متعاليد عن المجتمع وهو تصصور لن بينما عدنا على فهم الخطاب واستجلاء معناه- لان سيجعل الكلام مجرد مجموع وهو من الكلمات المنتاسقة كل كلمة تتخد معناها ويتم فهمها انطلاقا من سياقها أي من علاقتها بمجموع الكلمات التي ترنبط معها – والحقيقة أن اللغة مؤسسة اجتماعية مثلها مثل باقي طؤسسات الاجتماعية الأخرى تتأثر ببعضها البعض الآمر الذي يجعل اللغة تحمل في كل عنصر تتكون منه المظاهر الثقافية للمجتمع الذي تنتمي الي –وإذا سلمنا بهذا التصور فإننا سننتهي إلى القول بأن اللغة ليست لحكومة بقواعدها فحصب وإننا لا نستطيع استعمال بعض الكلمات في هذا المقام

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:51   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

مبادئ الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا
أحمد أغبال
تقوم الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا على مصادرة أساسية مفادها أنّ الأنظمة السياسية ليست أنظمة طبيعية بل هي أنظمة مبتكرة، صنعها الإنسان من أجل تحقيق بعض الأهداف. ويرتبط عنده الدافع إلى تأسيسها بالطبيعة الإنسانية. تتحدّد فلسفته السياسية، إذن، بتصوّره للطبيعة الإنسانية، منها استنبط مبادئها وغاياتها، وعليها أسسّ مفهومه لطبيعة النظام السياسي الصالح للبشر. ولذلك لزم البدء بالتعريف بتصوّر سبينوزا للطبيعة الإنسانية.
1. تصوّر سبينوزا للطبيعة الإنسانية
سار سبينوزا على نهج هوبز في بناء فلسفته السياسية. كلاهما انطلق من فكرة أنّ الأهداف والغايات السياسية تستنبط من الطبيعة الإنسانية كما هي في الواقع لا كما ينبغي أن تكون. تمثّل الطبيعة الإنسانية في نظر سبينوزا كيانا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى من حيث أنها تخضع جميعها لقوانين طبيعية. فكما أنّ بنيتنا العضوية والفيزيولوجية تخضع لهذه القوانين كذلك تخضع لها بنيتنا النفسية بما تنطوي عليه من انفعالات ومشاعر وأهواء ورغبات. ولذلك لزم التعامل مع الطبيعة الإنسانية ودراستها مثلما يدرس أي كائن طبيعي آخر. وأمّا المبدأ الأساسي الذي يتحكّم في الكائنات الإنسانية فهو مبدأ الكاناتوس canatus principal أو قانون الشهوة الذي يمثّل الدافع الحيوي وإرادة الحياة، وهو ما عبّر عنه سبينوزا بقوله: " كلّ شيء يكافح من أجل الحفاظ على البقاء بقدر المستطاع وبقدر ما له من قوّة". يقوم هذا المبدأ مقام المصادرة الأساسية التي تنبني عليها الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا. يقول بهذا الصدد: "ولمّا كان العقل لا يرغب في ما ليس موافقا للطبيعة، فإنّه بقضي بأن يحبّ كلّ امرئ نفسه، وأن يسعى لما فيه مصلحته وإلى ما هو مفيد له بالفعل؛ ولا يرغب إلاّ بما يفضي بالإنسان إلى مزيد من الكمال؛ ويقضي، بكلّ تأكيد، بأن يكافح كلّ فرد من أجل الحفاظ على وجوده بقدر المستطاع. والواقع، أنّ هذا الأمر ضروري وبديهي مثلما هو بديهي أنّ الكلّ أكبر من الجزء" (1) إنّ قانون الشهوة هو ما يجعل الإنسان كائنا أنانيّا بامتياز. هذا هو تصوّر سبينوزا للإنسان: إنّه أنانيّ بطبعه. تلك بديهية لا تحتاج إلى برهان في نظره. إنّها عبارة عن مبدإ قبلي يفرض نفسه بوصفه حقيقة متعالية عن ظروف الزمان والمكان. وممّا يلزم عن هذا المبدإ أنّ يتصرّف كلّ امرئ وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة. وبحكم طبيعته ونوازعه الشهوانية أصبح الإنسان مؤهّلا – بالفطرة - لأن يكون لغيره عدوّا. وإذا تصوّرناه وهو في حالة الطبيعة، حيث لا وجود للدولة والقانون، فإنّ وضعه لا بدّ أن يكون محكوما بالصراع. يصف سبيونوزا الإنسان وهو في حالة الطبيعة بقوله: "..يتحدّد الحقّ الطبيعي لكلّ إنسان حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم. وليس الجميع مؤهّلا طبيعيّا للتصرّف وفقا لقوانين العقل السليم وقواعده، بل إنّ جميع الناس ولدوا، على العكس من ذلك، في حالة من الجهل المطبق، وقبل أن يتعلّموا أسلوب الحياة الصحيح ويكتسبوا العادات الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتّى وإن كانوا على قدر كبير من التربية. إلاّ أنهّم يكونون في غضون ذلك مضطرّين للعيش والحفاظ على وجودهم، بقدر المستطاع، بدافع الرغبة الشهوانية التي تكون مستقلّة غير تابعة لغيرها [متحرّرة من ضوابط العقل]. لم تمنحهم الطبيعة موجّها آخر سواه، فحرمتهم من القدرة على العيش طبقا للعقل السليم. ولذلك لم يكونوا ملزمين بأن يعيشوا وفقا لأوامر العقل المتنوّر مثلما أنّ القطّ ليس مضطرّا لأن يعيش طبقا للقوانين المتحكمّة في طبيعة الأسد. ومن ثمّة، فإنّ كلّ ما يعتقد الفرد الواقع تحت سيطرة الطبيعة بأنّه نافع له، وسواء أكان منقادا في ذلك بالعقل السليم أو مدفوعا بقوّة انفعالاته، يكون له الحقّ المطلق في طلبه والاستيلاء عليه بأنجع الطرق، وسواء أكان ذلك بواسطة القوّة أو التحايل أو التوسّل أو أيّة وسيلة أخرى. وبالتالي، فإنّه لا بدّ أن ينظر إلى كلّ من يَحُولُ دون تحقيق هدفه على أنّه عدوّ له" (2) في حالة الطبيعة يعيش الإنسان وفقا لمبدإ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكلّ الوسائل المتوفّرة ولو على حساب الآخرين. ولم يكن بوسعه أن يتصرّف في ضوء العقل السليم، لأنّ معظم تصوّراته للرغبة والمنفعة توجّهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتّم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر. والسبب في ذلك أنّ الإنسان جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها. ومن قوانينها الأساسية أنّ لكلّ موجود حقّ مطلق على ما يقع في نطا ق قدرته، وأنّ كلّ شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه بقدر ما له من قوةّ من غير أن يراعي في ذلك أي شيء آخر. هذا هو حال الإنسان في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الناس. ولذلك، فإنّ كلّ من يتصرّف وفقا لقوانين الطبيعة إنّما يمارس حقهّ الطبيعي المطلق. وإذا كان ذكيا فإنّه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطق الطبيعي، وبذلك يظلّ خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، يسعى إلى السيطرة على كلّ ما يقع تحت قدرته، و"تمتدّ حقوق الفرد إلى الحدّ الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة [بالمتغيرات الطبيعية]" ولماّ كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسة، وحيث أنّ الدفاع عن النفس حقّ طبيعي، فإنّ هذا الحقّ مشروط بالقدرة على استعمال القوّة. لا حقّ في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمن له قدرة على ذلك. يمكن القول بعبارة أخرى: إنّه بانتفاء القدرة ينتفي الحقّ. وبسبب جهل الإنسان بقوانين العقل انعدمت فيه الروح الخلقية. ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق. يقول سبينوزا: "من اللازم وصف حالة الطبيعة على أنّها حالة لا وجود فيها لا للدين ولا للقانون، وبالتالي لا وجود فيها للخطيئة والذنب" ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشرّ ولا بين العدل والجور. وبعبارة واحدة، لا وجود فيها لمعاني الأخلاق. وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم بولس الرسول الذي نسب إليه سبينوزا قوله بأنّه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الآية الكريمة: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". يقول سبينوزا: "إنّ الحقّ والقانون الطبيعيين اللذان ولد الإنسان في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يٌحَرِّمَانِ إلا الأشياء التي لا رغبة لأي أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يٌحَرِّمَانِ العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أية وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية" ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحقّ. في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلاّ للأقوى. ولكن القوّة لا تدوم، فالقوي اليوم ضعيف غدا. ومع خوار القوّة تتعطّل آليات الكاناتوس وتتقلّص حدود الحقّ تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرا مستحيلا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالعقل باعتباره الوسيلة الكفيلة بضمان الأمن والبقاء للجميع. إنّ الاسترشاد بالعقل يعني الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات. ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الناس. يخبرنا العقل بأنّ التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكلّ فرد. فإذا كان العقل يحثّ الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإنّ الغرائز الشهوانية تدفع كلّ فرد إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا. وإذا تغلّبت الغرائز على العقل، أدّى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الأفراد. نخلص من ذلك كلهّ إلى القضية التالية: الشهوة تفرّق الشّمل والعقل يجمعه. إنّ للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنّه يمثّل الشرط الضروري لتأسيس المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية. وأمّا الرغبة الشهوانية والانفعالات فإنّه من شأنها أن تقوّض دعائم الاجتماع والمعاشرة والتآلف. يقول سبينوزا بهذا الصدد: "إنّه طالما عانى الناس من الغضب والحسد أو من أي انفعال ينشأ عنه الحقد، يتشتّت شملهم ويعارض بعضهم بعضا. وبذلك يكون الخوف منهم أعظم، لاسيما وأنّهم أكثر قوّة واحتيالا ودهاء من الحيوانات الأخرى. ولمّا كان الناس أكثر عرضة لهذه الانفعالات، فإنّه من الطبيعي أن يكون بعضهم لبعض عدوّا" الانفعالات، إذن، هي مصدر الصراع المدمّر للوجود البشري. إنّ الصراع، بطبيعته المدمّرة، مناقض لمبدإ الكاناتوس الذي تكمن وظيفته في الحفاظ على البقاء. وأمّا ما يجعل الإنسان قادرا على تجنّب الخصومات والنزاع فهو الاسترشاد بالعقل. يكتسي العقل هنا دلالة أكسيولوجية؛ إنّه القوة الدافعة للفرد نحو الآخرين، يدفعه إلى إقامة علاقات إيجابية معهم، ويضفي طابعا أخلاقيا على سلوكه إزاءهم، ويضمن، بالتالي، الاستقرار والأمن للمجتمع.
2. أهمية السلطة السياسية ودورها في حياة الإنسان
لا يشكّ سبينوزا في أن الاسترشاد بالعقل هو السبيل الأمثل للخلاص، ما دام كلّ فرد يرغب في التخلّص من القلق الناتج عن العيش في مناخ يزخر بمشاعر الحقد والكراهية والصراع؛ هذا فضلا عن أنّ انعدام التعاون بين الناس يجبرهم على العيش في فقر مدقع وخوف رهيب. واهتدى الناس، من خلال استرشادهم بالعقل، إلى ضرورة بناء مجتمع على أساس نوع من التعاقد يفوّض فيه كلّ فرد حقوقه الطبيعية للجماعة. يقول سبينوزا: "يتبيّن لنا بوضوح تامّ أنّه من اللازم أن يتوّصل الناس إلى اتّفاق للعيش مع بعضهم البعض في أمان وعلى أفضل نحو ممكن إن هم أرادوا التمتّع جميعهم بالحقوق التي تعود إليهم بشكل طبيعي بوصفهم أفرادا؛ وينبغي ألاّ تكون حياتهم مشروطة بقوّة ورغبات الأفراد، بل ينبغي أن تكون مشروطة بقوّة وإرادة الجماعة. ولا يمكنهم بلوغ هذا الهدف إذا كانت الرغبة الشهوانية هي موجّههم الوحيد (لأنّ قوانين الرغبة تدفع كلّ فرد للسير في اتّجاه مختلف)؛ ويجب عليهم، بالتالي، أن يتّخذوا قرارا صارما بإصدار تشريع يقضي بأن يخضعوا لتوجيهات العقل في كلّ شيء (والذي لا يجرؤ أحد على مخالفته صراحة حتىّ لا ينظر إليه على أنّه مجنون أخرق)، وأن يعملوا على كبح جموح رغباتهم إذا كانت ستلحق الأذى بالآخرين، ومعاملة الجميع بمثل ما يحبّون أن يعاملوا به، وصيانة حقوق الجار كما لو كانت حقوقهم الخاصة" والمراد بالقول هو أن الإنسان بحكم وقوعه تحت قانون الكاناتوس، وميله الفطري إلى تحقيق ما يرى فيه مصلحته، لا يمكنه أن يعيش في مأمن من المخاطر التي تهدّد وجوده بدون عقد اجتماعي يتنازل فيه كلّ فرد عن حقّه الطبيعي على كلّ شيء؛ وهي فكرة نجدها أيضا لدى طوماس هوبز. وللبرهنة على هذه الأطروحة، ساق سبينوزا تفسيرا سيكولوجيا لسلوك الإنسان يبيّن من خلاله الآليات أو القوانين الطبيعية التي تحكّمت في اختيار السلطة السياسية كحلّ لمسألة الحفاظ على البقاء. وانطلق في تفسيره من المصادرات التالية التي تمثّل القوانين المتضمّنة على نحو أبديّ في الطبيعة الإنسانية:
- لا أحد يمكنه أن يفوّت على نفسه فرصة يتوقّع أن يجني منها نفعا عظيما إلاّ أَنْ يَتَرَجَّحَ عنده أحد أمرين: إمّا الحصول على نفع أعظم إذا لزم أن يختار بين بديلين، وإمّا الخوف من أن يلحقه منه أذى عظيم وخاصّة إذا كان الأذى أعظم من النفع.
- لا أحد يمكنه أن يتحمّل أي نوع من الأذى إلا أَنْ يَتَرَجَّحَ عنده أحد أمرين: إمّا أنّ تحمّل هذا الأذى يجنّبه الوقوع في مشكلة يكون أذاها أعظم، وإمّا أن يتوقّع الحصول بعد ما تعرّض له من الأذى على خير عظيم.
- وعن هاتين المصادرتين تنشأ مصادرة ثالثة مفادها أنهّ إذا كان على الفرد أن يختار بين أمرين نافعين، فإنّه سيختار أكثرهما نفعا، وإذا كان عليه أن يختار بين شيئين كلاهما مضرّ بمصلحته، فإنّه سيختار أهون الضررين.
وإذا نظرنا إلى هذه المصادرات في ضوء مبدإ الكاناتوس أو الشهوة تبيّن لنا أنّ الإنسان، بحكم كونه عقلانيا، يميل إلى تقدير قيمة الأشياء، بما تنطوي عليه من خير أو شرّ، في ضوء تقديره للإمكانيات التي توفّرها له للحفاظ على وجوده. ومن هذه المقدّمات (الأكسيومات) استنبط سبينوزا القضية التالية: إنّ الإنسان، بسبب حصول الوعي له بمصلحته العليا، اختار التخلي عن حالة الطبيعة والتنازل عن حقّه الطبيعي على كلّ شيء وقبول سلطة الدولة حين رأى فيها خيرا أعظم أو شرّا أقلّ ممّا وجده في حالة الطبيعة، وخاصة فيما يتعلّق بقضايا الحفاظ على البقاء والأمن والرقي والرفاهية. والحقيقة أنّه لولا خوف الإنسان من شرّ أعظم أو طمعه في خير أكبر لما قبل التنازل عن حقوقه الطبيعية ولما التزم بالعقد الذي أبرمه مع بني جنسه. ومن هنا يتبّين أنّ قيمة العقد الاجتماعي تتحدّد بمقدار ما يجلب من المنفعة ويدرأ من الضرر. يقول سبينوزا: "..إن المنفعة وحدها هي التي تجعل العقد صالحا، وإذا انتفت يصبح فارغا ولاغيا. ومن ثمّة، يكون من الغباء أن يُطَالَبَ المرء بالوفاء بالعهد الذي قطعه معنا إلى الأبد ما لم نُبيّن له أن خرق العهد الذي قطعناه على أنفسنا سيجلب للناكث من الضرر أكثر ممّا يجلب له من الخير. وسيكون لهذا الاعتبار الوزن الأكبر في تأسيس الدولة" وإذا كان الإنسان قد فضّل العيش في كنف الدولة بدل العيش في حالة الطبيعة، فليس لأنّ الدولة خير في ذاتها، بل لأنّها تمثل أهون الضررين. إنهّا شرّ لا بدّ منه؛ وهذا الشرّ يمكن التحكّم فيه، لأنّ الدولة من صنع الإنسان وليست قدرا محتوما. وأمّا الشرّ الملازم لحالة الطبيعة، فلا سيطرة للإنسان عليه. نفهم الآن لماذا فضلّت البشرية الانتقال من حالة الطبيعة، التي يخضع فيها السلوك البشري لحتمية القوى الفطرية العمياء والغرائز الشهوانية، إلى حالة المدنية التي تنظّمها القوانين التي شرّعها العقل. لننتقل الآن إلى مناقشة تصوّر سبينوزا لكيفية الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية والدولة. سبقت الإشارة إلى أنّ مفهوم الحقّ لدى هذا الفيلسوف مرادف لمفهوم القوّة أو القدرة على دفع المعتدي والدفاع عن النفس. فعندما قال بأنّ لكلّ فرد الحقّ في الحياة والحرية والملكية، فإنّما يقصد بذلك أنّه يمتلك القدرة على الحفاظ على حياته وحريّته وملكيته ودَفْعِ المعتدي على حقوقه، وأنّ الدفاع عن النفس ومعاقبة المعتدي هو حقّ طبيعي. إذا كان الأمر كذلك، فإنّه يحقّ لنا أن نتساءل عمّا إذا كان التعاقد يستلزم تجريد الناس من هذا الحقّ، وعمّا إذا كان من الممكن تفويض الحقّ الطبيعي إلى طرف آخر. المسألة بالنسبة لهوبز محسومة. وأمّا فيما يتعلّق بسبينوزا، فإنّ موقفه منها يشوبه نوع من اللبس والغموض. فهو يرى، من جهة، أنّه "يجب على كل فرد أن يفوّض للمجتمع كلّ ما له من قدرة، بحيث يكون لهذا الأخير الحقّ الطبيعي المطلق على كلّ شيء"- كما ورد في الفصل السادس عشر من رسالته في اللاهوت والسياسة - ويذهب، من جهة أخرى، في الفصل السابع عشر من نفس المؤلف إلى أنّه " لا يستطيع أيّ فرد أن يفوّض قدرته، وبالتالي حقوقه، تفويضا تامّا لغيره، وإلاّ فإنّه سيكف بعدئذ عن أن يكون إنسانا، كما أنّه لا يمكن أن توجد سلطة لها من السيطرة ما يجعلها قادرة على تحقيق أيّة رغبة ممكنة". وخلص إلى القول: "يجب التسليم، إذن، بأنّ كلّ فرد يحتفظ لنفسه بجزء من حقّه، ويضعه تحت تصرّفه، في منأى عن [تأثير] أي شخص آخر". ومن الحقوق الطبيعية والقدرات التي لا يمكن لأي فرد تفويضها لغيره بأيّ حال من الأحوال، حقّه أو قدرته على التفكير الحرّ في كلّ شيء، لأنّ عقل الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر" (الفصل العشرون). ولا يمكن للدولة أن تخضع العقول لمشيئتها إلاّ بالعنف، وتكون أشدّ عنفا عندما تقف ضدّ حرية التفكير، وقد تذهب في ذلك إلى حد إصدار أحكام بالإعدام على من يخالفونها الرأي، ولكنّ هذه الأحكام تظلّ مخالفة للعقل السليم الذي هو مبدأ تأسيس الدولة ذاتها. وهذا ما جعل سبينوزا ينكر على الدولة حقّها المطلق في ذلك. وإذا كان الحقّ في التفكير الحرّ لا يُفَوَّضُ، فما المانع من سحب هذا الحكم على الحقوق الطبيعية الأخرى ؟ وإذا كان الحقّ عند سبينوزا مرادفا لمفهوم القدرة، فهل يمكن تفويض القدرات للغير؟. وإذا ثبت أنّه من غير الممكن ولا من الجائز تفويض القدرات للغير، فما الذي يجب تفويضه ؟ يمكن القول في ضوء نتائج التحليل التي توصّل إليها سبينوزا في الفصل العشرين من رسالته في اللاهوت والسياسة إنّ ما يمكن للأفراد تفويضه للدولة التي تمثّل إرادة الجماعة هي سلطة القرار في كل ما يتعلّق بكيفية استعمال القدرات وتقييم نتائجها لتحديد ما يصلح منها للمجتمع وما لا يصلح له. وأما تفويض القدرات فهو بمثابة سلب مقوّمات الهوية الإنسانية للأفراد، وتحويلهم إلى مجرّد آلات أو بهائم. يقول بالحرف الواحد: "لا، ليس القصد من إقامة الحكومة هو تحويل الناس من كونهم كائنات عاقلة إلى بهائم أو دمى متحرّكة، بل المقصود منها هو تمكينهم من تنمية قدراتهم العقلية والجسدية في أمن" ويتجلّى موقفه بوضوح على المستوى العملي بخصوص ما يمكن تفويضه في الخطاب الذي توجّه به إلى حكومة بلاده في ختام الفصل المذكور. يقول: "وهكذا أكون قد أنجزت المهمّة التي اعتزمت معالجتها في هذه الرسالة. ولم يبق لي سوى التنبيه إلى أنّني لم أكتب شيئا مما لم يكن في نيّتي أن أتقدّم به لمن يتولوّن مقاليد الحكم في بلدي ليقوموا بفحصه والحكم عليه، وأنّني على استعداد للتّراجع عن كلّ ما سيثبت لهم أنّه مخالف للقوانين أو ضارّ بالمصلحة العامّة. إنّني أدرك أنّني بشر، وأنّني معرّض بوصفي إنسانا للخطإ. لقد اتّخذت كلّ الاحتياطات اللازمة لتجنّب الوقوع في الزلل، وحرصت على البقاء في انسجام تامّ مع قوانين بلدي بروح الولاء والأخلاق"
هذه الفقرة الختامية ترديد لصدى أقوال وردت في مقدمة الكتاب.
الهوامش:
1)Benedict de Spinoza. The ethics. Translated from the latin R.H.M. by Elwes.
2)Benedict de Spinoza. A theologico-political treatise. Translated from the latin R.H.M. by Elwes

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:52   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الدولة والسيادة في عصر العولمة


ما هي الدولة؟ وما هي غايتها؟ سؤال يبدو لأول وهلة، وكأنه يعيدنا إلى تلك المناقشات الأولى في الفلسفة السياسية حول معنى الدولة والسلطة والمجتمع.
إن مثل هذا السؤال, تفرضه أحداث اليوم فرضاً, كما كانت أحداث الماضي قد فرضته لأول مرة, منذ أن كان هناك جماعة بشرية, ومنذ أن كانت هذه الجماعة سياسية بالضرورة, ففلاسفة اليونان والرومان والعرب المسلمين, ومسيحيو أوربا العصور الوسطى, وحداثيو أوربا عصر النهضة, ومنهجيو العصور الحديثة والمعاصرة, حين خاضوا في السياسة, وعلى رأسها مفهوم الدولة, إنما كانوا يفعلون ذلك لأن الأحداث والمتغيرات الجارية كانت تدفعهم لذلك دفعاً, فلم يكن اعتباطاً, أو من باب الترف الذهني أو الفكري, مثلاً أن يقوم أفلاطون ومن بعده أرسطو ومن قبلهما سقراط, بمناقشة قضية الدولة وعلاقتها بالمجتمع, وكيف يجب أن يكون الشكل الأمثل لتلك الدولة, وعلاقة الحاكم بالمحكوم, فقد كانت حضارة وثقافة (دولة المدينة) الإغريقية آيلة للسقوط, مفسحة في المجال للدولة الإمبراطورية العالمية التي استهلها الإسكندر المقدوني, قبل أن ترث روما تلك الإمبراطورية, ومن هنا كانت القضية تفرض نفسها على الأذهان والعقول. وعندما خرج ميكافيلي بمفاهيمه السياسية الجديدة, أو هوبز ومن تلاهما من مفكري السياسة الحديثيين (من حيث الانطلاق في التنظير من عالم الوقائع لا من عالم المُثل), كانت هناك تغيرات اجتماعية واقتصادية وبالتالي سياسية, تتفاعل في أحشاء المجتمع الأوربي, وكان لزاماً أن يكون هناك تعبير نظري سياسي عنها وعن اتجاهاتها, وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج, وما يجب أن تسفر عنه من نتائج, ومن هنا كان دور المفكر والفيلسوف والمثقف للتعبير عن تلك التغيرات, فالتنظير عموماً ليس ترفاً, أو شيئاً مفصوم العرى عن الواقع, بقدر ما هو تعبير عنه واستشراف له في ذات الوقت, فعندما كان توماس هوبز الإنجليزي, وجان بودان الفرنسي يتحدثان عن مفهوم (السيادة), ويُنظران له, فإنهما في الحقيقة كانا يعبّران عن تلك المرحلة الانتقالية في التاريخ الأوربي من الدولة (الكوزموبوليتانية), إلى الدولة (القومية) الحديثة, ومن تشظي السيادة في البلد الواحد, رغم وحدتها الشكلية أو الاسمية, إلى حصر السيادة في موقع واحد, هوبز وبودان, كمثل هنا, كانا يضعان الأسس النظرية لتنظيم الدولة الحديثة, وهما لم يأتيا بذلك التنظير من بنات الخيال المجرد, بقدر ما كانا يربطان الأحداث والتغيرات الجارية بما يمكن أن يتجلى عنها من نتائج, ويربطان بين الطرفين (الحدث ونتيجته المحتملة) بالتنظير المستند إلى الواقعة السياسية والاجتماعية, وليس إلى مجرد التأمل أو التفكير الرغبي, وعندما أنهت معاهدة (ويستفاليا) (8461) الحروب الدينية الداخلية في دول أوربا, مفسحة في المجال للحروب القومية الخارجية, كان ذلك إعلانا رسمياً بولادة (الدولة - الأمة) (nation state) الحديثة, وما يتضمنه ذلك من مفاهيم ملازمة, مثل مفهوم السيادة الذي عبّر عنه مكيافيلي وبودان وهوبز نظرياً, قبل أن يتجسد سياسياً.
انقلاب في التاريخ
وما يجري على الساحة الدولية اليوم, هو نوع من الانقلاب الجذري في العلاقات بين الدول, وفي تلك العلاقة التقليدية بين الحاكم والمحكوم, وما يتضمنه ذلك من تغيرات محتملة في شكل الدولة ونمط الحكم المعتبر شرعياً, بحيث يمكن القول إن مثل هذا الانقلاب لا يقل في أهميته المستقبلية, عن ذاك الانقلاب في التاريخ الأوربي, الذي أدى في النهاية إلى انتهاء عصر وبداية عصر جديد, مع ما يرافق ذلك من بداية ظهور مفاهيم سياسية جديدة, أو مضامين جديدة لمفاهيم قديمة, تصف هذا الانقلاب والتحوّل, وتحاول أن تضعه في إطار نظري سياسي جديد, كما فعل منظرو تلك الحقبة, فبعيداً عن مستوى التحليل الآني والجزئي (micro) للسياسة, والمواقف السياسية بصفتها فن الممكن, فإن الإفرازات السياسية بعيدة المدى, منظوراً إلى المسألة من زاوية كلية (macro) لعصر العولمة, وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية وانهيار آخر الإمبراطوريات (الكوزموبوليتانية) التقليدية (الاتحاد السوفييتي), رغم القشرة الحديثة لتلك الإمبراطورية, وأثر كل ذلك على ما نشاهده اليوم من أحداث في مناطق البلقان والقوقاز وشرق آسيا, هو بداية تحوّل جذري في العلاقات الدولية, وفي شكل الدولة وبنيتها, وفي السياسة الداخلية وعلاقة الحاكم بالمحكوم على حد سواء. فالدولة عموماً, إنما نشأت في المقام الأول على أساس شرعية الحفاظ على حياة أفرادها ابتداء, ومنحهم فرصة الحركة الآمنة نسبياً, والدولة القومية خاصة, وما تتضمنه من مفاهيم السيادة ونحوها, إنما برزت إلى الوجود كنوع من وضع حد للعنف في المجتمع, ومن ثم تأتي بقية الحقوق, بغض النظر عن مدى (حقوقيتها), فقد يكون هناك اختلاف على طبيعة تلك الحقوق, وكونها حقوقاً من عدمه بين مختلف المفكرين وممارسي السياسة في القديم والحديث, ولكن حق الحياة ذاته لا يمكن أن يكون هناك اختلاف عليه, فهو الحق الأساس الذي تقوم عليه بقية الحقوق, وقد تختلف الدولة القومية الحديثة عن أنماط وأشكال الدول السابقة عليها, من حيث إنها تقوم على أساس الأمة الواحدة, والشرعية المنبثقة عن مفهوم الأمة هذا, ولكن ذلك لا ينفي الجوهر الرئيس الذي قامت عليه الدولة بصفتها تجمّعاً بشرياً بوظيفة تاريخية معينة, ألا وهي تحقيق الأمن للجماعة المنضوية تحتها (أمة كانت تلك الجماعة, أو مزيجاً من الأمم), ومن هنا انبثق مفهوم (السيادة) ذاته في المقام الأول, ومن بعد ذلك تأتي بقية الاعتبارات, نعم, قد يكون هنالك بعض الأيديولوجيات السياسية, والتيارات الفكرية التي تعطي الدولة أهمية عظمى, وتمنحها كل الحقوق, بما فيها حق حياة الفرد ذاته, وخاصة في عهود قديمة, ولكن مثل تلك التيارات والأيديولوجيات تعتبر نوعاً من الشذوذ عن القاعدة العامة, حين النظر إلى المجرى التاريخي العام للفكر السياسي والممارسة السياسية والتاريخية للإنسان, وحين يتناقش المفكرون وفلاسفة السياسة في غاية الدولة وهدفها الرئيس, فإنهم لا يختلفون حول حق الحياة هذا, ضمنا كان ذلك أو صراحة, سواء كان نقاشهم يدور حول غاية الدولة مثالياً (أفلاطون وروسو وهيـغل على سـبيل المثال), أو واقعياً (مكيا فيلي وهوبز وفيبر مثلاً), فمن دون الوجود المادي لذات الإنسان, فإنه لا معنى لأي تجمّع بشري, وأي تجمّع بشري?!
وعندما يُعرف عالم اجتماع مثل ماكس فيبر الدولة (السلطة) بأنها (الاحتكار الشرعي لوسائل العنف في المجتمع), فإن هدف هذا الاحتكار في النهاية هو الحفاظ على حق الحياة ابتداء, ومن ثم تأتي بقية الحقوق حسب الاتفاق, وحسب التطور التاريخي لعلاقة الحاكم بالمحكوم, وما ينبثق عنه كل ذلك من نظام سياسي واجتماعي, والاحتكار الشرعي لوسائل العنف في المجتمع هذا, هو الأساس المادي لمفهوم السيادة, بل هو ذات السيادة, التي حددها بودان, وهي أساس مفهوم السلطة, كما حددها هوبز خاصة, فمفهوم السيادة, بصفته المفهوم الأساس للدولة القومية الحديثة, إنما ظهر إلى حيّز الوجود نتيجة تعرض الحياة الفردية للخطر, خلال فترة الثورات والانتفاضات والاضطرابات السياسية والدينية والمجتمعية في أوربا (إنجلترا وفرنسا على وجه الخصوص), والتي بدورها ألغت أي إمكان للاستقرار, فكان لابد والحالة هذه (العقلانية العملية كما يراها هوبز), من أن تحتكر مؤسسة واحدة وسائل العنف في المجتمع, وتكون الخلية الأولى للدولة وما يتعلق بها من مفاهيم, من أجل ألا تتحول العلاقات بين الأفراد والجماعات إلى خطر يهدد الحياة ذاتها (حالة الطبيعة وفق مفهوم هوبز), ولو استعرضنا كل ما قيل أو كـُتب في الفلسفة السياسية, قديمها وحديثها, حول الدولة ومفاهيمها التابعة, وخاصة مفهوم السيادة, لما وجدنا أن الغاية النهائية, أو المتفق عليها على وجه الدقة بين الجميع, تخرج عن الهدف السابق, وسواء كان ذلك صراحة أو ضمناً, فيما هم يختلفون على كل شيء آخر.
ولكن, وهنا يكمن السؤال المؤرق والمحرق معاً, ماذا يحدث إذا تحوّلت الدولة ذاتها? وهي المحتكر الشرعي الأوحد لوسائل العنف, إلى أن تكون هي المهدد الأول للحياة في المجتمع, وذلك كما هو الحال في كمبوديا (بول بوت) والخمير الحمر, أو كما في حالة كوسوفو أو الشيشان مثلاً? في مثل هذه الحالة, ووفق منطق مُنظري العقد الاجتماعي, سواء كان العقد يرتب حقوقاً سياسية (لوك وروسو), أو لا يتعلق بغير حق الأمن والحركة الآمنة (هوبز), فإن العقد ينفسخ بين (السيد), بصفته ممثلاً للدولة وسيادتها, ومحتكراً للسلطة المنبثقة, وبين الأفراد, وهم غير ملزمين بطاعته حيث انتفت الشرعية ذاتها, وتحول السيد (فرداً كان أو جماعة), إلى مجرد محتكر لوسائل العنف, أو مالكاً لها على أقل تقدير, دون أن يكون له (الحق) في استخدامها, مثله في ذلك مثل أي عصابة عادية, فالفرق الرئيس, إن لم يكن الأوحد, بين (السلطة) والقوة المجردة ليس مادياً, بقدر ما هو معنوي إن صح التعبير.
فكلتا الممارستين تتضمن القدرة والقهر والإرغام, وإمكان استخدام العنف, ولكن السلطة تتضمن الحق في ممارسة القدرة, بينما القوة المجردة تنتفي منها هذه الصفة, وذلك مثل الفرق بين جندي أو شرطي يحمل مسدساً, ولص يحمل مسدساً هو الآخر, فالسلطة, في خاتمة التحليل, تعني استخدام القوة من أجل هدف عام, وهذا هو الأساس النهائي للشرعية ومفهومها, ولكن, ومن الجهة الأخرى, ورغم انفساخ العقد وفق هذه النظرية أو تلك, فإن محتكر القوة يبقى هو السيد الفعلي في المجتمع, وبالتالي فإنه, وفي مقابل التجمعات البشرية الأخرى, إنما يمارس (حقوق) السيادة, فكيف يكون الموقف منه? هذا هو برأي الكاتب هنا هو سؤال العصر.
ومن جهة أخرى, ووفقاً لما يجري في عالم الواقع اليومي, وبعيداً عن التنظير بعيد المدى, وإن لم يكن بعيداً عنه ذاك البعد, ماذا لو كان المحتكر لوسائل العنف في المجتمع (الدولة, السلطة) من القدرة بحيث إنه يهدد حق الحياة في المجتمع, وفي ذات الوقت, ليس في مقدور الأفراد فسخ العقد حتى لو أرادوا, كما هو الحال في الشيشان اليوم مثلاً? هل يجوز في هذه الحالة للآخرين, أي دول وجماعات أخرى, التدخل للمساعدة في فسخ العقد مثلاً? مثل هذا السؤال يثير من الإشكاليات والتساؤلات المتشعّبة, أكثر مما يقود إلى إجابة شافية وافية, وهل هناك مثل هذه الإجابة في الشئون الإنسانية على أي حال? فوفقاً لمفهوم السيادة التقليدي, فإنه لا يجوز لأي طرف خارج الدولة التدخل في الشئون الداخلية لدولة أخرى, مهما كانت الظروف والأحوال, حتى لو كان هناك نوع من التصفية العرقية مثلاً, في هذا البلد أو ذاك, فالسيادة تعريفاً هـي السلطـة التـي لا تعلوها سلطة في الداخل, وغير الخاضعة لأي سلطة أخرى في الخارج, ولكن مفهوم السيادة هذا, الذي أسميناه بالتقليدي, وإن كان قد ساعد على تبلور الدولة القومية الحديثة كما نعرفها في العصور الحديثة, إلا أن صفته المطلقة, والتعسّف في استخدامه, قد يؤديان إلى عكس المرام منه في بداية تبلور المفهوم, أي الحفاظ على الحياة في المجتمع وصيانة حقوقها, كأي تعسّف في استخدام الحق مما يتحدث عنه أهل القانون, ومن هنا, ففي اعتقاد كاتب هذه السطور, فإن مفهوم السيادة وفق التعريف السابق, وبالتالي مفهوم الدولة وحدود سلطتها, مقدم على تغيرات وتحوّلات في معناه ومبناه وحدوده النظرية والعملية, وذلك ليعكس التغيرات والتحوّلات السياسية في عالم اليوم, فإذا كان مفهوم السيادة في بداية تبلوره, عنى فيما عنى حرمان تلك المؤسسات والجماعات ما دون الدولة (الإقطاعية, القبيلة, الطائفة, الكنيسة, وغير ذلك) من امتلاك السيادة أو جزء منها, فالسيادة لا تتجزأ, وأصبحت الدولة وفق هذا المفهوم هي (مؤسسة المؤسسات), والمالك الأوحد للسيادة في الدولة الواحدة, فإن عولمة الاقتصاد والاتصالات المعاصرة, ونتائجها السياسية والثقافية الملازمة بالضرورة, سوف تؤدي في النهاية إلى حرمان الدول المتعددة من حق السيادة المطلقة, وصولاً إلى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم أجمع, بصفته الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة, وذلك كما يبدو من قراءة مجرى الأحداث.
القدر الإنساني المشترك
وإذا كان أرسطو قبل قرون عدة من الزمان, قد وصف تطور المجتمع السياسي بأنه انتقال من العائلة إلى القبيلة ثم إلى المدينة (بوليس) في خاتمة التطور, بصفتها الشكل السياسي الأكمل والنهائي للتطور السياسي البشري (خاتمة التاريخ), وأثبت التاريخ وتطوره بطلان هذا التنظير, فإنه يمكن القول اليوم بشيء من الثقة, أن (الدولة القومية) ومفاهيمها المرافقة, لن تكون نهاية التطور السياسي للتجمعات البشرية, وفق ذات منطق أرسطو, ووفق ما نشاهده اليوم من تحوّلات متسارعة وجذرية في أثرها, فالبعض, في الماضي والحاضر, مجّدوا الدولة القومية كثيراً, واعتبروها أكمل شكل سياسي من الممكن أن يحققه الإنسان, أو حتى أنها عبارة عن نهاية للتاريخ ذاته (هيغل كأبرز مثل), مقتفين في ذلك أثر أرسطو في تنظيره لدولة المدينة الإغريقية, ولكن يبدو أن المسألة خلاف ذلك, وربما كنا اليوم في بداية الطريق نحو تحقق حلم بعض الفلاسفة (الطوباويين) في الدولة العالمية, فالعولمة المعاصرة, وضمن ما لها من آثار سياسية غير مباشرة, أدت إلى, أو هي في الطريق إلى أن تؤدي إلى نوع من الشعور بالقدر الإنساني المشترك, وما يمكن أن يقوم على مثل هذا الوعي من إحساس إنساني مشترك, وذلك كما أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في أوربا في بداية العصور الحديثة إلى الشعور بالقدر القومي المشترك, وما قام عليه من شعور قومي مشترك, فمجرد طفل جائع يبكي في أدغال إفريقيا مثلاً, يستثير العطف وحركات المشاركة الوجدانية وغير الوجدانية لدى البعض على ضفاف نهر الدانوب أو الرور أو المسيسيبي, وعلى ذلك قس, ليست القضية هنا تدخل هذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك الدولة, بقدر ما هو في ذلك الشعور المتنامي بالمصير المشترك لكل بني الإنسان, نعم إن لمثل هذه العولمة نتائجها السلبية العديدة على الدولة في العالم الثالث خاصة, وما يثيره ذلك من أسئلة وإشكالات الهوية والمصير الوطني أو القومي أو نحو ذلك, وما قد يؤدي إليه ذلك من حركات عنف وتطرف, إلا أن كل ذلك لن يكبح تياراً هو سائر في طريقه, كما أن البكاء على دولة المدينة الوادعة لم يقف في طريق انبثاق دولة العالم المقدونية والرومانية.
ولكن, وعلى فرض أن هذه هي المسألة, يبقى سؤال يفرض نفسه فرضاً حقيقيا: مَن سيكون صاحب السيادة في هذا العالم الجديد الآخذ في التشكّل? فالتدخل هنا أو هناك لابد أن يكون منبثقاً عن سيادة معينة, وهذه السيادة لابد أن تكون مستندة إلى (احتكار شرعي لوسائل العنف في المجتمع), وهو مجتمع العالم بكليته هذه المرة, كي يكون لصاحبها (الحق) في ممارسة القوة التي تقف فوق كل القوى, أي أن تكون تلك القوة (سلطة) معينة, سؤال في الحقيقة سابق لأوانه, ولا أملك له بطبيعة الحال جواباً قاطعاً, ولكن يمكن التكهن رغم ذلك بمسار الأحداث والتطورات المحتملة, استناداً إلى مقدمات معينة يمكن ملاحظتها في عالم اليوم, فبالرجوع إلى أحداث الماضي الحديث, نجد أن السيادة واحتكارها كانت في البدء من نصيب الأقوى مادياً, الذي نصب نفسه سيداً وفقاً لنتائج الصراع بين مختلف القوى في تلك اللحظة من الزمن, وبالتالي, فإن شرعية مثل ذاك السيد كانت قائمة على القوة المجردة بشكل رئيس, أي شرعية من لا يطيعني, فليحاول أن يعصيني, ولكن استقرار الأوضاع, واستمرار الصراع بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية, وما يتمخض عن ذلك من تطورات ووعي متنام, أدى في النهاية إلى انتقال (ملكية) السيادة من السيد القديم إلى الشعب نفسه, أي عموم المجتمع, وأصبحت شرعية القوة مرفوضة نظراً, حتى وإن كانت ممارسة عملاً, وخلال فترة الانتقال من شرعية القوة المجردة, إلى شرعية الأمة, كان السيد قد بدأ هو بذاته في التحوّل, بحيث إن شرعيته, حتى في وعيه هو, أصبحت بما يفعله في الشأن العام, وليس بمجرد قدرته المادية البحتة على ضبط الأمور بما يكفل استقرار سلطته, ومن هنا, وبالنظر إلى المجتمع الدولي المعاصر, فإنه يمكن القول إنه ربما انفردت قوة معينة (الولايات المتحدة مثلاً) بالهيمنة في عالم اليوم, وفق شرعية القوة المجردة التي كانت أساس شرعية السيد القديم, ولكن ذلك لا يعني استمرار هذا التفرّد القائم على أسس مادية بحتة, فما حدث في المجتمع القومي الواحد من تغيرات وتحوّلات وتطورات, ليس بعيداً أن يحدث على مستوى المجتمع الإنساني العام.
تحوّل جذري
ما نراه اليوم من تغيرات على الساحة الدولية, والساحات الوطنية بالتالي, هو بداية تحوّل سياسي جذري في تاريخ العالم السياسي والمفاهيم المؤطرة لعلاقاته, فالحدود مثلاً, والتي هي إطار ووعاء الدولة وسيادتها, يزداد عجزها يوماً بعد يوم عن الوقوف في وجه ما لا يعترف بالحدود في الاقتصاد والاتصالات والمعلومات, والسلطة, السياسي المنظور منها والاجتماعي غير المنظور, تفقد تدريجياً قدرتها السابقة على الإمساك بخيوط الحركة وتغيرات الذهن في المجتمع والدولة معاً. بإيجاز, فإن السلطة السياسية, وخاصة في العالم المتلقي لتأثيرات العولمة, أخذت تفقد دورها بشكل متسارع من أن تكون تلك البؤرة التي يدور حولها كل شيء, وتحدد مجال حركة كل شيء, وبالنسبة لنا, عرباً كنا أو مسلمين أو غير ذلك, فإنه إذا بقينا نحلل الأحداث وننظر إليها من منظور المواقف الذاتية البحتة, فلن نفهم حقيقة العالم وما يجري فيه, ولن نستطيع بالتالي فهم النتائج الكبرى التي لا ريب آتية نتيجة هذه التغيرات, فلنصفق لمن نـشـاء, ولنصفر لمن نشاء, ولنشجب مَن نشاء, ولنمدح مَن نشـاء, ولكن ذلك كله يجب ألا يكون حاجباً بيننا وبين الرؤية النقية لحقائق الأمور, ومجرى الأحداث, هذا بالطبع, على افتراض أننا نريد أن نعيش في هذا العالم.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء 0 والزوار 12)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كل شيء عن الفلسفة للشعب العلمية باكالوريا تونس 2011 abdelaziz1971 منتدى الباكالوريا 61 05-26-2014 10:18
مراجعة دروس الباكالوريا رياضيات abdelaziz1971 منتدى التعليم الثانوي 9 05-08-2013 04:00
منهجية الكتابة في الامتحان الوطني لمادة الفلسفة باكالوريا abdelaziz1971 منتدى الباكالوريا 0 03-20-2011 20:56
عودة الأسبوع المغلق لتلاميذ 7 و8 و9 أساسي chiko منتدى الأخبار التونسية و العالمية 0 03-12-2011 15:54
الإتحاد الوطني لتلاميذ تونس UNET المنتدى العام 4 02-09-2011 21:27


الساعة الآن 10:04

Get our toolbar!



جميع الحقوق محفوظة 2010-2012 © . Powered by vBulletin®
Copyright ©2010 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات تونيزيـا ميكس