العودة   منتديات تونيزيا ميكس > ** القسم العام ** > المنتدى التعليمي > المنتدى التعليمي > منتدى الباكالوريا
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 04-18-2011, 10:09   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

مدخل لباب الانساني بين الوحدة والكثرة ج 1


ما الإنسان؟
ليس سؤال الإنسان عن ذاته بالسؤال المستحدث أو بالسؤال المصطنع.
ليس بالسؤال المصطنع من جهة كونه يتعلق بخصوصية الوضع الإنساني، باعتباره وضع يرتبط بتلازمه مع خاصية الوعي الذي يرتبط بهذا الوجود ،وعي يستشعر من خلاله الإنسان حاجته للمعرفة: معرفة ذاته، وموضع هذه الذات في الوجود. إن السؤال الذي يقود إلى هذا الوعي لا يعبر مطلقا عن ترف فكري (ذلك ما تشهد به على الأقل تاريخية الوضع الإنساني إذ حضر سؤال الإنسان عن ذاته ووضعه منذ بدايات تشكل الوعي الإنساني وفي لحظة، مازال فيها، خاضع بشكل مطلق لمحيطه الطبيعي، يصارع من اجل حفظ بقائه و ضمن الشروط الدنيا لحفظ البقاء ) وإنما ، يعبر طرح هذا السؤال، عن حاجة ملحة لتحصيل اليقين والاطمئنان معرفيا ووجوديا؛ اطمئنان لا يستقيم وجود الإنسان دون تحققه. إن تجربتنا الشخصية، ذاتها، تثبت لنا إن مناسبات طرح السؤال غالبا ما اقترنت بأشد تجاربنا مأساوية وحدة. ذلك أن السؤال عن معنى وجودنا وغايته، وعن مصيرنا، وعن القضاء والقدر، وعن الموت غالبا ما يتشكل ضمن لحظات قلق وجودية ترتبط بالقلق والحيرة والخوف، كنتيجة للشعور بالمرارة والعجز والإحساس بالفشل. ( أنظر قصيدة الشاعر إليا أبو ماضي " لست أدري" مثلا) فيكون طرح هذه الأسئلة ومحاولة البحث عنها، في بعض وجوه، بمثابة البحث عن استعادة حب الحياة ذاتها، وإرادة الاستمرار فيها.
وسؤال الإنسان عن ذاته ليس بالسؤال المستحدث ،كذلك،من جهة كونه سؤال ينغرس في عمق الوعي البشري وهو ما يشهد عليه مضمون الفكر الأسطوري؛أول أشكال الوعي البشري وأقدمها. بل لعل الوعي الإنساني، ذاته، ما كان انبجاسه غير استجابة وتقاطع مع هذا السؤال ؛ذلك ما يشهد عليه، صراحة ، مضمون هذه الأساطير( أنظر أسطورة قلقامش:الوضعية الاستكشافية الثانية في الكتاب المدرسي).لا يتعلق الأمر بالأسطورة وحدها فالحال ذاته بالنسبة لمختلف أشكال الوعي البشري الأخرى من فن ودين وفلسفة وعلم؛ إذ يضل محور الاهتمام فيها جميعا الإنسان، رغم فروق أوجه الاهتمام وكيفية تناول السؤال وطبيعة الجواب المفترض له.
أمام هذا الإقرار بكثافة حضور سؤال ما الإنسان داخل كل أشكال الوعي البشري، وعلى امتداد كامل تاريخ هذا الوعي، يفترض بنا أن نتساءل عن وجاهة وخصوصية المقاربة الفلسفية لهذا السؤال؟ إن إقرارنا منذ البداية بكون سؤال الإنسان عن نفسه ليس بالسؤال المستحدث أو المصطنع في تأكيد بتعلق السؤال بكامل التجربة الإنسانية في مختلف أشكالها وتجلياتها، يفترض أن السؤال ليس سؤالا فلسفيا خالصا، تتميز به الفلسفة وتحتكره، غير أن ما يجب الانتباه إليه كذلك أن هذا الاشتراك ما بين الفلسفة ومختلف أشكال الوعي البشري، لا يفيد مطلقا تماثل حيثيات طرح السؤال ما بين الفلسفة وبقية أشكال الوعي الأخرى.
يتعلق الأمر باختلافات، قد تتفاوت درجتها ما بين الفلسفة وأحد أشكال الوعي كل على حدة، كما معها جميعا، لكنها تضل في كل الحالات اختلافات أساسية ترتبط بخصوصية الخطاب الفلسفي ذاته.
يمكن أن نرد هذا الاختلاف الأساسي، إلى خصوصية، وطبيعة الخطاب الفلسفي ذاته. تتجلى هذه الخصوصية في مستويات متعددة، غير أنها تدور جميعا حول مفهوم الكلي. إن ما يكسب الفلسفة خصوصيتها كنمط من التفكير، ليس في مسألة الإنسان فقط، ولكن فيما يعود على مجمل خطابها وقضاياها، إنما تشكل هذا الخطاب حول مفهوم الكلي؛ الكلي كمبدأ للتعقل والكلي كمطلب والكلي كرهان.
ضمن أية حدود يتشكل الكلي كمبدأ ومطلب ورهان في إطار التفكير في الإنسان؟
يتعلق الأمر بداية بتجاوز البداهة الخادعة التي تجعلنا نستشعر وضوح وبداهة الجواب عن السؤال. بداهة زائفة وخادعة من جهة ارتباطها بالتجربة الحسية والذاتية المباشرة، إذ تنتهي هذه التجربة إلى إثبات وجودنا وتحديد لحقيقة هذا الوجود من خلال ما نستشعره من وحدة وتواصل ومباشرة حضور " الأنا" في خضم تجربة اليومي ، وهو إحساس بحضور وبداهة هذه الأنا يجد إثباته في تماسك هذا الحضور رغم تغير حالات الأنا النفسية والجسدية وأشكال ارتباطها باليومي.
تبرز المغالطة التي يقوم عليها هذا التحديد في إرجاع السؤال عن الإنسان إلى مستوى وجود حسي وجزئي ومباشر ، يرتبط بتجربة وخصوصية تتقوم بما هو انفعالي وذاتي، من جهة أولى؛ ذلك إن كان هذا الرد وإن كان يقول لنا شيئا عن " زيد " أو عمر" بغض النظر عن قيمة ما يقوله ، فان زيد أو عمر لا يمكن أن يدللا على ما يمكن أن يكون عليه الإنسان بإطلاق، الذي هو مطلبنا.
أما من جهة ثانية فالمغالطة الثانية التي يقوم عليها مثل هذا التحديد فتتعلق بالتناقضات التي تحكم هذا الموقف ذاته. إن النظر إلى الإنسان بما هو ذات متعينة في فرد بعينه ، مع افتراض وحدة وثبات أناه، وفي نفس الوقت ربط هذا الوجود بتجربة اليومي مع ما تفترضه من تقاطعات وعلاقات وثيقة بالعالم والآخر والجسد، يغفل عن تحديد مقومات هذه الأنا من جهة علاقتها بهذه المحددات التي يرتبط وجود الفرد بها.
يتعين الإحراج في نهاية الأمر، إن عمدنا إلى إعادة صياغة الاعتراضات السابقة صياغة فلسفية، بالتساؤل عن حقيقة هذه الأنا بين حدي " الوحدة والكثرة"؛ وحدة تتجلى فيما أستشعره من وحدة أنايا واستمرارها وثباتها رغم تغير أحوالها، وكثرة تتجلى في ارتباط وجود هذه الأنا بأكثر من مجال ومستوى وعلاقة.. لا يتعلق السؤال عن حقيقة الأنا بين الوحدة والكثرة بالسؤال عن أنا فردية وعينية، ولكن بالبحث عن مقومات الوجود الإنساني ذاته. وبعبارة أكثر دقة ومباشرة يتعلق السؤال بتحديد ما يشكل حقيقة الإنسان من جهة تعيين ما يتمايز/يختلف به بشكل مطلق عن الوجود الحيواني، فيكون هذا التمايز هو أساس وضع الخط الفاصل بين الوجود الإنساني من جهة والوجود الحيواني من جهة ثانية.
لا يتعلق السؤال، بالسؤال إذن عن أنا فردية وعينية وإنما يتعلق بالسؤال عن " الإنساني". يجب أن ننتبه في هذا المستوى إلى وقوع تحول أساسي في مستوى صياغة السؤال عن الإنسان من التفكير في مسألة الإنسان إلى التفكير في "الإنساني". فما هو مبرر هذا التحول في الصياغة؟ وماهي استتباعات هذا التحول في تحديد خصوصية ورهان الاستشكال الفلسفي للتفكير في الإنسان؟
ارتبط السؤال الفلسفي تقليديا عن الإنسان بصياغة مخصوصة تسأل عن الإنسان اعتمادا على صيغة " ما هو الإنسان؟"، صياغة ستجد تعبيرها النهائي في التحديد الكانطي لرهان الفلسفة وسؤالها الأساسي الذي ترجع إليه بقية الأسئلة في سؤال " ما الإنسان؟". تفترض هذه الصيغة التفكير في الإنسان من جهة الماهية واثبات ماهية مطلقة ومتعالية للإنسان. غير أنه ومنذ لحظة هيقل المرتبطة بالتفكير في الإنسان في علاقة بالعالم والآخر سيصبح هذا التحديد الماهوي القائم على الصياغة الميتافيزيقية لسؤال " ما هو الإنسان؟" صياغة لا شرعية من جهة كونها لا تقبل التفكير في الإنسان ككثرة ايجابية.بذلك ستستعيض الفلسفة عن الصياغة الكانطية للسؤال عن الإنسان " ما هو الإنسان؟" إلى صياغة مستحدثة للسؤال هي صياغة " من هو الإنسان؟" صياغة، كما سنرى، ستسمح بالتفكير في الإنسان من جهة الكثرة المنفتحة وليس الوحدة المنغلقة ، من جهة شروط وكيفيات تحقق الوجود الإنساني فعليا وواقعيا وليس النظر إلى ما يجب أن يكون عليه الإنسان. على هذا الأساس فان اعتماد مفهوم الإنساني عوضا عن صياغة أولى، تسأل عن الإنسان بإطلاق، إنما يحيل إلى هذا الوعي بما يكتنف المسألة من غموض وتعقيد. وهي محاولة لتشريع البحث في الإنسان انطلاقا من صياغة محايدة تحاول استشكال كلا المقاربتين للتفكير في الإنسان والتثبت من إمكان الارتقاء بالوجود الإنساني إلى مستوى الكوني وتحديد صعوبات واحراجات هذا المطلب.
إن ربط مطلب الكلي بالإنساني، وان بدا انه يتقدم بنا خطوة حاسمة في اتجاه مقاربة سؤال ما الإنسان، فانه لا يخلو من استشكال حين يكون حدي "الإنساني" تقابل مفترض بين "الوحدة" و"الكثرة".
إذا كان معنى" الإنساني" يمكننا أن نتجاوز، لحظة، تعقيدات التردد بين صيغتين مختلفتين للسؤال عن الإنسان ؛بين صيغة "ماهو الإنسان؟" ذات الطابع الماهوي والأفق الميتافيزيقي الكلاسيكي،وصيغة "من هو الإنسان؟"الأكثر معاصرة، فان ربط الإنساني بحدين يفترض فيهما التقابل وليس التقاطع؛"الوحدة" من جهة و"الكثرة" من جهة ثانية،يحيلنا إلى مزالق لا تقل حدة نظرا لما يترتب عن استتباع هذا التقابل على تحديد دلالة الكلي/الكوني سواء تعلق الأمر باستتباعات معرفية أو خاصة ايتيقية قيمية تتعلق بما سبق وان حددناه من رهان مركزي لمقاربة الفلسفة لمسالة الإنسان وتحديدا تعيين شروط العيش المشترك.
إن ربط الكلي بالوحدة يربط "الإنساني"بما هو جوهري؛ فالإنساني يتعين كجوهر قائم بذاته؛ مطلق وثابت وهو تصور الإنسان الذي طبع تاريخ الفلسفة منذ الفلسفة اليونانية إلى حدود لحظة الحداثة مع هيقل ، "حيث أنّ النفس لدى اليونان، مثلها مثل "الذات" أو "الأنا" لدى المحدثين، هي "جوهر" قائم بنفسه، أي هو "حامل" منطقي وأنطولوجي لصفات أو أعراض متعددة لا توجد إلا به، في حين أنّه هو مستغن عنها في استمرار وجوده لأنها ليست من مقومات ذاته".بذلك فان الإنسان يتقوم بماهيته وينظر إليه من جهة هذه الماهية التي يحملها. مقابل هذه الماهية، والتي سواء تعينت كنفس عاقلة عند القدامى، أو كذات أو أنا عند المحدثين فان الكثرة لا تتجاوز مرتبة ما هو عرضي. إن الكثرة، أن كانت داخلية؛ الجسد والرغبات والأهواء، أو خارجية؛ العالم والآخر، هي مجرد أعراض. فهي وان ارتبطت فعليا بالوجود الإنساني، و تعلقت بالإنسان فإنها لا تدخل في تعيين حقيقته لا على المستوى المعرفي ولا على المستوى الأنطولوجي، ذلك أن معرفتها كما وجودها يضلان مشروطان بمعرفة ووجود الماهية من جهة أولى، إما من جهة ثانية فان الجهل بمعرفتها أو وجودها لا يربك يقيننا في معرفة ووجود الماهية(سواء كانت نفس أو ذات أو أنا).

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:10   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

مدخل لباب الانساني بين الوحدة والكثرة ج 2


إن تحديد "الإنساني" تحديدا ماهويا يرتبط بالوحدة ويستبعد الكثرة يتشكل معه مطلب الكلي ذاته ماهويا.يفترض هذا التحديد الماهوي للإنسان تراتبا داخل الوجود فليس للموجودات نفس المرتبة والمنزلة الأنطولوجية. وليس التأكيد على أفضلية النفس أو تعالي الذات غير بحثا يبتغي تأكيد واثبات رفعة المنزلة الإنسانية.
فحقيقة الإنسان وجوهره،أي إنيته وفق هذا التصور، كما وجوده الفعلي، يشترط هذه الوحدة التي تتعين في ماهيته بما هو جوهر قائم بذاته ومكتف بها. أما "الخارجات"،وسواء كانت داخلية أو خارجية فهي "غير" وإطارها "الغيرية" أي غير "الإنساني" إذ لا يشترط في تحديد الإنساني حضورها، وهي بذلك لا ترتقي إلى مستوى الكوني/الكلي، بل إن منزلتها العرضية، تلك، تمثل من بعض الوجوه عائقا يحول دون تحقق الإنساني في الإنسان على وجه كلي/كوني.
هذا الربط بين الانية ووحدة النفس العاقلة ،داخل الفلسفة القديمة،أو الذات، داخل الفلسفة الحديثة، بحثا على إثبات رفعة المنزلة الإنسانية وشرفها، أو تأكيدا على فاعليتها، لا يمثل في ذاته مشكلا من جهة كونه رهانا ومطلبا مشروعا، إنما يعود الإشكال الحقيقي في السؤال عن مشروعية هذا الاختزال الذي يسم هذه الانية، والإمكان الفعلي والايتيقي لاستبعاد "الجسد" و"العالم" و"التاريخ" و"الآخر" من مجال تحديد الإنساني في علاقة بمطلب الكلي.
إن تجليات الوجود الإنساني تبرز لنا وبشكل مباشر خصوصية هذا الوجود الذي هو وجود علائقي و تعددي.إذ أن التحديد السابق للإنية واشتراط إمكان إثبات وجود الأنا ، ومعرفتها في تعلقه بضرورة اعتبار هذه الانية مطلقة ومتعالية وثابة ، يضعنا أمام إحراج متعدد الطبقات. يمكن أن نختزل مجمل هذه الاحراجات فيما سبق وأن حددناه من مقتضى التفكير في مسألة الإنسان ؛ أي ربط هذا التفكير بمطلب الكلي، بما هو بحث عن شروط إمكان التأسيس لمطلب العيش المشترك كرهان إيتيقي أقصى، هو أفق ومقتضى البحث ذاته، يستلزم ، ضرورة رفض كل أنانة تقيم حاجزا بينها وبين الآخر. إن تحديد مقتضى العيش المشترك كأفق للنظر في الإنسان على أساسه يكون تناوله من جهة البحث عن الإنساني هو إقرار بكون مقاربة الإنساني تستلزم النظر في كثافة وجود الإنسان كثافة تتجلى في تعدد العلاقات التي يرتبط بها ويتداخل في ضلها وجوده وتتحدد بها ومن خلالها إنيته.
يرتبط النظر في " الإنساني بين الوحدة والكثرة"، إذن، بالتوتر القائم بين النظر للإنسان كهوية تعين تمايزه وتفرده يعود هذا التحول إلى الوعي بما يكتنف الوجود الإنساني من مفارقات ضمن مطلب الكلي. ذلك أن تحديد هذا الكلي في مستوى التفكير في الإنسان مربوط إلى التوتر القائم في مقاربة " الإنسان" بحدود مسألة "الوحدة والكثرة". فان كانت الوحدة تفترض في الإنية كحالة وجودية، تؤسس لما يجعل من الذات موجودا لأحل ذاته( بتعبير سارتر) متميز في خصوصية وحدته عن غيره، من أجل التفرد ضدا على التشابه والنمطية، على غرار نمطية الأشياء الموجود في ذاتها، من جهة والنظر لهذا الوجود باعتباره ثابت ومطلق ومتعال من جهة ثانية. ولكنها تنفتح به في نفس الوقت على وجوده كموجود في الوجود في بعده التعددي والعلائقي. بذلك تكون الكثرة حالة وجودية علائقي تخرج فيها الذات عن ذاتها المنغلقة على ذاتها والمكتفية بذاتها نحو التاريخ والجسد والغير، دون أن يعني خروجها هذا، خروجا عن ذاتها أصلا، وإنما هو خروج يمثل شرط إمكان معرفة ذاتها واثبات وجودها بما يحقق إنيتها.
هذا الربط بين " الوحدة" و " الكثرة" في تعيين "الإنساني " يستلزم النظر إلى الحدين لا على أساس التباعد والتنابذ وإنما التجاذب والتفاعل ايجابيا بما يثبت أن الانية لا تكون إلا "هوية مركبة".
إن اشتراط تحقق الإنية بضرورة خروج الذات عن ذاتها، وانفتاحها على " الآخر"؛"عالما" و "أنسانا"، بقدر ما يقيم وصلا بين الأنا" و الغير ورفعه لدرجة الآخر الذي لا أكون إلا به، يستوجب النظر في تحديد شروط وآليات ومقتضيات التواصل التي تجعل من تأسيس الإنساني تأسيسا يراهن ويحقق مطلب العيش المشترك.
إن رد الوحدة إلى كثرة لا يعني تلاشي الأنا و ضياعه في كثرة تطمس وحدته وتنفي تمايزه وخصوصيته، وإنما يعود هذا الرد إلى تأسيس وضع هذا الأنا في إطار ما ينسجه من علاقات تواصلية مع الآخر. يتعلق الأمر إذن بجدلية فصل ووصل؛ فصل يثبت للانية وحدتها وتفردها، ووصل يشرط هذه الوحدة والتمايز بالتواصل مع الآخر.
يتحدد مفهوم التواصل بداية باعتباره المقتضى الذي بقدر ما يستبطن ويفترض الفصل وتمايز الأنا، يمثل في نفس الوقت شرط إمكان تحقق الوصل؛ إنه بهذا المعنى " وساطة" وجسر.التواصل الإنساني هو "وساطة" لا من جهة النظر إليه كأداة، وإنما باعتباره، في نفس الوقت، التجلي والمقتضى لتحقق الإنساني على وجه كوني. فالتواصل هو تواصل إنساني من جهتين: من جهة أنه يقيم خطا فاصلا بين الوجود الإنساني و "الطبيعة" إذ إذ تشكل وسائط التواصل قطعا وتعاليا على مستوى الوجود الطبيعي الخام من خلال ما يضمنه من علاقة غير مباشرة بين الإنسان والطبيعة. فالتواصل بما هو خاصية إنسانية هو خاصية ينفرد بها الإنسان وتهبه نمط وجود يختلف جذريا عن نمط الوجود الحيواني. وهو تواصل إنساني من جهة ما يضمنه من إمكانات تحقق تواصل كوني بين الإنسان والإنسان. إن التواصل لا يلغي التمايز والاختلاف والتفرد، بل لعله لا يكون ممكنا أصلا، ولا ذا معنى دون الإقرار بهذا التمايز بين الأنا والآخر تمايزا يجعل من التواصل ، في نفس الوقت ممكنا ومطلبا. إننا ، وكما تبرز لنا ذلك تجربتنا الخاصة، لا نتواصل مع الغريب بإطلاق لانعدام إمكان التواصل أصلا، ولا نتواصل مع الشبيه بإطلاق لعدم الحاجة للتواصل معه كذلك أصلا التواصل لا يكون إذن إلا مع المختلف والذي يحوز منزلة بين منزلتين؛ منزلة الغريب ومنزلة المماثل.
يتحدد التواصل بما هو إنساني في تشكله عبر وسائط رمزية هي "الأنظمة الرمزية". وهي وسائط بما هي جسور ، بقدر ما تثبت وتعين وجود مسافة بين الأنا والآخر فإنها، وفي نفس الوقت، تجعل من قطع المسافة ممكنا والاقتراب من الآخر يسيرا. إن هذا التواصل بما هو إنساني من حيث المجال والآليات والغايات إنما يتأسس على وحدة الإنساني ذاته. إمكان التواصل وتحقيق الالتقاء والتفاهم يضل مشروطا بداية بمقتضى الوحدة، وحدة تجد سندها في وحدة الوضع البشري، وخصوصية هذا الوضع، بما هو وضع متعال ومفارق يؤسس لوجوده بتحقيق انفصاله عن مستوى الوجود الطبيعي. وهو بتعيينه للمنزلة الإنسانية في قطعها مع مستوى الوجود الطبيعي، إنما يؤسس في آن واحد للانفتاح على الغير.
يتجلى هذا الانقطاع فيما يميز علاقة الإنسان بالأشياء إذ تتحدد هذه العلاقة بما هي علاقة غير مباشرة تنتظم ضمن وسائط تكون هي الوسيط بين الإنسان والأشياء. إننا لا نقبل على الأشياء مباشرة ولكن بتوسط الرموز التي يصنعها الإنسان ويستحدثها فتكون علاقته لا بالأشياء في ذاتها وإنما بالرموز التي تحيل عليها.
قد لا تكون مسألة التواصل على هذا القدر من الوضوح، ولا على هذا القدر من البساطة. إذا كان مفهوم التواصل يحيلنا بداية إلى عملية ثلاثية الأبعاد تتركب وتقتضي توفر ثلاثة معطيات مرسل و رسالة والمرسل إليه.
غير أن ما يجب الانتباه إليه هو مدى التعقيد الذي يلف هذه العملية في كل أجزائها، ذلك أننا وسواء تعلق الأمر بالمرسل أو المرسل إليه فإننا في الحالتين أمام ذات واعية أمام ذوات واعية. الذات المرسلة لا يتعلق فعلها بمجرد الإخبار المحايد وإنما تبحث من رسالتها على إحداث تأثير محدد في المتلقي تتحقق به مصلحة ما، بغض النظر عن طبيعة هذه المصلحة إن كانت مادية أو معنوية. والذات المتقبلة ذاتها لا تقبل الرسالة على أساس من الشفافية المطلقة وإما من خلال عمل تأويلي يسبغ على الرسالة ، عن قصد أو دونه، معطيات ذاتية تبتعد قليلا أو كثيرا عن مقصد المرسل. والرسالة ذاتها غالبا ما لا تكون واضحة و أحادية المعنى، لا من جهة الالتباس التي يحكمها في علاقة بمقاصد المرسل أو تأويل المرسل إليه، وإنما في علاقة بطبيعة قناة الاتصال التي تحمل الرسالة، و التي تؤثر في مضمون الرسالة حسب خصوصية قناة الاتصال ذاتها .
إن مجمل هذه التعقيدات تلبس مسألة التواصل كثافة إشكالية مركبة من جهة تعدد المفارقات التي تشقها وتنوع الرهانات التي تعمل على التأسيس لها.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:11   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

*الانية بما هي وعي متعال:ديكارت


*الانية بما هي وعي متعال:ديكارت
يرتبط تحديد الانية في سياق الفلسفة الحديثة مع ديكارت بمفهوم" الذاتية" أي إن الإنساني لا يتحدد بالعقل بما هو جوهر مفارق يجد يقينه في حقيقة مطلقة و مفارقة وإنما في الإنسان ذاته لا كفكرة مجردة أو مفهوم تصوري وإنما في الإنسان كذات فردية تتميز بهذه القدرة التي يتوفر عليها دون سائر الموجودات المتمثلة في إمكان تحقيق "الوعي بالذات".
يتحقق هذا "الوعي بالذات" من خلال عودة الذات على ذاتها؛تستلزم هذه العودة اضطلاع الذات، بشكل شخصي وفردي، بمطلب تحقق الوعي وهو ما يستلزم خوض تجربة الشك؛ إن ما يميز هذا الوعي انه قرار تتخذه الذات بذاتها لتحديد ماهيتها بمعنى إن الوعي أي معرفة الذات لذاتها وقدرتها على إثبات وجودها والتحكم فيه ليس معطى خارجي يضاف على الذات من خارجها أو أنه يجد سنده ومبرره خارج الذات وإنما في عودة الذات ذاتها على ذاتها وهو ما يتجلى في خوض تجربة الشك : أي إن وعي الذات بذاتها مشروط بهذا القرار الذي يجب أن تتخذه الذات لتأخذ على عاتقها معرفة واكتشاف حقيقتها على نحو يقيني وهو ما يستوجب مراجعة وفحص ما تحمله الذات من أفكار حول ذاتها للتحقق من قيمتها. إن خوض تجربة الشك وان انتهى بديكارت في مرحلة أولى إلى وضعية يأس وريبية و تعليق للحكم؛ فانه من خضم حالة الريبية هذه أي فقدان كل يقين انبجست له حقيقة ساطعة:حدس أول انه يفكر وبالتالي فهو موجود."أنا أفكر أنا موجود"،إذ أن التفكير هو الحقيقة الساطعة التي لا يمكن للشك إلا أن يزيدها إثباتا. التفكير هو حد الإنساني في الإنسان بما إن التفكير هو الحقيقة الوحيدة التي تصمد أمام تجربة الشك فحقيقة الإنسان وماهيته:" الأنا أفكر" يمثل جوهر الإنسان. يتنزل الكوجيتو منزلة اليقين،يقينا مؤسسا من حيث هو الحقيقة الأولى التي ستسمح لاحقا بإثبات بقية الحقائق.بذلك فان الكوجيتو يثبت نفسه بنفسه ؛من خلال عودة الذات على ذاتها وتأملها فيما تحمله من معارف،وهي في ذلك لا تحتاج لأي واسطة لتدرك وتثبت وجودها،بل إن إثبات وجود الذات يقتضي بداية كما سبق وأن أشرنا إلى ضرورة إستفراغ الذات من كل ما هو خارج الذات .يتعين الإنساني إذن بما هو أنانة تعي ذاتها بذاتها في استقلال وتعال عن كل "الخارجات".مقتضى الانية هو هذا الوعي ؛وعي الذات بذاتها كذات مفكرة؛إذ منذ اللحظة التي تشرع فيها الذات بالتفكير تعي مباشرة بوجودها. لذلك ف"إني أن انقطعت عن التفكير تماما انقطعت عن الوجود تماما".وبالتالي فان الأنا أفكر مكتفيا بنفسه،بل انه ليس فقط غير محتاج في إثبات وجوده إلى استبعاد الجسد والعالم والآخر بل إن هذا الاستبعاد هو شرط إمكان إثبات هذا الوجود الذي للذات إثباتا يقينيا.
إذا كانت تجربة الشك تنتهي إلى إثبات وجود الأنا فان هذه التجربة لا تقول لنا ما هي حقيقة هذا "الأنا".يميز ديكارت داخل الأنا بين النفس بما هي نفس مفكرة أو "جوهر مفكر"و "الجسد"بما هو عرض لا يمكن إن يمثل حقيقة الإنسان لأنه لا يتصف بذاته بخاصيات البداهة واليقين فهو مجرد موضوع للمعرفة يتحدد" كجوهر ممتد".فتصور ديكارت للإنسان يقوم إذن على أساس ثنائية هي" ثنائية النفس والجسد."في إطار هذه الثنائية تتعالى النفس على الجسد فالنفس هي جوهر الإنسان فيما يكون الجسد مجرد عرض هامشي.بذلك يكون مجال الجسد هو مجال الغيرية.
المكتسبات:
- تتحدد الانية عند ديكارت في وعي الذات بذاتها،أي معرفة حقيقتها واثبات وجودها.خاصية الوعي هي التي تشكل الإنساني في الإنسان وتميزه بشكل مطلق عن الحيوان.
- هذا الوعي لا يتحقق إلا من خلال فاعلية الذات وجهدها الشخصي من خلال خوض تجربة الشك أي فحص ومراجعة كل ما تحمله الذات من معارف وعدم قبول أي معطى باعتباره يقيني ما لم يتصف بالبداهة:يتعلق الأمر إذن بالتحرر من الموروث الثقافي كما من الانطباعات العفوية حول حقيقة الذات.
- اليقين الوحيد الذي تمتلكه الذات هو يقينها في وجودها كذات مفكرة:التفكير هو ما يثبت وجود الذات:أنا أفكر أنا موجود.
- حقيقة الذات تكمن في التفكير فالإنسان هو "جوهر مفكر".
- الجسد وان كان في ذاته جوهر "جوهر ممتد" فهو بالنسبة للنفس مجرد عرض.
- ثنائية النفس والجسد عند ديكارت تقوم على أساس أفضلية وتعالي النفس على الجسد.
- مسلمات موقف ديكارت: ما يجعل من تحقق الوعي ممكنا هو توفر الإنسان على "العقل" ف"العقل أعدل قسمة توزعا بين البشر":حسن استعمال العقل هو الكفيل بجعلنا نبلغ اليقين.
- الضمنيات: الوجود الإنساني يختلف جذريا وبشكل مطلق على الوجود الحيواني بما أن الإنسان هو الكائن الذي ينفرد بميزة العقل.
- الاستتباعات: الأنا الديكارتي مكتف بذاته لا يحتاج لغيره في معرفة حقيقته واثبات وجوده وبذلك يرتبط الجسد والغير بمجال الغيرية أي ما هو عرضي وهامشي.
- المبررات: الحواس التي تحيل على الجسد لا تقدم لنا غير معرفة ظنية لا يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها لتأسيس اليقين" يجب أن لا نثق في من خدعنا مرة واحدة"

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:12   رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

التحديد الميتافيزيقي للانية:


*الانية بما هي وحدة النفس العاقلة:ابن سينا
تمثل" النفس العاقلة " حقيقة الإنسان أي مضمون "الإنساني" في الإنسان باعتبارها الوجود المطلق أي الوجود الوحيد الذي لا يمكن تصور عدمه إذ أن عدمه يعني انعدام وجود الإنسان ذاته؛ فالعقل هو جوهر الإنسان.إثبات وتحديد الإنساني في الإنسان يتعلق إذا بالمستوى الانطولوجي أي إثبات وجود العقل بما هو وجود مطلق يستمد علته من مبدأ مفارق في إطار تصور للوجود يقوم على أساس تراتبي يمثل" العقل الكلي" فيه المبدأ الأول للوجود.
إن إدراك حقيقة النفس واثبات وجودها يتعلق بتجربة ذاتية ،ترتبط بالتذكر ؛تذكر الذات لحقيقتها ،وهو ما يتحقق من خلال إدراك عقلي محض لا تحتاج فيه النفس إلى أية وسائط لتدرك حقيقتها وتثبت وجودها.
في مقابل جوهرية النفس العاقلة بما هي المحددة للإنساني في الإنسان يضل الجسد مجرد عرض أي، صفة وان تعلقت بالإنسان فان وجودها غير ضروري، إذ إن تصور انعدام وجود الجسد لا ينفي يقينية وجود العقل بما هو خاصية الإنسان الجوهرية.(مثال الرجل الطائر).
الجسد ،إذن،هو من ضمن الخارجات ؛أي ما ينتمي إلى مجال الغيرية ،فهو ما هو عرضي مقابل النفس التي وجودها وجودا كليا/كونيا معرفيا وانطولوجيا.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:13   رقم المشاركة : 25
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الدرس: الإنساني بين الوحدة والكثرة


السند: موت سقراط
إن موت سقراط يمكن أن ننظر إليه انطلاقا من علاقة الفلسفة بالكلّي : فلو لم يكن سقراط يدعو أهل أثينا إلى الاهتمام بالقيم الكلية المجردة العقلية والانقطاع عن الحسي والعرضي والمتلاشي والمتغير لما حكم عليه بالموت . إن هذه الرسالة السقراطية تتناقض مع القيم السائدة في الحياة اليومية في تلك الفترة وهو ما يتجلى من خلال القول السقراطي التالي:< يا أهل أثينا إن إيماني اقوي من أن يضاهيني فيه هؤلاء الذين يتهمونني > إن تعاليم سقراط تقوم على نشر الفكر الفلسفي بين الناس والدعوة إلى استبدال القيم المادية بالقيم الروحية ،استبدال طلب المال والشهرة والمجد بما هي تفاهات وحقارة في نظر سقراط بطلب الخير والعدل والحق، استبدال الاهتمام بصلاح الأجساد بالاهتمام بصلاح الأنفس أو العقول .إن سقراط يدعو إلى العودة إلى النفس( اعرف نفسك بنفسك ) وفعل الارتداد إلى النفس هو ضرب من التحرر ؛ التحرر من السائد والبداهة والوثوقية التي تسحق الذات، فإذا كان الفكر العامي منساقا إلى اعتناق الحقائق السائدة فان الفكر الفلسفي يقوم على مراجعة ما ألفه الناس من قيم أصبحت بحكم التعود بديهية ويدعو إلى الكلّي الذي يمثل نموذج الإنسان الذي يجب أن يكون وفي هذا الإطار يمكن فهم الصراع بين الأفلاطونية والسفسطائية،بين قول فلسفي قائم على الوحدة يمثله أفلاطون وآخر قائم على الكثرة تمثله السفسطائية ومن هنا يمكن التساؤل عن الإنساني وتراوحه بين الوحدة والكثرة؟
1 ـ الاشتغال على المفاهيم:
ـ الإنساني: صفة نشير بها إلى الإنسان وما هو إنساني يدل على جملة من الخصائص المشتركة بين الناس وهي جملة من الخصائص المميزة للكائن البشري، سمات تميز الإنسان عن الحيوان < الوعي، اللغة، الحرية > .كما يمكن أن تقال عبارة الإنساني في علاقة بالبربري أو الغريب، المتوحش
ـ الوحدة: <الواحد، الثابت، المطلق، الهوية> الواحد l’un يقال على الفرد أو العنصر من حيث اعتباره جزءا من كثرة من الناحية الكمية ويقال أيضا على كائن بلا أجزاء بتاتا من الناحية الكيفية أي لا يمكن تجزئته ولا بد أن يكون واحدا. كما يقال أيضا على كائن يمكن التمييز بين أجزاء فيه لكنه يشكل عضوية ولا يمكن تقسيمه دون فقدان ما يكونه جوهريا ـ الكثرة: < التعدد، التنوع، النسبية، الاختلاف> الكثير le multiple يقال على ما يتضمن عناصر مختلفة قابلة للعد من الناحية الكمية وحسب هذا المعنى الكثير يقابل الواحد ولا وجود لتعارض بينهما بل هناك اجتماع فكل كثرة تفترض وحدة تعود اليها.
2 ـ مسار الاشكلة: من المعاني إلى الأسئلة الإشكالية :
هل الإنساني يقوم على الوحدة أم الكثرة؟ هل وحدة الإنسانية يمكن أن تقوم على الكثرة؟ وهو ما يعني الانتقال من وحدة تقوم على الهوية الثابتة القائمة على التطابق إلى وحدة تقوم على التنوع والاختلاف؟ ما علاقة الانية بالغيرية؟ هل يمكن أن تقوم الانية بمعزل عن الغيرية أم أن حضور الانية يستوجب الغيرية؟ ما علاقة الخصوصية بالكونية؟هل الخصوصية نفي للكونية آم أن الكونية تقوم على جملة من الخصوصيات < الكثرة>؟ وهل يمكن أن تتحول الخصوصية إلى "كونية"؟ تلغي بقية الخصوصيات بل تعتبر شكلا من أشكال التوحش أو البربرية أو اللاانسانية؟
الملاحظ لما هو إنساني يدرك الكثرة والتنوع والاختلاف بل حتى التناقض في ما يتعلق مثلا بالعادات أو اللغات أو الديانات أو الأفكار أو الأذواق فهل هذه الكثرة يمكن أن تجعل من الوحدة الإنسانية ضربا من التجريد وان الحقيقة ليست
الوحدة وإنما الكثرة وهو ما يؤدي إلى الفراق بين الإنسان والإنسان وربما الصدام.لكن رغم الكثرة والتنوع والاختلاف ثمة من يقول بوحدة الإنسانية فهل يؤدي هذا القول إلى القضاء على فكرة الكثرة والتنوع والاختلاف؟ يقول ادغار موران: "ثمة وحدة إنسانية وثمة تنوع إنساني ، هناك وحدة داخل التنوع الإنساني وثمة تنوع داخل الوحدة الإنسانية" وهو ما يعني أن ما يجمعنا يفرقنا فنحن مثلا توائم باللغة ومتفرقون بالألسن ونحن متشابهون بالثقافة ومختلفون بالثقافات. وبالتالي هناك توتر قائم في صلب الإنساني بين الوحدة والكثرة ألا يمكن الحديث أيضا عن توتر قائم في صلب الانية وتوتر بين الانية والغيرية هل يمكن الحديث عن جدلية الوحدة والكثرة في إطار العلاقة بين الانية والغيرية؟

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:14   رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الانية بما هي وعي متجسد:مرلوبنتي


*الانية بما هي وعي متجسد:مرلوبنتي
إن استبعاد الجسد من مجال تحديد الإنساني و إلحاقه بمجال الغيرية هو موقف يتقابل مع تجربتنا المعيشة داخل اليومي التي تثبت لنا كثافة وأهمية حضور الجسد وتعلق وجودنا مباشرة به.في هذا الإطار يتنزل نقد مرلوبنتي للوعي الديكارتي المتعالي والمنغلق على نفسه .إن الوعي ،الذي به يكون الإنسان إنسانا لا يمكن أن يتحقق خارج إطار المعيش وتجربتنا الفعلية داخل العالم من خلال ما ننسجه من علاقات مع الأشياء كما مع الآخرين،إذ أن كل وعي هو وعي بشيء ما .يستوجب إذن تحقق الوعي بما هو شرط تحقق الإنساني في الإنسان إدراكا للعالم إدراكا تنشئه الذات من خلال ما تعيشه من تجارب داخله.هذا الإدراك لا يمكن أن يتحقق إلا بتوسط الجسد،فالجسد هو سبيلنا الوحيد للحضور داخل العالم وإدراك هذا الحضور بما يحقق انبتنا.يستتبع من هذا التأكيد على قيمة الجسد وأهميته ضرورة التمييز بين "الجسد الموضوع من جهة و"الجسد الخاص" من جهة ثانية.يتحدد "الجسد الموضوع" بما هو المقابل للذات بما يجعل منه موضوعا للاستكشاف والمعرفة وهو بالتالي شيء من الأشياء .في مقابل "الجسد الموضوع"يبرز مفهوم "الجسد الخاص"الذي تتعين من داخله حقيقة الجسد الإنساني بما هو ما أعيشه ضمن تجربة داخلية فيكون هو أنا."أنا جسدي"
المكتسبات:
- يتحدد الإنساني في الإنسان بما هو وعي بالذات أي بقدرة الإنسان على معرفة ذاته واثبات وجوده
- تحقق هذا الوعي يستوجب الانفتاح على العالم ،أي إن الإنساني في الإنسان يتشكل من خلال المعيش اليومي المتمثل في مجموع العلاقات والتجارب التي يخوضها الإنسان داخل اليومي
- هذا الانفتاح الذي هو شرط تحقق الإنساني لا يمكن انجازه الا بتوسط الجسد. الجسد هو الذي يجعل من التواصل مع العالم ممكنا فعليا.
- المقصود بالجسد ليس" الجسد الموضوع"وإنما" الجسد الخاص"
- يمثل الجسد الخاص من جهة أولى ما به ندرك العالم ومن جهة ثانية ما يتمظهر من خلاله وعينا .
- ربط الإنساني بالانفتاح على العالم يستلزم الانفتاح على الغير في إطار علاقة بين ذاتية.
-المسلمات:الوجود الإنساني هو وجود داخل العالم يتحدد في إطار المعيش و بتوسط الجسد.
- الضمنيات: قصور التصور الديكارتي للإنسان القائم على تعالي واكتفاء الذات بذاتها على قول حقيقة الإنسان.
- الاستتباعات: تحقق الإنساني يفرض التواصل مع الآخر في إطار علاقة بين ذاتية تقوم على الانفتاح على الغير والاعتراف الايجابي بغيريته.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:15   رقم المشاركة : 27
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

تصدع الانية: فرويد


رغم إقرار ميرلوبنتي بمركزية الجسد في تحديد "الإنساني" باعتبار الجسد قوام الوجود"وما يكون به الإنسان إنسانا فان مقاربته للإنسان لم تتجاوز التقليد الذي استحدثه ديكارت في اعتبار الانية مشروطة بتحقق الوعي والنظر للإنسان باعتباره كائن الوعي، غير إن هذه المقاربة للإنساني"تواجه صعوبات شديدة أمام محاولة إثباتها بشكل مطلق؛ذلك أن النظر في الهفوات في الأفعال من "زلات لسان "أو زلات قلم أو تعقد ظاهرة الأحلام ...تبرز لنا صعوبة تعريف الإنسان على أساس كونه كائن الوعي أي كائنا يختص بقدرته المطلقة على معرفة ذاته بكل شفافية والتحكم في جميع أفعاله .وهو ما يلزمنا بإعادة النظر في وجاهة ها التحديد للإنساني وربطه بالوعي.
يستلزم البحث في الإنساني علميا،حسب فرويد،بداية استبدال مفهوم "النفس "الميتافيزيقي ،بمفهوم الجهاز النفسي باعتباره آلية إجرائية تمكن من معرفة موضوعية بحقيقة الحياة النفسية .يبرز لنا تحليل مكونات الجهاز النفسي انه يقوم على الكثرة،كثرة داخلية،وليس الوحدة.يتكون الجهاز النفسي من ثلاثة منظومات:
*الهو:يحيل على ما هو غريزي وأصلي في الإنسان و تضاف إليه لاحقا الذكريات المنسية. يتعلق مبدأ وجود الهو بتحقيق اللذة وإشباعها دون اعتبار لمقتضيات الواقع الاجتماعي.
*الأنا الأعلى:وهو الجزء المكتسب في الإنسان وهو يمثل مجموع المقتضيات الاجتماعية التي تم استبطانها داخل الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية.تمثل مهمة الأنا الأعلى في المراقبة والمعاقبة لكل ما يصدر عن الأنا.ما يوجه الأنا الأعلى هو مبدأ الواقع أي الانسجام مع مقتضيات الوجود الاجتماعي.
* الأنا:يمثل الجزء المتطور من الهو وهو بذلك امتداد له تتمثل وظيفته في محاولة التوفيق بين متطلبات الهو ومقتضيات الأنا الأعلى ولتحقيق ذلك يعمد الأنا إلى الالتجاء إلى جملة من الحيل الدفاعية التي يسعى من خلالها إلى تحقيق توازنه النفسي أهمها التمويه والإخفاء والكبت.
تقوم الحياة النفسية ،إذن، على أساس الصراع بين الهو من جهة والانا الأعلى من جهة ثانية وهي وضعية تجعل من وضعية الأنا وضعية بائسة نظرا لأنه يكون من المستحيل بالنسبة للانا أن يوفق بين المطالب المتناقضة بين الهو والانا اللاوعي: يمثل اللاوعي مجموع الرغبات التي قام الأنا بكبتها ودفعها لعمق الحياة النفسية تحت تأثير الأنا الأعلى من جهة وما ترسب من ذكريات الطفولة السيئة من جهة ثانية.تكمن خطورة اللاوعي في كونه يضل فاعلا في حياتنا النفسية دون أن تكون لنا القدرة على إدراك حقيقة حضور هذه الدوافع اللاواعية وهو ما يكون سببا في حدوث المشاكل النفسية بالنسبة للفرد. .
باعتبار أن اللاوعي يقبع في عمق الحياة النفسية فانه يكون من المتعذر إدراكه ومعرفته بشكل مباشر.لا يكون إدراك الدوافع اللاواعية إلا بصورة غير واعية تتمثل في تجليات اللاوعي سواء أكانت سوية أو غير سوية.
المكتسبات:
- إدراك حقيقة الإنسان يستوجب التخلي عن مفهوم النفس والاستعاضة به بمفهوم الجهاز النفسي.
- يبرز الجهاز النفسي أن الحياة النفسية لا تقوم على الوحدة وإنما الكثرة
- يتشكل الجهاز النفسي من ثلاثة منظومات:الهو والانا والانا الأعلى.
- تقوم العلاقة بين الهو والانا الأعلى على أساس الصراع نظرا لتناقض المبدأ الذي يوجه كل منهما فان كان المبدأ الموجه للهو هو تحقيق اللذة فان ما يوجه الأنا الأعلى هو الخضوع لمبدأ الواقع.
- يعمد الأنا لكبت غرائزه تحت تأثير هذا الصراع لتحقيق توازنه النفسي.
- اللاوعي هو مجموع الرغبات المكتوبة.
- الجزء الأكبر من حياتنا يقع تحت تأثير اللاوعي دون أن نكون على وعي بذلك
- المسلمات : تمثل الغرائز الجنسية المحرك الأساسي للوجود الإنساني.
- الضمنيات : ليس العقل هو ما يكون به الإنسان أنسانا وإنما الجسد.
- الاستتباعات : تحقيق السعادة غير ممكن بالنسبة للإنسان لأنه لا يمكن تحقيق التوافق بين الهو والانا الأعلى

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:17   رقم المشاركة : 28
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الأنا وجه لوجه مع الآخر أو ليفناس فيلسوف الغيرية



عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
الأنا ليس الكائن الذي يبقى في وجوده هو عينه بل الكائن الذي يرتكز وجوده على التماهي وعلى البحث عن هويته من خلال كل ما يحدث له...
السؤال الذي استفز الفيلسوف امنيال ليفناس ( 1906/1995) كثيرا وأثار فيه عدة استفهامات هو تخوفه من وجوده في عالم لا يحمل أية جدة ممكنة وانخراطه في حياة خالية من الأمل ومعدة بشكل مسبق دون ضمانات للاستمرار في البقاء والمعطى الذي عزز تخوفه هذا أن لا أحد من المجموع البشري يملك أي نوع من أنواع القدرة على التغيير والاختيار ولذلك لم يكن مشروعه منصبا فقط حول تعويض روحانية المعرفة بروحانية الحب المهددة من قبل اللاعقلانية الطاغية نتيجة هيمنة التقنية وانتصار التصور الوضعي للعلم بل تمحور حول السبل الكفيلة بإيقاظ البشر من سباتهم الدغمائي الذي جعلهم يعتقدون أنهم قادرون في يوم ما على التحكم في الأزمات التي يتعرضون إليها واقتراح الحلول الجذرية لها. القرار الذي اتخذه بالتوجه نحو الفلسفة لم يكن وليد الصدفة بل نتيجة إيمانه الراسخ بأن "الفلسفة هي نفس الثقافة وروح الحضارة التي شكلتنا وجعلت منا نحن ما نحن" بالإضافة إلى تتلمذه ومقابلته لأهم الفلاسفة في عصره وبالخصوص هيدجر وياسبرس ومرسال وبرنشفيك.
بيد أن الشحنة الكبيرة التي دفعته نحو التفكير في عالم الحياة أتته من التراث اليهودي المستنير وخاصة تأويلات حاييم فولوزنار المتحررة للتوراة واعتباره هذا الكتاب "الكلمات الأولى التي ينبغي أن يصرح بها من أجل أن يكون للحياة الإنسانية معنى"،كما تأثر بكل الكتاب والسياسيين الذين واجهوا الحكم الشمولي سواء الشيوعي أو النازي وحاولوا إيجاد علاقة جديدة مع المستقبل تتميز بسخاء إبداعي وقد انخرط هو نفسه في مشروع مناهضة النازية بكتابته مقال بلور فيه "بعض الأفكار حول الفلسفة الهتلرية سنة 1934 أين رفض مفهوم الحشد وقاوم سياسة تكبيل الجسد التي تمارسها الدعاية النازية واعتدائها على قيم الكرامة والحرية الشخصية وقد بدأ يتحسس هنا المشكل الفلسفي المركزي الذي سيرتبط اسمه به ويرفعه إلى صف الفلاسفة الكبار وهو مشكل علاقة الانية بالغيرية فكيف يتسنى لنا منذ البدء أن نعلن أن ليفناس هو فيلسوف الغيرية؟ ماهي علاقة الانية بالغيرية؟ ومن يحدد الآخر؟ هل المطابق هو الذي يحدد الآخر أم الآخر هو الذي يجعل من المطابق مطابق لذاته؟ كيف يكون المرء ذاته ويصبح أنا؟ هل عن طريق الوعي أم عن طريق الإرادة؟ هل عن طريق القول أم عن طريق الفعل؟ كيف تطرح هذه الذات ذاتها؟ هل بالانفصال عن العالم والانطواء على ذاتها أم بالانخراط في العالم والانفتاح على الآخر؟ ماهو الآخر؟ ولماذا أصبح الآن مشكلا فلسفيا بامتياز ؟ هل هو عدو للذات أم هو عين الذات كآخر؟ من أين ينبع إحساس الذات بالضياع في العالم وباللاحماية من الآخر؟ وماذا تفعل للتغلب على هذا الخطر المتأتي من الآخر؟ كيف يمكن للذات أن تفتك مكانا ما تحت الشمس وتنجز كيانها دون أن تعرض حياة الآخر إلى الخطر؟ ماهو الطريق الجديد الذي انخرط فيه ليفناس وساعده على حل معضلة الانية والغيرية؟ ألا ينبغي أن تتوقف على اعتبار الآخر مجرد شيء ونبدأ في معاملته كشخص ينتمي مثلنا إلى دائرة النوع البشري؟ هل يقدر الحوار على إزالة سوء التفاهم بين الأنا والآخر أم يجب أن نتعدى ذلك نحو المقابلة rencontre laوالتلاقي وجه لوجه؟ ماذا تضيف المقابلة إلى الحوار؟ كيف تبدأ الذات في التجلي l’épiphanie للأخر دون تزييف في لحظة المقابلة والتلاقي؟وألا يفعل الآخر نفس الأمر من خلال الوجه الذي يتيح له فرصة التجلي للذات والكف عن الغربة والانطواء؟ وهل يجوز أن نعتبر الوجه visage الجسر الاتيقي المنشود الذي يربط بين العين والغير؟ لكن عن أي وجه آخر نتحدث؟ وما المقصود بأخر الوجود بالنسبة للذات؟
ما نراهن عليه هو تخطي منطق التنافي والتخاصم وتفكيك قلاع الهويات المتكتمة على ذاتها ومد جسور التواصل والتصافي بين الذوات والأمم من أجل تحقيق مجموعة من التفاهمات وانجاز جملة من التشاركات قصد بناء الهوية الإنسية الكونية المؤهلة لتحمل مسؤولية المحافظة على الحياة الأرضية وتحقيق وصية الاستخلاف والائتمان والتعمير.
1. التفكير في الأنا من جهة علاقته باللانهائي:
نشر ليفناس سنة 1934 مقالا بعنوان l’évasion عبر فيه عن رغبته في الخروج من الوجود وذلك لتبينه أن الذات منسحقة من طرف الوجود وبقائها في خدمة النسق ولاكتشافه فظاعة الممارسات اللاانسانية التي يحملها التاريخ إلى الناس وسبب هذه الفظاعة هو ما يحمله الإنسان من كره وحقد على الإنسان الآخر وتفشي النزعات العنصرية التي تعتمد على مبادئ الإقصاء والتمركز على الذات واستئصال المخالفين وتصفيتهم جسديا ومعنويا ولذلك حاول ليفناس أن يعطي الإنسانية اللمسة التي تنقصها لكي تصبح إنسانية بحق بحيث تحدث عن الصداقة ونادي بضرورة احترام الآخر والاعتراف بحقوقه والسماح له بالمشاركة ولذلك نظر لإنسانية الإنسان الآخر l’humanisme de l’autre homme . إن خطأ الإنسانية الغربية المهيمنة الأول هي أنها جعلت العين هو دائما الذي يحدد الغير ولم تنظر إلى الغير على أنه هو الذي يحدد العين، الخطأ الثاني هي أنها اعتبرت الوجود من أجل الله واعتبرت الله من أجل الوجود بينما الله هو منفصلا عن الرغبة بشكل لامتناهي انه آخر الوجود أو الوجود الآخر المنفصل. لذلك يناهض هذا الفيلسوف غير الفلسفي الميتافيزيقا الغربية في معناها الميتافيزيقي التي سعت جاهدة إلى دمج كل شيء ضمن دائرة المعرفة الموضوعية السببية وهمشت الذات ووقعت في الخلط بين الطبيعة والفكر والتاريخ والبنية ويهتم بما أبقته هذه الميتافيزيقا خارجها من مشاكل وقضايا ويتناول المواضيع التي أسقطتها من حسابها وهمشتها مثل الغيرية والجسد والوجه.
إن كل واقعة مهما كانت غرابتها وتفاهتها تنتمي إلى مجال الوجود هذا ما أكده ليفناس وكل ما يعزب عن الوجود هو عدم ولا يتعلق الأمر هنا بفعل وجد الذي يعني كان بل باسم يشير إلى الكائنات والأشياء وماهيتها وما يجعلها هي هي. إن الفلسفة هي علم الوجود أو أنطولوجيا لا يعزب عنها شيء أي هي نظرية للكلية Totalité أما العلم فهو أثر للعقل و مرتبط بالتقنية ويظهر كتفعيل لمعرفة مسيطرة على الطبيعة. من هذا المنطلق يتحدث ليفناس عن شمولية Totalitarisme العقل ويقصد أن المعرفة العقلية هي التي تتحكم في سلوك الذات البشرية وفي حرصنا على أن نفتك مكانا تحت الشمس، انه بالمشاركة في هذا الحدوث للوجود تكون الذات هويتها وتصبح أنا وهذا الجهد من أجل إثبات الذات يمكن أن ينتج عنه عنف وحرب وذلك لتضارب المصالح وتدافع الرغبات واصطدامها ببعض. ينقد ليفناس الأنطولوجيا التي ترد كل الموجودات إلى الوجود ويقترح ميتافيزيقا جديدة مهمتها التطلع إلى اللانهائي L’infini الذي لا يختزل في غيره ولا يمكن أن تحتويه أي كلية لاهوتية أو تاريخية.
2- التفكير في الأنا من خلال جسد الآخر:
يبحث ليفناس في مقاله المراوغة عن طريق جديد يسمح للذات الإنسانية من الخروج من غل الوجود الزائف واختراق السلسلة الأكثر صلابة وهو هنا لا يقول شيئا جديدا بخصوص هذا الطريق بل يكتفي بأخذ مسافة نقدية مع أحلام الشاعر ورغبة الرومانسي التي تصطدم مع واقع المجتمع وتحفظات تقاليده. إن هذا الطريق الجديد الذي يسلكه ليفناس لا يحملنا خارج العالم بل يقحمنا في حضن الوجود أي وجودنا الآخر أو آخر وجودنا Autrement qu’être.
تساعدنا الفنومنولوجيا على اكتشاف الكيفية التي نمر بها في حياة كل يوم إلى الوجود الذي نحن وهي انجاز حالة من الانفصال Séparation كحدث حقيقي للميلاد وحتى يحافظ هذا الميلاد على مبادأته لابد أن تدركه الذات في اللحظة التي أنتجها فيها أو عاشته فيه ويسمى ليفناس هذه اللحظة بحدث الحرية وهي لحظة تفك فيها الذات ارتباطها بالوجود الزائف وتصبح اثنين واحدة في مواجهة أخرى أي أنا مناظر للآخر. أما الإنسان العامي فهو خاضع لسلسلة الوجود المكبلة مستسلم لمشاعر الضياع والكسل والكسل Paresse هو رفض البدء والعزوف عن الاستئناف، انه تردد أمام قدوم الوجود والكف عن استقدامه أو تعب من المستقبل ورضا بالحاضر وهذا التعب والكسل والملل هي من الأمور التي تساعد على إنشاء المستقبل بالنسبة للذات وتبين لها أنها ليست مجرد صفحة تعكس حقيقة الوجود وأن وجودها بيدها وليس مجرد قدر أما البدء فليس فرصة لولادة ثانية بل هو حدث ولادة أصلية ولحظة حرة وممتعة تدشن فترة جديدة تنطلق فيها الذات نحو الاعتناء بذاتها وذلك باشتغالها بحراسة ذاتها بذاتها من أجل تحصينها من الخلاء الذي يملئ الأمكنة والضجيج الذي يدوى في الساحات قصد حمايتها من الإحساس باللاحماية Insécurité.
يسمي ليفناس هذه التجربة المأساوية التي يحس فيها الإنسان أنه تحت رحمة ضربات القدر بتجربة الوجود غير الشخصي أو الوجود العام حيث لا يوجد أي صوت يمكن أن يسمع ولا أية صورة يمكن أن ترى وكأن الذات موجودة في الليل ولا تدري ماذا سيحصل لها فهي لا ترى شيئا ولا تستطيع أن تحرس نفسها بل هذا هو الذي يحرس انه الوجود المسلوب من روح الأشخاص.
من هذا المنطلق يصعب على الأنا أن تلمس بأصابعها العمق الغامض للوجود الذي يسمح بظهور الأشياء في الليل طالما أن الوعي مخترق من قبل هذا الضجيج المتصاعد من الساحات العامة ومرتعب من صمت الفضاءات اللامتناهية أين يصعب عليه أن يميز بين الأشياء والأشخاص.
الانفصال لا يعني الانطواء على الذات بل تأكيد لاستحالة العودة إلى القوقعة والشروع في الاحتكاك بالهذا وتفكيك الشعور بالخطر من لقاء الآخر. لحظة الولادة هي منعطف بالنسبة للذات وهي معانقة الوعي للوضوح وانقشاع الظلمة وهي تحصل في الزمن الذي ينبعث فيه الضوء وتشعل الشمعة وتشرق الشمس وتتلاشى وضعية بائسة ويدرك أثناءه المرء آخر الدرب...إننا نرى ديمومة الأشياء ومهجة الألفاظ ورائحة العطر ولحن الآلة ونصل إلى الحل النهائي أين يأخذ العالم صورة وتختفي مجهولية الوجود ويقترن الانفصال في الحياة بالشعور بالغبطة كسعادة و"الغبطة وسيلة حياة مثلما كانت الريشة وسيلة كتابة" وهي لا تدرك بالعودة إلى الذات وعندما يفهم المرء ما يحصل له بالإحساس بالهوية عن طريق انخراط الجسد في عالم الحياة لأن "الجسد ليس ذلك الدخيل الأبدي" الذي يحطم وثبة الفكر الحرة ويعيده إلى شروطه الأرضية كالقبر الذي ينتظره بل هو الأقرب إلي الذات من باقي أشياء العالم والأكثر ألفة والذي يتحكم في مزاجنا ونشاطنا وحياتنا النفسية،أليس الجسد هو أساس الإحساس بالهوية "ألا نثبت ذواتنا في هذه الحرارة الفريدة التي تنبثق من جسدنا قبل تفتح الأنا الذي سيدعى التميز عن الجسد؟"
الحياة هي الدلالة الخاصة بالغبطة التي تنتمي إلى مجال الإحساس والجسد وهي ليست انفصالا بالمقارنة مع الكلية بل مصدر الهام ينادي بالتعالي في الداخلية، يقول ليفناس في هذا السياق:"كل غبطة بهذا المعنى هي تغذية،أما الجوع فهو الحاجة والحرمان بامتياز.إن الحياة في... بهذا المعنى ليست مجرد الوعي بما يشغل الحياة.هذه المضامين تعاش:إنها تغذي الحياة.إن المرء يحيا حياته".
يحدث ليفناس منعطفا فكريا يتجاوز به منعطف الحداثة الذي أحدثه ديكارت لأنه عندما صرح:أنا شيء يفكر فانه ربط الوجود بالتفكير ولكنه فصل الذات عن الواقع المعاش وعن الحياة اليومية لكن ما يثير الإعجاب في الكوجيتو الديكارتي هو لفظ شيء وآيته في ذلك أن الشيء يقطن مكانا ما وله مأوى والوعي بوصفه شيء مفكر لا يخرج عن هذا الوضع فهو شيء متحيز،إن كل من يفكر يرتكز في تجربة تفكيره دائما على قاعدة يجمع نفسه حولها ويصبح سيدا على ما يفكر فيه وهذه القاعدة هي الجسد بوصفه حدث الوعي وحدثان الوجود. على هذا النحو يجري الجسد انقلابا في علاقة الإنسان بالواقع وفي عالم ذات البين Intersubjectivité طالما أن الوعي يكون عالم الذات عن طريق الجسد دون أن يقوم بتجريده أو يغادره يقول ليفناس في هذا الصدد:" يبدو الجسد دائما وأبدا من أجل أن يكون أكثر من كومة من المادة،إذ يمكن له أن يكون أكثر كثيرا واقل قليلا من مجموعة أجزائه...الوجه والعينين بوصفها مرايا الروح هي أعضاء التعبير بامتياز. لكن روحانية الجسد لا تقطن قدرته على التعبير عن الداخل.الجسد لا يعبر عن الحدث انه هو نفسه هذا الحدث".
الذات ليست خارج العالم بل متجذرة فيه عن طريق الجسد،إنها في البيت حيث مربض الجسد ومأواه والمأوى ليست القوقعة والعزلة ونهاية الحياة الإنسانية وانغلاقها بل شرطها الضروري وبدايتها،ألم يأتي الأنا إلى العالم داخل البيت وبدأ انطلاقته نحو الوجود من عتبته؟
إن المأوى من حيث هو شقة ينتمي إلى عالم الأشياء ولكنه من حيث هو بيت الإنسان يجعل العالم الحميمي الذاتي ممكنا،انه ليس مكان الوحدة والعزلة بل مجال لممارسة حق الضيافة والانتظار والاستقبال لجميع زائريه دون تحفظات،انه وجود الجسد وجسد الوجود ومكان لقاء الأنثى وتحول الأنثى إلى وجود بالنسبة للذكر،بعبارة أخرى لم يعد الوجود الأنثوي داخل البيت آخر الوجود أو الوجود الآخر بل يصبح وجود الأنثى هو الشرط الضروري لذكورة الوجود إقبالا وانفتاحا.
3- التفكير في الأنا من خلال الوجه :
"الوجه هو الهوية عينها للكائن"
تدور فلسفة ليفناس حول مقولة الآخر كفكرة مركزية تعطي للوجود معنى والآخر يتجلى من خلال مقولة الوجه الذي يمثل مرآة عاكسة لشخصية الأنا وكينونته ينبغي على الآخر أن يحترمها ويعترف بمنزلتها من تأسيس علاقة ذات البين ترتكز على فكرة اللاتناهي من جهة مناظرة الأنا للآخر وتبادلهما المسؤولية من أجل المحافظة على الحياة على الأرض. وتلعب اللغة دورا أساسيا في العلاقة بين الأنا والآخر فهي تجعل العلاقة بين المتحاورين ممكنة وتسمح بتبادل المعارف والمعلومات بينهم وتحقق التواصل بين جميع الفرقاء لأنه حتى في حالة اندلاع النزاع والصراع بين مجموعة من الأطراف فان اللغة تظل في قلب الأحداث وتبقى الوسيلة الوحيدة لإجراء مفاوضات من أجل الوصول إلى تسويات ظرفية واتفاقات ترضي الجميع وتبلور السلم الاجتماعية، إذ يقول ليفناس في هذا الشأن:" يمكن أن نسمي حوارا هذه المقابلة التي يدخل عبرها المتحاورين إلى فكر الآخرين حيث يعطون للحوار قيمة.ويمكن أن نسمي اجتماعية وحدة أشكال الوعي المتعددة الداخلة في عين الفكر". هذا الحوار كفيل بإيقاف النزاع وتحييد العنف وإرجاع الناس إلى طبيعتهم العاقلة وتمكينهم من السيطرة على أهوائهم وتثقيف طبيعتهم العدوانية وتكوين الحقيقة عن طريق الإجماع Unanimité ويربط ليفناس هذا الحوار بالمحايثة حيث تظل الذات ملتصقة بذاتها ومنهمكة في الاعتناء بوجودها ويربط بين إثبات الذات والانفتاح على الآخر واحترامه أين يحدد المطابق le même الآخر L’autre ويحدد الآخر بدوره المطابق لكن ليفناس ينبهنا إلى أن وراء كل اقتناع convaincre توجد غلبةvaincre وهيمنة وقهر وبالتالي يبرز خطر العنف مجددا في علاقات ذات البين وبالتالي ثمة تخوف من اعتبار الآخر كمجرد شيء وموضوع للرغبة وأداة للاستعمال ومن أن ينظر إليه الأنا على أنه ضدا وعدوا ومزاحما يجب إزاحته والقضاء عليه.يتجاوز فلاسفة الحوار هذه المعضلة بتأكيدهم أن لحن الأصوات وشذى المعاني المتبادلة وليس دلالة الكلمات هي التي تصنع هذه العلاقة المتكافئة وأن شكل العلاقة التي تنجزها اللغة هي علاقة أنا – أنت وليس شكل العلاقة أنا-هو إذ عندما يتكلم كائنان بشريان ويستعمل ملاهما لغة التخاطب فان الأنا يتوجه إلى الآخر ويقول له أنت قبل أن يبدأ في الحديث عن نفسه وفي هذا التوجه نحو الآخر بالحديث خروج عن النرجسية الفارغة واعتراف بالآخر واحترام له كطرف حقيقي في الحديث،يقول ليفناس حول هذا الموضوع:" أن نتحدث مع الآخر هو في نفس الوقت أن نعرف الآخر ونجعله يعرفنا،فالآخر هنا ليس فقط معروفا بل وأيضا مرحبا به، ليس فقط مسمى بل وأيضا مدعو من طرفنا.أنا لا أفكر في كل ماهو بالنسبة إلي فقط بل وأيضا وفي الآن نفسه أفكر في كل ماهو بالنسبة إليه".
العلاقة الشرعية بين الأنا والآخر هي إذن مقابلة Rencontre وتقتضي هذه المقابلة المحافظة على المسافة والبقاء في حالة الانفصال بين الطرفين لأنه بمجرد أن أتعلق بما يقوله عني أو يتعلق هو بما أقوله عنه فان الاتصال يتحول إلى ذوبان وانمحاء والمقابلة تتحول إلى علاقة تطابق بين الأنا والآخر وبالتالي لم يعد هناك لا أنا ولا آخر بل مجرد شيء واحد هو المثيل Même أو المطابق Identique . إن المقابلة تجرى عندما يتم احترام المسافة التي تفصل بين الطرفين وتسمح لهما بالتواجد معا والعيش سويا والمسافة الضرورية ليست مسافة مكانية بل مسافة زمنية وثقافية وتاريخية وهي غير قابلة للتذليل والاجتياز لأنها هي التي تسمح للغيرية للوجود عند الطرفين. نعثر على خاصيات الحوار المتعالي في علاقة الترابط بين الأنا والأنت لكونها علاقة اتيقية متعادلة وهذه هي صورة الحوار المتعالي أو التعالي بالحوار من أجل إتاحة الفرصة للأنا لكي يقابل الآخر وللآخر من أجل مقابلة الأنا دون أحكام مسقطة ودون برمجة مسبقة. بيد أنه ثمة تخوف من أن علاقة الترابط يمكن أن تمحي الغيرية وتفسخ الخاصية التقابلية للطرفين لأن"المقابلة الحقيقية تحدث بين كائنات لا تعرف بعضها البعض"،لإزالة هذا التخوف يقترح ليفناس أن تكون العلاقة بين ذات البين علاقة تناظر وتقابل أين يكون كل واحد في خدمة الآخر وليس علاقة تنازع أو تطابق لأن التنازع بل وحتى التطابق يؤدي إلى انتفاء أحد الطرفين والقضاء بالتالي على العلاقة وتنعدم شروط المقبلة ووضعية الحوار.
إن الحوار يتضمن كلاما أرسله إلى الآخر وردا من الآخر يرسله إلى أنه يفترض الانخراط في لعبة تبادل للرسائل بين الباث والمتقبل وهو يوقظ عندنا روح المسؤولية لأنه ينبغي أن يجب كلانا على ماهو مرسل إليه من نداء ولا أحد بإمكانه أن يعوضنا في ذلك لأن الكلام موجه إلينا وليس لأحد آخر.إن الحوار يخرج المرء من وحدته الصماء الفارغة أي من أنانته ويقحمه ضمن الكلية التي هي نتيجة إجماع المتحاورين على الحقيقة وهي ليست تطابق بين العقل والواقع بل رفع المتحاورين للغطاء عن أسرار الواقع لرؤية وجهه الحقيقي طالما أن العلاقة أنا-أنت هي مكان حدوث الاتيقا وطالما أن الأنا أثناء مقابلتها بالآخر تأخذ بعين الاعتبار الكل أو تطمح إلى أن تتكلم باسم الكل ولا تكتفي بالكلام عن الفردي الجزئي.
يتراوح وجود الذات بين الاستقالة والارتماء في الوهم بالانطواء في النوم من أجل الحلم بعالم آخر أفضل ولكن ليفناس يرفض هذا الحل ويعتبره جزءا من شجاعة الانتحار أين تسقط الذات بين حبائل الهيمنة خوفا من الموت أو رعبا من تجربة الهناك ويبحث هذا الفيلسوف عن النسيج الذي يشد الذات إلى الوجود في قلب المحايثة وفي اليومي أين تتواجد عبر الصور وعن طريق فعل السكن وتشعر بالغبطة حين ينفتح أفق الجسد على جدة أصيلة. يقول في هذا السياق:" إن اختراق قوقعة العزلة هو وحده الذي يسمح لنا بالنفاذ إلى آخر الوجود بطريقة مغايرة عنه".
علاوة على ذلك يؤكد ليفناس على الدور الاتيقي للوجه في العلاقة التناظرية بين الذات والغير لأنه عندما تتوجه الذات نحو ذات أخرى فإنها تحاول على التو معرفة من تكون وتفهم ماذا تريد وتقول لها ما تنتظره منها ولن يتسنى لها تحقيق هذه المقابلة إلا بمنحها وجهها وبالتعرف على وجه الذات الأخرى،في هذه العلاقة أي أثناء المقابلة بين شخصين نحن لسنا فقط أمام فهم ومعرفة بل أمام وجه لوجه face à face و"الوجه يحدثني ومن هنا يستدعيني إلى علاقة دون قياس مشترك مع قدرة تمتحن". لكن تبادل الكلام هو أكثر من تبادل المعارف لأن هذا الشخص الذي يكلمني لا أفكر فيه كما هو بل أتحدث إليه فهو مشارك لي في علاقة تجعلني حاضرا دائما وأبدا بالنسبة إليه وتجعله حاضرا دائما بالنسبة إلي ومن هنا ينشأ الاحترام والاعتراف المتبادل. لقد تحدثت إليه وتحدث هو إلي وبالتالي أهمل الوجود الجزئي الذي يخصه وانخرط في الكلي. عندئذ يكون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستطيع عندما يلتقي بغيره ألا يعبر له عن سعادته بهذا اللقاء أو سخطه وامتعاضه الشديد.يتميز اللقاء عن المعرفة بكونه يوجه إلى الآخر تحية وسلاما ويترجم موقفا إنسانيا وليس مجرد لقاء تعارف لأنه عندما أتحدث مع غيري فان الأمر لا يتعلق بتبادل الكلام معه بل باستدعائه واستضافته. هنا ليس الآخر هو الذي يفرض عليه الأنا هيمنته بل ذاك الذي يحافظ على نفسه ويتماسك في خارجيته . انه الشخص الذي يتحدث إليه الأنا ويوجد خارجه والذي يستمد مرجعيته من ذاته وليس هو فقط موضوع الحديث أو ذاك المشار إليه بالهو.
يتدخل الوجه بطريقة حاسمة في انفتاح الانية على الغيرية وفي تحول الغيرية إلى شرط إمكان إثبات الانية لأن الآخر عبر وجهه يظهر للأنا في خارجيته وغرابته وتميزه،" انه من خلال الوجه يتجلى الآخر للأنا" بل إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك وجه ويتميز عن الآخرين بوجهه بينما الأشياء والكائنات الأخرى ليس لها وجه ولا تتميز عن بعضها البعض بهذه الخاصية لأن لها نفس الملامح والصفات وبالتالي فالوجه إنساني أو لا يكون.
إن تجلي وجه الآخر للأنا يتم عبر النظرة والنظرة ليست مجرد الرؤية الحسية بل التمعن والتحديق والإبصار لأنه كما يقول هيدجر:"ليس المهم أن نرى بل الأهم أن نبصر في ما نراه" والوجه ليس مجرد الجبهة والأنف والفم والعينين والوجنتين بل هو بصمة الشخصية ورمزها العلني وأكثر الملامح مجلبة للانتباه وكما يقول ليفناس:" دلالة الوجه تكمن في البعد الجديد الذي يفتحه في إدراك الوجود"، والمقصود أننا نحن موضوع الإدراك بحكم الاختلافات في الوجه والتي تعطينا كيفيات تميزنا. يتميز الوجه بمجموعة من الخصائص مثل النقاء الأصلي و المقاومة اللامتناهية والخارجية الجذرية، فالتجلي كوجه ليس انكشافا لعالم باطني بل خارجية الوجه هي هنا ما لا يمكن إخفائه والاضطلاع به وتحملها،إنها من الآن فصاعدا تقدم نحو اللانهائي والبرانية الجذرية،فالآخر ليس له أن يعبر ويظهر إلا عن طريق وجهه والوجه هو بالتحديد هذا الظهور الاستثنائي للذات بذاتها. تجلي وجه الأنا للآخر هو زيارة الآخر عن طريق وجهه المختلف وبالتالي يفتح الوجه نوافذ الذات للزائرين ويسمح لها بزيارة الآخرين عبر وجوههم وهكذا يدخل الوجه إلى عالمنا عبر حقل غريب والإنسان الغريب يأتي إلينا من الخارج منفصلا عبر وجهه المتجلي ويعترف ليفناس أن:"دلالة الوجه في تجرده هو في معناه اللغوي خارق للعادة وخارج كل نظام وخارج كل عادة".
إن المحاور يطرح نفسه في مواجهة الآخر دون أن تعني المواجهة صداقة وحسن ضيافة ودون أن تكون النظرة المصوبة نحو الوجه هي نظرة معرفة وإدراك فحسب بل قد تكون نظرة حقد وازدراء أو نظرة حب واحترام، وبالتالي ينبغي أن نتوقف عن معاملة الآخر كموضوع حتى نستطيع أن نراه على حقيقته ونقابله مقابلة حقيقية كما يقول ليفناس:"إن أحسن طريقة لمقابلة غيرنا لا تتطلب ملاحظة لون عينيه" لأن التفرج على وجه الآخر يشترط التحلي بالاتيقا والتسلح بالبعض من الاحتشام والحياء ولأننا عندما نرى لون عيني الآخر فإننا لا نكون في علاقة اجتماعية مع آخرنا بل في علاقة عاطفية شعورية. في الواقع يوجد أسلوبان من أجل اعتبار وجه الآخر:
- العلاقة مع الوجه يحددها الإدراك المعرفي أين يقع الهيمنة على الوجه عن طريق الرؤية مثل الهيمنة على أي موضوع آخر.
- العلاقة مع الوجه هي علاقة اتيقية تسمح بإنقاذ خارجيته الجذرية أين يوجد الآخر برمته قبالة الذات دون موانع أو تحفظات.
الدخول الاتيقي في الآخر يتوقف على حركة فتح الأبواب والنوافذ الخاصة بالذات من أجل استضافة وحسن استقبال الآخر والوجه من خلال استقامته وصفائه ومقاومته هو ميدان هذا الانفتاح وأفقه واستقامته لا تعني صراحة الآخر وإخلاصه بل تتحقق في الحركة التي يظهر بها الوجه قبالة الآخر دون تردد. من جهة ثانية يرفض الوجه كل تملك ويند عن كل موضعة ويتنطع عن كل اختزال ويقاوم الوحدة في القراءة والتنميط في الصورة وصفاؤه ونقاؤه وبراءة جلده وعريه كلها شهادات على فرادته وتميزه كما أن المقاومة التي ينخرط فيها لا يستمدها من سلطة خارجية يخضع لها بل يأخذها من تحرره من كل نظرة اختزالية طالما أن الوجه هو ما لا يمكن تلخيصه ووصفه وصفا شافيا،يمكن أن أضرب الوجه وأشوهه ولكن لا أستطيع إخضاعه واستعباده ويوجد حل جذري لذلك وهو أن أسحقه وأقتله لكن إذا كان الموت ممكنا فان القتل مستحيلا أخلاقيا،انه ليس أبدا نصرا بل إرادة يائسة تختزل الآخر الذي يتحدى رغبتنا في شهوة القتل،هذا الآخر هو الوجود الوحيد الذي نشتهي قتله عندما تتعارض القوة التي تضربه على وجهه مع مقاومته وامتناعه عن الموت الذي يمثل النظرة نفسها نحو الوجه. هنا يتعالى الآخر على وجود القوة الموجهة ضده نحو لامتناهي الوجه وهذا اللامتناهي هو الذي يفتت القوة الغاشمة المسلطة عليه بمقاومته اللامتناهية للقتل.
فلسفة ليفناس هي فلسفة اللامتناهي وهذا الأخير لا نحصل عليه بعد امتحان المعرفة التي تحاول فهم الواقع وليس مجرد نقيض للمتناهي بل هو الأفق الذي يتعالى على كل معرفة وهو كذلك رغبة في المطلق وليس مجرد حاجة تنبع من الذات. تتعلق رغبة الإنسان بلامتناهي نابع من وجود لا ينقصه شيء ولذلك يظهر الآخر في هذه العلاقة كشيء مرغوب فيه.
فكرة اللامتناهي تتعلق بتجربة الغيرية وبالعلاقة مع الآخر بوصفها علاقة اجتماعية تتمثل في الاصطدام مع وجود خارجي بإطلاق،لاتناهي هذا الوجود لا يمكن أن يحتوى الآخر ويضمن ويكون هذه الخارجية التي تظهر في المقاومة المطلقة التي يبديها الوجه ضد كل موضعة.
يقول في هذا السياق ليفناس:" من المؤكد أن الآخر يمنح نفسه لكل قدراتي ويقع تحت حيلي وجرائمي ويقاوم بكل قواه ومصادره غير المتوقعة حريته الخاصة... توجد خارجيته الحقيقية في نظرته التي تمنعني عن كل غزو. تتكون هنا علاقة مع مقاومة كبيرة مع الآخر المطلق، مع المقاومة الاتيقية..."
إن الوجه الذي يستدعيني ويوجهني ويدعوني إلى تحمل مسؤولية لا متناهية تجاه الآخر هو وجه عار ومجرد وملامحه مكشوفة ولا يخفي أي سر ورائه فهو موجود خارج عالم الظواهر وكل ما فيه قد ظهر منه،يضع الوجه الذات في علاقة تناظر موازية للآخر وهذا الآخر ليس مجرد مرآة عاكسة ترى فيها الذات ذاتها بل هو كذلك ثقب في عالم الذات يترك فيها بصماته وآثاره عندما يمر من أمامها وتنفتح عليه كما يقول ليفناس:"إن الوجه ليلمع داخل أثر الآخر"
في علاقة المرور ينبغي أن يتخلى الآخر عن الرغبة في رؤية ومعرفة الذات،يجب أن يرضى فقط بوضع المرور الذي هو رفض لكل ذوبان في المطابق والمثيل والنظير،انه يؤدي زيارة ويشرع في القدوم فيعطل المحايثة دون أن يصمد في التعالي ودون أن يثبت في آفاق العالم.
الوجه هو داخل أثر الغياب المرتبط بالآخر وليس البتة مقبوضا عليه،أما الأثر فهو يلعب دور العلامة على مرور الآخر قبالة الذات ويتمسك به الوجه ليؤكد مروره.
الآخر الذي مر والذي ظل غائبا بإطلاق وغير قابل للإدراك يشهد على قوته ويعبث بنظام وجود الأنا وهو مطالب بالانسحاب حتى لا يتحول إلى رهينة للأنا،يذكرنا الأثر أنه أثناء هذا المرور يتشكل شيئا ما عند مقابلة الآخر،لقد مر شيء ما والجوهري في مغامرة مروره ليس الوصول إلى المعرفة والتذكر بل الحصول على التعرف أثناء المقابلة. إن الأثر الذي يظهر في الوجه لحظة مرور الآخر يفتح الأنا على المجهول ويمكنه من الوصول إلى جدة غير متوقعة.
4- مستقبل الأنا هو مجاورة الآخر:
"كل مقابلة تبدأ ببركة متضمنة في كلمة صباح الخير"
الإنسان مدعو على طول وجوده في العالم الذي قذف فيه إلى وضع إمكانياته قيد التنفيذ وذلك بالتفكير في الزمن لا كانحطاط للديمومة بل كعلاقة مع الآخر المطلق الذي يظل غير مفهوم.
يبحث ليفناس عن الوسيلة التي يستعملها الآخر ليقاوم بها العدم وينتصر في وجوده دون أن يهمل مأساة موته الخاص وحزنه من موت الآخر. إن الوجود المائت هو في نفس الوقت وجود من أجل الموت ولكنه أيضا وجود ضد الموت. إن الموت يعطي معنى للوقت المتبقي للحياة لكي يكون انهماما بالوجود، إن المستقبل المهين عليه السأم من الموت لن يصبح مستقبلي لوحدي بل المستقبل الذي يشاركني فيه الآخر.
صحيح أن الموت يهدد الذات في وجودها الخاص ولكنها تمتلك الوقت الكافي لإثبات وجودها بالنسبة إلى الآخر وللعثور على المعنى على الرغم من الموت،إن الذات مدعوة لكي تعترض على عنف الموت بالطيبة حيث ينبغي أن يستفيد المرء من خير الآخرين مادام مزال على قيد الحياة. يثمن ليفناس مبدأ الأمل الذي صاغه أرنست بلوخ والذي يقوم على القول بأن المستقبل الأصيل هو الذي يجعل الموت أمرا مفهوما ويرتبط بالحب الشديد الذي يعوض الموت.
إن ما نسميه حب هو الفعل الذي يتأثر بموت الآخر أكثر من الذات ،انه نتيجة حب الآخر بقوة وليس الضيق من الموت الذي ينتظر الذات. الموت هو الخطر الذي يقترب مني كالسر انه إقبالي على الآخر ومرجعيتي بالنسبة إلى الموت "أننا نلتقي بالموت في وجه الآخر"
من جهة أخرى يعتبر ليفناس الأنوثة هي الآخر بالنسبة إلى الذكورة ويطالب بإعطاء المرأة نفس الحقوق التي ظل يتمتع بها الرجل لوحده لأن المرأة عنده تحوز على نفس الخصائص التي توحدها من جهة كونها إنسان مع الرجل. لكن الأنوثة هي الغيرية الخاصة بالمرأة والتي لا يقدر الرجل على معرفتها حتى عن طريق الحب والزواج. إن الأنوثة ليست جسد يمكن إدراك حدوده تحت الضوء بل هي خاصية مختفية على الدوام وانطواء على الذات. علاقة الحب لا يمكن اختزالها في مقابلة بين شخصين مختلفين يطمحان إلى الانصهار في ذات واحدة عبر تقاسم لذة أبدية. الأنثى هي مستقبل مفتوح للرجل في هذا الزمن الممزق،إنها طريقة للانعطاء تطل على الوجود وعلى العدم كحرارة متدفقة،إنها هشاشة مطلقة ومعطوبة.
اللافت للنظر أن هذه الطريقة في أن تكون امرأة التقينا بها في شكل آخر هو المأوى،المرأة هي مأوى الرجل،كما ينبغي أن يشعر الرجل المرأة بأنوثتها حتى تتفطن إلى رجولته وذلك عن طريق مداعبتها وتمسيح شعرها،التمسح مغامرة ينكشف فيها ماهو متخفي وتتوجه نحو اللانهائي وهو العلاقة المحبذة التي ينبغي أن تنعم بها الأنثى ويقوم بها الرجل حتى يزهر جسدها ويلتهب فؤادها شوقا،انه حركة المحبوب أمام ضعف المحب والغبطة من علاقة الأنثى بالذكر ليست إرضاء الشهوات بل مواجهة المحب لغيرية الأنثى. إن الذات الرجولية غير قادرة على إمساك هويتها إلا بحصولها على حب من الأنثى والعكس بالعكس إذ يقول ليفناس:" الذات الرجولية لا تقدر على انجاز هويتها إلا باكتشاف غيريتها في الأنثى".إن الشهوة هي انجذاب نحو اللانهائي حيث يجتمع الإحساس بالخارجية ويكون الجسد في علاقة مع من في العالم أين الكل وجود وليس وجود.
إن"وجه المحب لا يعبر عن السر الذي يدنسه الحب...فهو ما ينفك يعبر..." الوجه يصبح صامتا بالقياس إلى السر المدنس،انه يقودنا نحو الخلاء ويشير إلى العذرية والبراءة الأصلية في حين يرمز العري إلى الإبراز والتجلي والإفصاح عن اللغز.المتحابون يريدون أن يكونوا وحدهم في العالم لكي يمارسوا الحب دون رقابة ودون ضغط ومستقبل الحب هو ولادة طفل لكن لكي يأتي الطفل لابد من أن يقابل الرجل الآخر من حيث هو أنثى. الطفل هو في نفس الوقت إمكانية من الأنا وإمكانية من الآخر،انه يتجاوز قدرة المحب والمحبوب على المستقبل.إن مستقبل العلاقة هو الآخر الطفل. الأبوة هي علاقة مع غيب يظل بأكمله آخر لأن الطفل لا يكون ابني إلا من جهة المولد أما بعد ذلك يصبح غريبا بالنسبة إلي،كما أن الابن ليس البتة ملكي ولا أثري مثلما تكون الأغنية أثرا للفنان فليس مقولات القدرة والمعرفة والملكية هي التي تحدد علاقة الأب بابنه بل تتبلور علاقة خارجية من خلال تجربة الخصوبة التي تسمح لكل واحد أن يكون نفسه ويوجد الآخر في نفس الوقت. هنا كل واحد هو آخر للآخر والوحدة لا ترتكز على الانتماء إلى نفس النوع بل متعالية على البيولوجيا وتتأسس على المحبة المتبادلة بين الأنا والآخر.
يقول ليفناس في هذا السياق:"إن العلاقة مع الآخر تتركني محل تساؤل،تستفزني،تفرغني من نفسي ولا تنفك تفزعني عندما تكتشف في منابعا جديدة دائما..." إن السؤال الذي يطرح هنا هو التالي: من أين يأتي هذا الثراء السري الموجود في والذي أجهل وجوده والذي لولا مقابلتي مع الآخر ما كنت اكتشفته؟
هناك داخل علاقة الأنا بالآخر إدراك بالرؤية واحتكاك باللمس والتمسيح وهناك أيضا تخاطب باللغة والتواصل عن طريق الصورة. الصورة هي المهيمنة الآن في العلاقات ذات البين لكونها الطريقة المفضلة التي تمثل الأنا للآخر والتمسيح يتهدده التباس الحب واللذة والتراخي لذلك تبقى لنا اللغة وهي ليست لغة المعارف والعلوم بل لغة الحديث الشفوي والكلام اليومي المتداول.
اللغة تخدم حوار المحايثة أين يقع تبادل حجج لغاية إرساء سلم بين المتحاورين . يرسي الحوار المتبادل عدالة بين المتحاورين داخل علاقة الأنا- الأنت، فهو القول الذي يفتح الباب على الآخر ما وراء حاجز الكلمات من أجل رؤية الأشياء والتواصل مع الذوات للتعرف على حياتها الماضية ومشاريعها المستقبلية وهوياتهم التي تتشكل حولا بعد حول.
إن تجلي الوجه الذي يحبذ المناظرة يفتح الأنا على طريق آخر هو طريق الآخر وعوض أن يكتفي الآخر بالتكلم مع الأنا وإرضائه فانه يغرس فيه تخمين ويزرع فيه الشك ويتركه حائرا مترددا لكن من أين تأتي هذه الصدمة التي تحصل لي عندما أقع ضحية نظرة الآخر؟
إن هوية الأنا هي دون غطاء القول ودون طريقة في أن يوجد بشكل معتاد وتعرض نفسها للآخر كماهي دون تكلف.إن الذات تقترب عن طريق التبادل التي تسمح به اللغة في القول من الآتي بأن تعبر له عن نفسها لأن كما يقول ليفناس:" الواحد يعرض نفسه على الآخر مثل الجلد الذي يعرض نفسه للذي يجرحه." الآخر يكتشف أن الأنا الذي يتكلم ليس أبدا موضوعا منكشفا قبل القول بل يقع التعرف عليه بعد أن تخلى عن جميع دفاعاته ويقع اخراجه من مخبئه. مهما كان مضمون التبادل وديا أو عشقيا فان الأنا لا يستطيع الهروب من هذا الوضع العاري وبعض الكلمات القوية كفيلة بأن تسلط الضوء على هذا الاقتلاع من جذور الذات الذي يهددها في تعارض تام مع مجهودها في الوجود وحاجتها إلى الإثبات التي تهيمن على وجودها اليومي. لهذا السبب تتردد الذات في فتح بابها وقبول الآخر ببساطة بل إن الآخر يدخل إلى حياة الذات متسللا كالسارق ويدعوها إلى تحمل مسؤولية لا تريدها ولم تبحث عنها لأنها لا تختار الآخر الذي تلتقي به بل كان مصدر ما حصل لها من إزعاج وفوضى. منذ أن تبدأ الذات في الحديث مع أحدهم فإنها تعرض نفسها عليه فعلا فلا تكون الأنا الذي قرر معرفة السبب في حرية كاملة إذ ينبغي أن تجيبه حتى قبل أن يطلب منها الآخر ذلك وبالتالي لا أحد يستطيع أن يحرر الذات مما سيأتي إليها بالرغم عنها من الخارج. إن اللغة كقول تحدث انقلابا آخر داخل الذات وعندما يتحدث موجودان فان التبادل يبدأ في لحظة معينة وينطرح بطريقة مستقيمة ثم يتوقف. إن زمن التبادل يتعلق بالحاضر من أجل المستقبل أين ينكشف المعنى تدريجيا والقول يشهد على الزمن بشكل مغاير ويمزق الزمن الخطي للقائل. إن قدرتي على التحديد الذاتي تتأثر بانفتاحي على الآخر واضطربت نتيجة التبعية تجاه الآخر.مهما كان محاوري فأنا الذي اخترته فجأة،إذ منذ أن أبدأ في الحديث مع أحدهم فاني أعرض نفسي له فلا أكون الأنا الذي قرر معرفة السبب في حرية كاملة،إذ ينبغي علي أن أجيب حتى قبل أن يطلب مني لماذا ؟، لا أحد يستطيع أن يحررني مما سيأتي إلي بالرغم عني من الخارج. إن اللغة كقول تحدث انقلابا آخر داخل الذات. عندما يتحدث موجودان فان التبادل يبدأ في لحظة معينة وينطرح بطريقة مستقيمة ثم يتوقف. زمن التبادل يتعلق بالحاضر من أجل المستقبل أين ينكشف المعنى تدريجيا، إذ يشهد القول على الزمن بشكل مغاير عندما يمزق الإيقاع الخطي للقائل.
أن نتحدث إلى أحدهم هو أن نفتح الباب الذي نحن منغلقون وراءه للانهماك بالوجود.انه لا أحد محروم من هذه المغامرة التي ينكشف معها بعض الضعف البشري. إن الذي يعزف عن الحديث للآخر يحرم نفسه من نجدة الكلمات ومن ثمار النقاش الذي يمكننا من التخلص من معتقداتنا البالية. التحدث إلى الأخر والتوجه نحو والتراسل معه هو الانعطاء له والوجود مع الآخر ومن أجله والمعاناة والتألم من وجوده فبالة الذات.إن الكلام ألم ومعاناة ومكابدة ويتطلب الصبر ويخضع الأنا تحت الامتحان خاصة وأن " الأنا كانت في القول معطية للآخر دون تحفظ"
الأخذ باحتياجات الآخر والاعتناء به هو مجاورته من أجل معالجة أخطائه وإصلاح هفواته عن طريق الهبة والعطاء والبذل وهذا الفعل لن يكون له معنى إلا إذا كانت في شكل انتزاع من الذات بالرغم عن الذات ، وحدها الذات التي تأكل يمكن أن توجد من أجل الآخر أما الذات الجائعة فإنها لا توجد إلا من أجل قضاء حاجياته بل بالعكس إنها توجد من أجل أن تنتزع خبز الآخرين من الفم وهذا هو سلوكه العدواني تجاه الإنسانية المنغرسة فيها.لن تكون هناك دلالة للواحد منا للأخر إلا إذا كنا موجودين من لحم ودم. الإحساس بالآخر لا يمكن التسبب في العطوبية أو التعاطف مع مرض الآخر. الجرح بالنسبة إلى الآخر هو انتزاع الخبز من الفم الذي يحرم من الغبطة ويمنعها. لا يتعلق الأمر هنا بفائض في القيمة بل بإعطاء الآخر الخيرات المعروضة علين. إن الأنا حسب ليفناس وقع انتهاكه والاعتداء عليه من قبل الآخر في هذه المغامرة المأساوية أين تم لمس الأنا من قبل الآخر.أثناء هذا الاحتكاك يختبر الأنا المجاور الأصيل أو الحسي المباشر وهو الآخر المتجسد في وجوده اليومي. ومهما تعظم الاحتكاك الذي وقع انجازه فهو لن يبلغ أبدا لحظة الانصهار والوجه لوجه لم يختفي بل أخذ منعرجا مدهشا هو منعرج المجاورة. إن هذه العلاقة التجاورية التي تسمح بالعيش سويا ليست مجرد قياس للمسافة التي تفصل بين حدين بل هي الشرط الذي يجعل من الأخر مستقبل للأنا. أن نتقاسم مع الآخر نفس الأفكار والمبادئ ونتعاطى معه نفس العادات والتقاليد ونتعادل في التبادل للمنافع والسلع لا يعني أننا سنقترب منه ضرورة إذا لم نفتح له قلبنا ولم تنتابنا الحيرة من صفاء وجهه. إن الاقتراب ليس حالة نهائية ومحصلة وان المجاورة لا تعني التطابق مع الآخر بل تبقي على المسافة التي تفصل بينهما لأنه" أكثر ما أقترب من الآتي المهتم به أكثر ما أكون بعيدا عنه".
غيرية الآخر اللامحتملة تقاوم الأنا إلى ما لانهاية وان ما يقرب الذات من الآخر ليست ما يجمعها به بل ما يجعلها تتحمله في غيريته وما يجعل الآخر يتحمل الذات على الرغم من خارجيتها عنه. ينبغي أن نتحمل جمعينا مسؤولية تواجدنا معا وعيشنا سويا طالما"أن الاجتماع معه يبدأ من واجبي تجاهه وواجبه تجاهي". إن القادم الغريب غير المعروف هو الذي يهم الذات قبل كل ادعاء وقبل كل التزام فهو الذي ينظمها دون أن تكون تعرفه. القادم هو الذي يهم الذات ليس لأنه ينتمي إلى نفس النوع الذي تنتمي إليه بل لأنه تحديدا آخر. النحن ليس جمع الأنا ولا الأنا في الجمع بل اللفظ الأنا يعني هاأنذا أو لبيك. الأنا يكون هويته من خلال الحياة في السكن والشغل والتملك والمعرفة وعلاقات الحب،وجوده كمواطن والتزاماته تجاه الثقافة ومدى احترامه للقيم. ان العلاقة بالآخر تظهر في شكل الحياة مع وباحترام العيش سويا حسب ما يفترضه القانون. إن الأنا مبتلع من طرف الوجود وفي خدمة النسق وهوية الأنا لا تقول كل شيء عن ذاتيتها فهي متكتمة في وجودها ولا تفصح بسهولة عن سرها والحياة الداخلية للهوية ليست فقط اهتمامها بوجودها بل حائرة أمام وجود الآخر.
إذا كان الأنا هو مصدر قراراته فان عين الذات غيرا لا يمكن أن مثل الأنا بل انفعالية مطلقة.القائل هو عرض للآخر،انه ابن الأب المجهول مثل المخلوق الملحد الذي يجهل دون شك خالقه، والخلق من لاشيء أي اللاشيء ليس العدم بل الخير ما تحت الوجود.

زهير الخويلدي

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:22   رقم المشاركة : 29
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

درء التعارض بين الكونية والخصوصية


زهير الخويلدي
معظم الناس هم أناس آخرون
أوسكار وايلد[1]
مقدمة:
تهتم الفلسفة منذ نشأتها بالكلي، فهي عند أرسطو علم بالكلي وعند كانط علم الغايات الجوهرية للعقل البشري، ويمثل الكل عند هيجل الحق وتصر الحداثة على الكوني كمطلب أنثربولوجي حقيقي وتطرح سؤال ما الإنسان؟ باحثة عن منظومة حقوق كونية ينبغي أن يساهم القانون الدولي في حمايتها وفرضها على الأنظمة السياسية كمبادئ ثابتة لا يجب انتهاكها أو التفريط فيها احتراما للقاعدة الكانطية التي تقول: عامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر لا كوسيلة بل كغاية.
لكن الفلسفة المعاصرة باهتمامها بماهو كوني قد أهملت أشياء كثيرة من بينها أن ماهو موجود هو الجزئي وأن الكلى ليس سوى مجرد مقولة لغوية ومعطى اسمي أو تصور نظري ومجرد مفهوم وتتناسى أن النزعة العالمية وقع تحنيطها من طرف عقيدة العولمة بماهي انتصار لنزعة ثقافية خاصة وقع فرضها على بقية الأمم عن طريق الدعاية والإكراه. زد على ذلك أن الحرص من طرف الفلسفة الحديثة على البحث عن ماهية الإنسان قد أدي إلى التقصير في فهم الشأن الإنساني وإسقاط التنوع والتعدد الملازمان الحالة البشرية من الحسبان وهو ما أدى الصوم عن طرح سؤال من هو الإنساني؟ وهو ما أدى أيضا إلى احتجاج البعض من الجماعاتيين على ورثاء النزعة الكونية الكانطية باستغرابهم: أليس اختزال الإنساني فيما هو كوني استخفافا بكل هوية؟
اذا سافرنا بهذا السؤال من مسرح سلبية الاستغراب إلى مسرح قساوة الإشكال نحصل على الإحراج التالي: هل يسبب حرص الإنسان على انجاز مطلب الكوني أزمة في الهوية أم حلا لها؟ ويمكن أن نقسم هذه الإشكالية إلى مجموعة من الأسئلة الفرعية: ما الفرق بين الإنسان والإنساني والإنسانية؟ وماهو مطلوبنا اليوم؟ هل نشارك في صناعة الكونية أم نعمل على المحافظة على الهوية؟ ماذا نفعل ان حصل تصادم بين المطلبين؟ هل نضحي بالكونية من أجل الهوية أم بالهوية من أجل الكونية ؟ ما السبيل إلى كونية لا تستخف بالهوية والى إنسانية لا تختزل في الكونية؟
ما نراهن عليه هو النظر إلى مسألة الهوية خارج الأفق الذي تتحرك فيه الملة وتجاوز منطق العرق والثقافة والدين واللغة والوطن والعمل على بناء هوية كوكبية.
الجوهر:
عندما يحتج أحد المفكرين أمامنا حول إمكانية أن يسبب اختزال حياة الإنسان في اندراجه ضمن الكوني- سواء على جهة المشاركة أو على جهة التقليد- أزمة هوية فإن المشكل الفلسفي الذي يتراءى لنا على الفور هو التوتر بين دعاة الكونية وفرسان الخصوصية في تدبيرهم للشأن الإنساني. ولكي نعالج هذا التوتر فإن تحديد بعض ألفاظ الموضوع تبدو ضرورة ملحة، فماذا نقصد ايتيمولوجيا بمفاهيم الكونية والإنساني والهوية؟
بادئ ذو بدء تعرف الكونية على أنها أمر مخالف للخصوصية وقريبة من العالمية والأممية والكلي والشامل وتدل على مجموعة من القيم التي يحصل حولها إجماع واتفاق من طرف كل الناس مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، في حين أن الإنساني هو مجموع السمات التي يشترك فيها الناس كافة وفي نفس الوقت مكونة للتباين النوعي بينهم وتعكس أيضا حال الإنسان كما هو موجود في العالم، وما نلاحظه هنا أن الإنساني هو في منطقة وسطى بين الإنسان والإنسانية، بينما تحدد الهوية على أنها ما ليس غيرية وتشير إلى الوحدة والتطابق والاستمرارية والانتماء إلى جماعة والوفاء إلى الذات وتعنى ما به يكون الشيء هو نفسه وهي حقيقة الشيء أو الشخص المشتملة على صفات جوهرية عينية.
ربما تكون أحسن الخيارات الممكنة لمعالجة المسائل العالقة حول هذا التوتر بين الكونية والخصوصية الذي يطرحه الموضوع هو إتباع الخطة التالية:أولا الشروع في فهم كيفية إمكانية اختزال الشأن الإنساني في الكوني من طرف الفلسفة المعاصرة، والانتقال بعد ذلك إلى تبين المواطن التي أدى فيها مثل هذا الاختزال إلى الاستخفاف بالهوية، ويمكن في مرحلة ثالثة افتراض تصور جديد للكونية تحترم فيه الخصوصية ، كما يمكن في لحظة منطقية رابعة نحت جديد للهوية مشارك في بناء الكوني.
1- مخاطر الكوني على الإنساني:
الواقع أن الكوني يهلك في العولمة وعولمة التبادلات تضع نهاية لكينونة القيم... فالكوني قد تعولم والديمقراطية وحقوق الإنسان تعبر الحدود كأي نتاج عالمي كالنفط ورؤوس الأموال[2]
ننطلق في اللحظة الأولى من التفكير في مشكل الموضوع من الخلط الذي وقع فيه البعض حول معاني الكوني والعالمي والعولمي ونلاحظ بروز نمط من ثقافة العولمة وعولمة الثقافة تتمثل في نزوع نمط ثقافي واحد نحو بلوغ العالمية وإقصاء البقية وفي بروز مجتمعات تتقاسم روابط ثقافية وتتعاون مع بعضها البعض في الهامش والأطراف حيث تصر بعض الدول على تأكيد خصوصياتها ومقاومة العولمة. يعبر بول ريكور عن هذا التوجه نحو الكوني بقوله:إننا أمام كونية فعلية للإنسانية فكلما ظهر اختراع في أي نقطة من العالم إلا وانتشر بشكل كوني...بحيث يمكن أن نتحدث عن علم وعن تقنية اقتصادية ذات طابع كوني[3].
من هذا المنطلق ينبغي التمييز بين الكلي الذي يفيد المنطقي والمعرفي وبين الكوني الذي يحيل على الأكسيولوجي والايديولوجي بماهو مجال هيمنة واغتراب وأفق لعقل الحسابي والفعل الأداتي أين تحل المصلحة محل المعرفة والنجاعة مكان القيم والحقيقة موضع المعنى وتحدث أزمة تواصل على الرغم من الإفراط في الاتصال وتطغى الوحدة على الكثرة والتطابق على الاختلاف.
لكن ان ارتبطت الثقافة بالنفوذ ألا تكون الامبريالية هي النتيجة المنطقية لادعاء الكونية وألا تمثل الكونية المعولمة خطرا على بقية العالم كما صرح هنتغنتون؟
هذا الأمر ولد توترا حادا بين نزعتين منتشرتين في الفكر والسياسة والاقتصاد: النزعة الأولى تتجه نحو الانفتاح والانخراط اللامشروط في العولمة وتنتصر إلى القيم الكونية أما النزعة الثانية فتصر على صيانة الهوية من أي اعتداء خارجي وتنهمك في المحافظة على نقاء رموزها الثقافية من أي اختلاط.
يقول برهان غليون في هذا السياق: إن العولمة تعني خضوع البشرية لتاريخية واحدة ويقصد أنها عملية توحيد قسري وإكراهي للبشر من الناحية الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وقد ارتبطت بنشأة نمط جديد من السيطرة الكوكبية والاختراق الكلياني.
هنا يشير سمير أمين إلى أن معيار التوحيد هو بالأساس اقتصادي، لأن التباين بين المراكز والأطراف في المنظومة العالمية لا ينبع بالأساس من الاختلاف الثقافي،فالمعيار الذي يقوم عليه هو معيار اقتصادي، ويعني أن السوق والمال والإنتاج والاستثمار والتبادل والاستهلاك هي أساس توحيد المعمورة واختزال للإنساني في كوجيتو البضاعة ومبدأ المردود وتحويله إلى مجرد حيوان مستهلك وآلة راغبة.
هنا تبدو العولمة ذات اتجاه واحد لا محيد عنه في حين أن الكوني في طريقه إلى التلاشي لاسيما وأنها حركة تاريخية حتمت على الجميع الانخراط فيها ونتجت عن كثافة انتقال المعلومات وسرعتها وأدت إلى جعل العالم أشبه بقرية صغيرة والى هيمنة نمط واحد من الحياة على الجميع. في هذا الإطار ينبه سمير أمين إلى أن:العولمة تكون أشبه بمشروع هيمنة عالمية لا يأخذ بعين الاعتبار التفاعل الطبيعي بين الثقافات العالمية وإنما هو تكريس لثقافة القطب الواحد مقابل إقصاء الآخر.
فكيف سيظهر حال الهوية في ظل تحدي العولمة؟
2- مفهوم الهوية في مهب العولمة:
إن العولمة الاقتصادية والإعلامية وتدويل القانون وتنميط العالم اقتصاديا لم يؤدي إلى إقصاء التوجهات الكبرى للهوية والمتمظهرة في مختلف أشكال التعصب القومي والوطني والاثني[4]
الهوية هي الميزة الثابتة في الذات وبعبارة أخرى انها ميزة ماهو متماثل سواء تعلق الأمر بعلاقة الاستمرارية التي يقيمها فرد ما مع ذاته أو من جهة العلاقات التي يقيمها مع الوقائع المختلفة. من هنا تحدد الهوية بالعرق والدين واللغة والوطن والثقافة والنوع والعالم. ان الإحساس بالهوية في علم النفس هو الأمر الذي يجعل شخصا ما يشعر بكونه هو ويبقى في الزمان كذلك وهذا يعني أن الهوية نسق من الأحاسيس والتمثلات التي يستطيع بواسطتها فرد ما الإحساس بتميزه
وتعرف الهوية الثقافية بأنها الفعل الذي يجعل من واقع ما مساويا أو شبيها بواقع آخر من خلال الاشتراك في الجوهر, على هذا النحو فان هويتي هي ما يجعلني مماثلا لنفسي ومختلفا عن الآخرين
لا تتعلق الهوية بالنحن والجماعة بل ترتبط بالفرد والضمير المتكلم وفي المنطق هناك مبدأ الهوية وحجرة الأساس في المثالية الألمانية هو قولة فيخته: أنا يساوي أنا وبالتي هناك ترابط بين مفهوم الهوية ومفهوم الفردنة بالمعنى السياسي والشخص بالمعنى الأخلاقي والشخصية بالمعنى القانوني.
نجد في المعجم الفلسفي لفولتير ما يلي: يدل مصطلح الهوية على الشيء ذاته ويمكن تعويضه mémeté ومن ثمة فإن الذاكرة هي التي تحدد الهوية وليس التاريخ فقط. نستخرج من ذلك أن الهوية تحمل في ذاتها مفارقة فهي البعد المميز والمنفرد والأحادي ولكنها أيضا البعد المشترك والسمات العامة الديناميكية التي تتكون منها جماعة معينة. يقول مانيال كاستيلس: أعني بالهوية مسلسل انبناء معنى فعل معين انطلاقا من معطى ثقافي أو من مجموعة منسجمة من المعطيات. لكن فيخته في كتابه مصير الانسان يؤكد على أهمية العوامل المحيطة بالبشر في تحقيقهم لانيتهم التي لها نزوع داخلي الى الحرية والكمال اذ يرى: لم أولد من ذاتي، لقد أصبحت حقيقة بفضل قوة أخرى توجد خارج ذاتي. لكن هذه القوة المعولمة عوض أن تساهم في تحقيق الذات أدت الى تشظيها وتصحير وجودها عبر عنه جان بودريار بقوله: كل ثقافة تتعمم تفقد خصوصيتها وتموت.
يقول سمير أمين حول الخطر الذي تمثله دول المركز على دول المحيط: لقد اتسمت ثقافة العولمة بالقصور فهي ثقافة مبتورة وغير متجانسة علة مستوى الاقتصاد والسياسة وتعاني من التناقضات الداخلية مما ينجم عنه اضطراب وقلق لشعوب الأطراف ويضيف في موضع آخر: الخصوصية الثقافية فقدت طابعها المحلي تحت تأثير ثقافة العولمة وهيمنتها. ويفسر ذلك بأنه في ظل ثقافة العولمة التي هي نتاج حتمي للرأسمالية فقدت الخصوصية الثقافية معناها.
بين اذن أن ما نعاني منه في عصر العولمة هو فقدان الهوية وتشظيها لأنه: في حياتنا العادية نرى أنفسنا أعضاء لمجموعة متنوعة من الجماعات ونحن ننتمي إليها جميعا. فكل إنسان له مواطنة ومكان إقامة وأصل جغرافي ونوع جنسي وطبقة وانتماء سياسي ومهنة ووظيفة وعادات لطعامه وذوق موسيقي والتزامات اجتماعية، الخ. وكل هذا يجعلنا أعضاء في جماعات متنوعة. وكل من هذه الجمعيات التي ينتمي إليها هذا الشخص في وقت واحد تمنحه هوية معينة وليس فيها ما يمكن أن يؤخذ على أنه الهوية الوحيدة للمرء ولا التصنيف الوحيد لعضويته[5].
فكيف يقدر المرء على اختيار محددات الهوية الأفضل؟ ألا تقع كل هوية في مآزق الذاتي والجماعي والخصوصي والكوني؟ أليست هي نفسها حصيلة تقاطع خصوصيات مختلفة؟
3- مخاطر الخصوصي على الإنساني:
إن هناك حاجة إلى أن نكون نقديين وقلقين إزاء الرفض المعاصر للكونية. فالاحتفاء بالجماعات وما يرافقه من مزاعم حول الشرعية التي تتمتع بها هذه الجماعات والسلطة المنسوبة للفئة التي تسيطر عليها تنطوي على مخاطر سياسية وأخلاقية...[6]
إن رفض العولمة بجملتها لن يكون فقط ضد الاقتصاد العولمي لكنه أيضا سوف يقطع حركة الأفكار والفهم والمعرفة التي يمكن أن تساعد كل شعوب العالم بما فيهم المحرومين من ضحايا العولمة نفسها. البعض تصور الحل في الانتصار للمحلية ضد الكوكبية والدفاع عن الهوية في مواجهة العولمة ولكن ذلك لا يعني سوى تبني النظرة القاصرة: أدى التشخيص الخاطئ الذي يقول أن عولمة الأفكار والممارسات لابد من مقاومتها لأنها تجلب التغريب دورا ارتداديا للغاية بالفعل في عالم الكولونيالية ومابعد الكولونيالية. فهذا التشخيص يستحث وجهة نظر إقليمية ضيقة كما يقلل من قيمة التقدم في العلوم والمعرفة العابر للحدود. والواقع أنه ليس فقط غير مثمر في حد ذاته لكنه يمكن أن يكون في النهاية طريقة جيدة لكي تسبب المجتمعات غير الغربية أذى عظيما لنفسها – حتى نفسها الثقافية العظيمة[7].
لقد الأحداث الأخيرة الى القول بأن الهويات الثقافية تمثل سبب التفكك والنزعات بين الشعوب وتشكل عاملا أساسيا أنتج الانقسام والتوتر وبالتالي يرى البعض أن تراجع الحضارة الكونية يرجع إلى تنامي نزعة الخصوصية والانغلاق على الذات وسياسة الانكماش واعتبرت الاختلافات بين الثقافات المشكلة من هويات مت**** لانتمائها مصدر رئيسي لحروب الأديان وسوء التفاهمات بين الجماعات. وقد عبر هنتغنتون عن ذلك بتأكيده أن:أن الصراع بين القوى العظمى قد حل محله صدام بين الحضارات.
إن التنوع في الثقافات يمكن، بل قد يسمح بسهولة بالتخلي عن الديمقراطية والحقوق الفردية، كما أن التجاهل المتضمن في الطروحات المعادية للعقلانية والطروحات المضادة للتأسيسية والموجهة إلى المعايير الكونية ينطوي على مخاطر العودة إلى عالم أكثر وحشية وفوضوية.[8]
4- التعددية الثقافية سبيل نحو كونية أكثر إنسانية:
إن الكوسموبولوتية كمنظور ثقافي هي أولا وقبل كل شيء رغبة في التعاطي مع الآخر. إنها موقف فكري وجمالي من الانفتاح على خبرات ثقافية متباينة، إنها بحث عن التناقضات بدلا من التجانس[9].
ربما ماهو مطلوب هو تحقيق شروط الضيافة الكونية بالاعتراف بحق الملكية المشتركة لسطح الأرض من طرف كل البشر على قدر المساواة والسماح للنوع البشري بان يؤسس سلم ابدي يفرضه دستور سياسي كوني وليس إظهار محبة الناس لبعضهم البعض أو إرساء علاقات الصداقة وتبادل حق الزيارة الإقامة والتسليم بالحرية كما يقول كانط. إن ما هو لازم لجعل الكوني يعبر عن ثراء الإنساني هو التضامن الفكري والتعددية الثقافية وتوزيع العدل وعولمة الحرية والهوية الديناميكية والتنظير إلى احتمالية الكوسموبولوتية أو ما سمي بالمواطن العالمي. في هذا السياق يرى ريكور أنه: لا يجب تخيل العلاقات بين الثقافات من خلال مصطلحات الحدود وإنما من خلال مصطلحات التأثيرات المتداخلة بين مراكز إشعاعها.
ليس بالضرورة كما يرى صاموال هنتنغتون أن يؤدي الانتشار الكوني للنموذج الاقتصادي على الصعيد العالمي إلى اغتراب ثقافي وذوبان في الهويات وإلغاء للتنوع والتعدد في الخصوصيات لاسيما و إن انتشار وانتقال السلع الاستهلاكية من مجتمع إلى آخر لا يحدث تغييرا مهما في الثقافة الأساسية للمجتمع المتلقي مثلما أن الانتشار السريع للتقنيات والإعلاميات ووسائل الاتصال لا يخلق اندماج الدول الغربية في القيم الغربية. لذا ينصح الكاتب الأمريكي بأن نعرف من نحن قبل أن يكون بإمكاننا معرفة مصالحنا ولكن عوض التنظير إلى الصدام بين الثقافات والحروب بين الدول ألا يجدر بنا أن نبحث عن الوسائط الاتيقية القادرة على انجاز تثقاف وتصالحات بين الهويات؟
ينبثق تعريف ماهو إنساني من معرفة الطبيعة الإنسانية في انفعالاتها وتصرفاتها وإبداعاتها وبعد مقارنته بالغريب والهمجي واللاسوي والآخر المغاير، وقد تغيرت دلالة الإنسان في الآونة الأخيرة لتقترن بنعت انسية مغايرة عبر عنها ادغار موران بقوله: إن طبيعة الطبيعة هي طبيعتنا ولتدل على مشروع ثقافي لامتناهي التعقيد يقدس الإنسانية التي تناهض كل سلوك إقصائي للغير وتؤمن اعتراف الآخر بالذات بعيدا عن كل اختزالية او استخفاف أو نظرة أحادية أو تمركز على الذات. الأخر هنا لم يعد الضد الذي يسلب ذاتي بل جزء من النحن الذي نكونه وشرط إمكان تحقيق الذات.
من جهة مقابلة ينبغي الإبقاء على التنوع والتعددية والمحافظة على الاختلاف والتباين لأن القضاء على هذه المفاهيم وصهرها ضمن ثقافة النموذج الواحد لن يؤدي الى تحقيق أي معنى حقيقي لحضارة عالمية ولذلك ينبغي أن تتعايش داخل الحضارة الكونية الثقافات القومية وتحقق تفاعلاتها القصوى المنتجة للتنوع وفي هذا السياق يقول كلود ليفي ستروس: ما نطلق عليه اسم الحضارة ليس سوى نتيجة لتنوع الثقافات التي تساهم فيما بينها في انجاز إستراتيجية مشتركة. نراه هنا يدعو إلى تحالف بين الثقافات يسمح لكل ثقافة بالتفاعل مع الثقافات الأخرى من دون أن تفرط في هويتها.
هذا الموقف يتكرر مع غاندي الذي يعتبر كل البشر إخوة ودافع عن ديانة توحد البشرية وترفع ما بينهم من خلافات وتعتقهم من ضغوطات الغربة وذلك بعودتهم إلى الحق والخير والتسامح والسلم وتساعدهم على التحكم في ذواتهم وتمكنهم من النزوع نحو الكوني وحب الخير إلى الجميع وينشد هذا المصلح الكبير في تعبير مجازي خلاب:إن قطرة الماء تشارك في عظمة المحيط حتى وان لم تكن تعي ذلك لكن بمجرد أن ترغب في الانفصال تجف تماما. وهو يلمح هنا إلى أن كل الخصوصيات قد ساهمت في تشكل الحضارة الكونية وأن نزعات الانفصال والتقوقع لا تساهم في تشكل الهوية بل في سكونيتها وجدبها.
إن إقامة عولمة بديلة تفترض إنتاج ثقافة عالمية بديلة تسمح للخصوصية أن تجد مكانا لها في هذه المنظومة الكلية بشرط أن تكون هذه الخصوصية موجهة نحو المستقبل وغير مكتفية بما ترثه عن الماضي من أحكام ثابتة ومعايير مطلقة وحقائق نهائية. إن تجاوز التلفيقية الغائمة والبحث عن الالتقاء الفاعل والوفاء للأصول هي شروط أساسية للتواصل مع الغيرية وانخراط الهوية في الكوني والمساهمة الإبداعية فيه وهو ما عبر عنه ريكور بقوله:إن الثقافة الحية الوفية لأصولها وتلك التي تكون في نفس الوقت في حالة إبداع على صعيد الفن والأدب والفلسفة والعطاء الروحي هي وحدها القادرة على تحمل ملاقاة الثقافات الأخرى.
خاتمة:
أفتح نوافذي لكل رياح العالم مادمت متأكد من أنها لن تقتلعني من جذوري المهاتما غاندي أليس اختزال الإنساني فيماهو كوني استخفافا بكل هوية؟ ذلك كان موضوعنا وتلك استفساراتنا حوله وهذا كل ما يمكننا قوله بخصوص هذه الاستفسارات وكانت بعض من تلك المرجعيات والشواهد التي ساعدتنا على توضيح مشكل التوتر بين الخصوصية والكونية الذي يطرحه نص ذلك الموضوع.
لقد كتب باسكال منذ قرون أن الإنسانية كلها كإنسان واحد يتعلم ويتذكر باستمرار ورأى ريكور أن الإنسانية باعتبارها جسما واحدا تدخل ضمن حضارة واحدة تمثل في الآن نفسه تقدما عظيما للجميع ومهمة جسيمة لبقاء التراث الثقافي وتكيفه مع هذا الإطار الجديد. وقد ألمح هيجل إلى أن المثقف يتخلى عن خصوصيته ويختم ببصمة الكلية أفعاله وذلك لتعوده على الفعل وفق وجهات نظر وأفعال كلية.
بيد أن ما حدث هو أن هذه الإنسانية وقع اختزالها في الكونية وأن العولمة همشت الخصوصيات وجعلت مطلب تحصين الهوية يقترن بالتعصب واللاتسامح والتمركز على الذات ودعت إلى الانفتاح والتحررية في كل شيء واحتكمت إلى قيم السوق والاستهلاك والتسليع.
على هذا النحو يبدو إعادة صياغة مفهومي الكونية والهوية أمرا مقضيا من أجل إزالة التوتر الطارئ بينهما وتحقيق إنسانية الإنسان والخروج من متاهة العولمة المتوحشة ومن أسر الخصوصية المحنطة، وان الكونية البديلة هي كوسموبوليتية جديدة تشرع للعيش السوي وتبقي على الاختلاف والتنوع وتنادي بالتثاقف والتخاصب بين الجماعات المتباينة والمتباعدة وهذا ما عبر عنه أدغار موران بالوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة بقوله: في جميع الأمور الإنسانية لا ينبغي على التنوع في حده الأقصى أن يحجب الوحدة ولا أن تحجب الوحدة الصماء التنوع[10].
إن الهوية الإنسانية المنشودة هي تقاطع وتلاقح بين عدة هويات متنافرة وبالنظر الى الغيرية على أنها بنية تكوينية للانية وهو ما أقره اريك فروم عند قوله:هوية الأنا ترجع إلى مقولة الوجود لا إلى مقولة الامتلاك. فإنني أكون أنا في النطاق وحده الذي أكون فيه حيا مهتما مرتبطا نشيطا، وفي النطاق الذي أكون قد حققت فيه دمج الصورة التي أعطيها للآخرين أو لي أنا نفسي بنواة شخصيتي...ولا يمكن حل أزمة الهوية إلا في النطاق الذي يعود فيه الإنسان إلى الحياة من جديد نشيطا...وذلك بتحويله من كائن مغترب إلى كائن مكتمل الحياة.
بيد أن الإشكال الذي ربما سيبقى قائما هو تراوح الكونية بين الواقع والرهان ويمكن صياغتها على النحو التالي: هل هي كونية للكل ضمن المماثلة أم أنها كونية مغايرة وتنويع؟ وهل الإنسان هو مجرد وسيلة للكونية أم غايتها وقيمتها المنشودة؟
* كاتب فلسفي
...................................
المراجع:
Edgar Mourin, Humanité de l’humanité, Edition du Seuil , 2001
Gil Delannoi et Pierre- André Taguieft, « Nationalisme en perspective », Bergintermotionnel Editeur,2001
- أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة 352 يونيو 2008،
- بول ريكور، التاريخ والحقيقة، فصل الثاني الجزء الثالث الحضارة الكونية والثقافات القومية،
- فريد هاليداي، الكونية الجذرية لا العولمة المترددة، دار الساقي ، الطبعة الأولى 2002،
- جون تومليسون، العولمة والثقافة ، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، عالم المعرفة 354 أغسطس 2008،
- جان بودريار مقال السلطة الجهنمية مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 134-135 خريف 2006،
.............
[1] أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة 352 يونيو 2008، ص11
[2] جان بودريار مقال السلطة الجهنمية مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 134-135 خريف 2006، ص43
[3] بول ريكور، التاريخ والحقيقة، فصل الثاني الجزء الثالث الحضارة الكونية والثقافات القومية،
[4] Gil Delannoi et Pierre- André Taguieft, « Nationalisme en perspective », Bergintermotionnel Editeur,2001.
[5] أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة 352 يونيو 2008، ص20-21
[6] فريد هاليداي، الكونية الجذرية لا العولمة المترددة، دار الساقي، الطبعة الأولى 2002، ص 232-233
[7] أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة 352 يونيو 2008، ص131
[8] فريد هاليداي، الكونية الجذرية لا العولمة المترددة، دار الساقي، الطبعة الأولى 2002، ص 233
[9] جون تومليسون، العولمة والثقافة، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، عالم المعرفة 354 أغسطس 2008، ص248
[10] Edgar Mourin, Humanité de l’humanité, Edition du Seuil , 2001,pp70

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 10:23   رقم المشاركة : 30
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الكوني والعالمي والعولمي


"ان ثقافة أضاعت قيمها لا تستطيع الا أن تنتقم من قيم الثقافات الأخرى".
جان بودريار[1]
لا يكون الانسان الا بهويته ولا تتشكل الهوية الا عبر شغل جماعي يكون به عدد من الناس،لكن هذه الهوية تظل فقيرة وتنحرف به نحو التعصب والانغلاق اذا لم تنفتح وتعترف بحق الآخر في الوجود والاختلاف والتنوع لكن كما يمثل التعصب لهوية ما خطرا ينتهي بنفي الآخر وتهميش الغيرية وتحويل العلاقة بين البشر الى علاقة صراع فان الاتصال بالثقافات الأخرى قد يمثل تهديدا لهوية ثقافية حين تصير صورة الذات ظلا للآخر منبهرة ومشدودة لانجازاته فتقف عاجزة عن الإبداع ويتحول كيانها بلا خصوصية تشدها الى الأصل وبلا مشروع كوني تقبل به على الآخر وتندمج معه في بناء هذه الكونية.
ان هذا التوتر هو الذي يبرر طرح مشكلة العلاقة بين الخصوصية والكونية وهو كذلك الذي يجعل من العلاقة بين العالمية والعولمة ميدان استقطاب وتجاذب، فكيف السبيل الى الانخراط في الكوني؟ وما الحاجة اليه أصلا طالما أن كل فرد يحوز على خصوصية معينة؟ ولماذا مثل ظهور العولمة إحراجا كبيرا لهذا الانخراط؟ وماهو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البشرية للتحرر من التأثيرات السلبية والانعكاسات الخطيرة للعولمة؟
يعتقد البعض أن الكوني والعالمي والعولمي معاني متشابهة ومصطلحات متجاورة مثلما يتجاور العالم والكون ومثلما تكتسح العولمة المعمورة وترتبط بالكلي ولكن الواقع يثبت أن مثل هذا التشابه خادع وأن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير وأن مثل هكذا كلام هو شعارات براقة .
إذ صحيح أننا نعيش تطلع جميع الثقافات الى الكوني ونموت من فقدان كل خصوصية وصحيح أيضا أن الكوكب يشهد انتشار عالمي لكل شيء وعلى امتداد أي شيء ولكن صحيح أيضا أن الكوني في طريقه الى التلاشي وأنه ثمة اختلاف بين الكوني والعالمي والعولمي وأن الكوني قد تعولم وأن العولمي ذي اتجاه واحد لا محيد عنه وأن الكوني يهلك في العولمة.
لقد أكد جان بودريار أن الذي يحدث اليوم في المعمورة من تحولات هو عبور من الكوني الى العالمي عن طريق العولمي، فما المقصود بذلك؟ ولماذا نبه هذا الفيلسوف على خطورة الموقف؟ هل يعني أن الكوني اختفى ولم يعد له أية أثر؟
يرى تزفيتان تودوروف أن روح الأنوار متكونة من ثلاثة أبعاد: التحرر والاستقلالية النسبة للفرد والغائية الانسانية لأفعالنا والكونية ويعبر عنها على النحو التالي:"ان الانتماء الى الجنس البشري أي الى الانسانية بماهي صفة كونية هو أكثر أصالة من الانتماء الى هذا المجتمع أو ذاك. وعلى هذا الأساس يكون مطلب الكونية بمثابة الحد الذي تقف عنده ممارسة الحرية ويكون المقدس الذي غادر مجال الاعتقاد ورفات القديسين مجسدا مستقبلا في حقوق الانسان...واذا تقرر أن لكل الكائنات البشرية مجموعة من الحقوق المتماثلة فانه يترتب عن ذلك أنها متساوية في الحقوق ومعنى هذا أن مطلب المساواة نابع من الكونية. ومن الكونية انبثقت ضروب من الكفاح ما تزال متواصلة الى اليوم: الكفاح من أجل أن تكون النساء مساويات للرجال أمام القانون وأن يلغى الرق وأن لا يشرع أبدا للتصرف في حرية أي كائن بشري وأن يعترف بكرامة الفقراء والمساكين والمهمشين وأن ينظر الى الأطفال باعتبارهم أشخاصا بأتم معنى الكلمة. أثار هذا الإقرار بكونية الانسان الرغبة في التعرف على مجتمعات أخرى غير تلك التي يولد فيها المرء."[2]
من هذا المنطلق يرتبط الكوني بحقوق الانسان والحريات والثقافة والديمقراطية أما العولمي فهو عولمة التقنيات والسوق والسياحة والإعلام.لقد امتلك الكوني بماهو ثقافة المتعالي والذات والمفهوم والواقعي حظه التاريخي عندما عمل على إدماج الخصوصيات مع الإبقاء على اختلافها ضمن الكل المشترك كاختلافات لكن لم يعد من الآن فصاعدا ينجح لأن العولمة كفضاء للافتراضي والرقمي والمحايث والمرئي انتصرت عليه وقضت على كل الفروقات ولم تبق الا خصوصية واحدة مهيمنة هي ديانة توحيدية جديدة هي ديانة السوق. ان الكوني كان فكرة جميلة يطمح أن يعانقها كل خصوصي ولكن عندما حاولت العولمة أن تحققه في العالمي انتحر كفكرة وكغاية مثالية وتحول الى وسيلة تعبئة وآلة للصهر والإدماج لا غير. في هذا السياق يقول تودوروف:" فالقرن العشرون بصفة خاصة الذي شهد مجازر حربين عالميتين وقيام أنظمة شمولية في أوروبا وخارجها بالإضافة الى ما أدت اليه الاختراعات التقنية من دمار وتقتيل...بدا وكأنه يسفه نهائيا جميع الآمال المعبر عنها في الماضي مما دفع الكثيرين الى الكف عن الانتساب الى الأنوار وصارت الأفكار التي تتضمنها كلمات من قبيل إنسية ،تحرر،تقدم،عمل وإرادة حرة فاقدة لكل اعتبار".[3]
ان الحياة وهبت للعولمة على حساب موت الكوني ونقيضه الخصوصي ورديفه العالمي ولكن هناك من يموت من خصوصيته عندما تتحول الى عالمي وهناك من يموت لفقدان خصوصيته عندما تتعولم وتفقد رغبتها في التطلع الى الكوني. زد على ذلك أن العولمة هي اختراق للعالمية وتمييع لها بإقصاء الخصوصيات الثقافية أما العالمية فهي اغناء للهوية الكوكبية بالاعتراف بالخصوصيات وتحقيق التفاعل بينها.
من البين أن العولمة هي النموذج الذي يرى أن اقتصاد السوق الحر هو المهيمن على العالم وأن الرأسمالية هي ديانة البشرية وأن المركزية الثقافية تركت مكانها للنسبية الثقافية، أما العالمية فهي جماع تفاعلي وتثاقف ونزوع يعتبر التنوع والتعدد والاختلاف أمور ضرورية بالنسبة الى بناء الحضارة الانسانية ويدعو الى التفاعل بين مجمل الثقافات والحوار بين الأديان والتكامل بين المجتمعات ويخاطب إنسانية الانسان والقيم المشتركة بين الناس. تشير العولمة الى ثلاثة عمليات حدثت على مسرح التاريخ الأممي:"
- زيادة حجم التبادل بين المجتمعات سواء تمظهر ذلك على شكل تجارة أو رأس مال أو حجم العملات المتبادلة أو حركة السياح والمهاجرين.
- تخفيض الحواجز وإلغاء دور الحدود بين المجتمعات والدول وتطبيق مبدأ دعه يعمل دعه يمر على الاستثمار والفتح الأسواق وإزالة الأداءات الجمركية.
- زيادة التجانس بين الدول والمجتمعات وتفعيل التقارب بين الثقافات".
العولمة تعني على الصعيد الاقتصادي تحرير التجارة وزيادة حركة تدفق رأس المال عبر الحدود وعلى الصعيد السياسي هي زيادة التنسيق بين الحكومات والإيمان بفكرة المواطن الكوني وفي الوقت نفسه زيادة التنسيق بين المجموعات غير الحكومية عبر الحدود والإيمان بفكرة المجتمع المدني العالمي، أما على الصعيد الثقافي فتعني زيادة التفاعل بين الثقافات وتجاوز سيطرة الدولة أو السلطات الثقافية الراسخة وترافق الثورة التكنولوجية والأنترنت المرتبطة بعلاقات عابرة للزمن والفضاء والهوية. لكن هل العولمة قدر؟ متى وكيف ستنتهي العولمة؟ بل وعلى أي أساس ومعيار يمكننا أن نحكم أنها انتهت؟
ان العولمة ستظل تشير الى هيمنة أقلية الدول الغنية على بقية العالم الذي يتكون من دول فقيرة وفي طريقها الى النمو وإنها ستعمل دوما على ربط دول الأطراف بدول المركز بشكل يقوي من التبعية ويزيد من التطور اللامتكافيء. ان أهم نتيجة للعولمة هي تفجر العنف من طرف العالمي نتيجة خلقه لعدوه ودخوله معه في صراع ضار من أجل الاحتواء ورد الطرف المقابل الفعل في حركة لا تنتهي.
لقد أدى اشتعال الحرب الى إرباك في مستوى علاقة الثقافات بقيمها والى لجوئها الى منطق الثأر والانتقام من كل ثقافة تدعي العالمية وفقدانها لأية صلة تربطها بالكلي. في هذا السياق يصرح فريد هاليداي:" ان هناك حاجة الى ان نكون نقديين وقلقين إزاء الرفض المعاصر للكونية فالاحتفاء بالجماعات وما يرافقه من مزاعم حول الشرعية التي يتمتع بها هذه الجماعات والسلطة المنسوبة للفئة التي تسيطر عليها تنطوي على مخاطر سياسية وأخلاقية".[4]
أما الكونية بمعناها الأصلي فهي نوع من العالمية التي تعني التخاصب والتفاعل بين الثقافات الانسانية وهو تفاعل وتخاصب يعتمد على مبدأ التوازن والتكامل والتكافؤ ويهدف الى اغناء التجربة الثقافية الانسانية وتأصيل قيمها المشتركة. ومن هنا فان الكونية مطمح الانسانية ومجال لالتقاء وحوار الثقافات تستند لثقافة حقوق الانسان والديمقراطية والمواطنة ولتحقيق الكونية الجذرية لابد من توفر جملة من الشروط أهمها الانفتاح والاعتراف والقبول بالاختلاف والمحافظة على التنوع واستثمار التعدد والإيمان بالتسامح والابتعاد عن العنف والتخلي عن التعصب والعزلة والانطواء. وقد عبر عن هذا الرأي كلود ليفي ستروس عندما صرح:"ان الحضارة تفرض تعايش ثقافات متنوعة الى أقصى حد وتقوم هي بالذات على هذا التعايش. إذ لا يمكن للحضارة العالمية أن تكون شيئا آخر على المستوى العالمي غير تحالف للثقافات التي تحتفظ كل واحدة منها بخصوصياتها"[5].
ان الحوار يسمح بإدماج الخصوصيات في البعد الكوني وتحقيق التلاقح بين الهويات من أجل تشييد الهوية المركبة ويقتضي مبدأ المثاقفة أن نفتح الانية على الغيرية وأن يكون الأنا وجها لوجه مع الآخر وأن يتعايشا على الرغم من التنافر بينهما لأن التمايز عن الآخر يقتضي منحه الاعتراف بكرامته وخصوصيته الثقافية والقبول به كآخر والتواصل معه انطلاقا من القيم الانسانية المشتركة مثل العدالة والحرية والمساواة. من هذا المنطلق يمكن تصور كونية جذرية تتسم بالواقعية وجوهر هذه الكونية ليست نتاج الفكر الغربي بل هي إفراز للفكر البشري عموما الذي ساهمت فيه وكل ثقافات العالم سواء الآن أو عبر القرون الماضية ولاتزال تساهل فيه عبر مسار معقد من التفاعل والتلاقي التوليدي، لكن التحدي الذي يطرح هنا هو كيف انحرفت الكونية من مجال القيم الانسانية الى مجال لتبرير الهيمنة والاستعمار لتصبح شكلا من أشكال العولمة؟ أو ليست الكونية بهذا المعنى هي خصوصية مكوننة خاصة في عصر تسيدت فيه عالمية الغرب بمقتضى مركزيته الذاتية المنتفخة والمتورمة؟
ألم يدعو صاموال ادغونتون الى صدام الثقافات باعترافه أن القرن الجديد قد يشهد صراعات دموية وقد تنشأ صراعات أخرى داخل الحضارة ؟ألم يبين أن "الكونية الغربية على بقية العالم لأنها قد تكون مصدر حرب بين الدول المشعة في حضارات مختلفة"[6] ولأن الفكرة التي تدعو المجتمعات الأخرى الى تبني النموذج الغربي في التقدم والحداثة هي فكرة لا أخلاقية مرتبطة بالنفوذ وإرادة الهيمنة وبالتوسع العالمي للحضارة الغربية؟ثم لماذا أعلن فرنسيس فوكوياما نهاية التاريخ وظهور الانسان الأخير وانتصار نموذج الدولة الليبرالية الديمقراطية الأمريكية؟ ألا تعني العولمة في نهاية أمركة العالم؟
خلاصة القول أن الكونية Universalisme هي الذهاب من الخصوصية الى معانقة ماهو مشترك من قيم بين الانسانية وهي أفق للبشرية وحلم الثقافة الانسانية يستند الى مقولات التقدم والعقل والتضامن والحداثة، أما العولمة Mondialisation فهي على حد عبارة ريتشارد رورتي من ابتكار الشعوب الغنية بهدف التستر على مصالحها السياسية أي أنها تقوم على اجتياح الثقافات الأخرى وتمكن القوى الكبرى من السيطرة على بقية الدول سيطرة اقتصادية وسياسية وثقافية، لكن رغم ذلك يظل الباب مفتوح لتأمل البشرية في بناء عالمية Cosmopolitisme تعبر عن التنوع الثقافي وتحقق الاعتراف العادل والمتبادل بين الخصوصيات بحيث تنفتح على بعضها البعض مع احتفاظها بتنوعاته والإيمان بمجموعة من القيم المشتركة مثل حق الضيافة والاعتراف بالآخر وتأسيس علاقة حوارية بين الأديان والثقافات في إطار من الاندماج والعيش المشترك.
يقول بول ريكور حول هذا الموضوع :" ان الانسانية باعتبارها جسما واحدا تدخل ضمن حضارة كونية واحدة تمثل في الآن نفسه تقدما عظيما للجميع ومهمة جسيمة لبقاء التراث البشري وتكيفه مع هذا الإطار الجديد. إننا نحس كلنا وان بدرجات متفاوتة بوجود توتر بين ضرورة هذا المرور وهذا التقدم من ناحية ومطلب الحفاظ على موروثنا من ناحية ثانية."[7] حول ضرورة تعدد الثقافات وتواصلها من أجل بناء حضارة بشرية واحدة:"حينما يكتب باسكال "يمكن اعتبار الانسانية كلها كانسان واحد يتعلم ويتذكر باستمرار" فان عبارته هذه تعني...اذن وحدة النوع البشري مجردة خالصة عقلانية تستتبعها جميع التمظهرات الأخرى للحضارة الانسانية".[8] هذا ما رآه تودوروف عندما قال:"أما اذا تجاوز الأمر حدود البلد الواحد فان الكونية تكتسي معنى آخر فكما أن سكان بلد ما ينبغي أن يرقوا جميعا الى مستوى المواطنة ينبغي كذلك اعتبار جميع سكان المعمورة من الوهلة الأولى كائنات بشرية بأتم معنى الكلمة لأن ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم".[9]
مدار الأمر عندنا أن "ثمة وحدة إنسانية وثمة تنوع انساني" وأنه "توجد وحدة إنسانية بقدر ما يوجد تنوع انساني" وأنه "علينا أن نتصور وحدة تضمن التنوع وتميزه وأن نتصور تنوعا ينخرط في وحدة"[10] وكما قال أدغار موران وحدة مركبة وخلاقة تجعل التنوع يعيد إنتاج الوحدة والوحدة تحافظ على التنوع. زد على ذلك أن الكونية كمطمح انساني وحضاري أصبح الكل يريد بلوغها سواء كان فردا أو مجموعة من أجل الانخراط في العالمي والمساهمة في مسار التقدم والتحديث والعصرنة التي تعرفها البشرية على مر تاريخها لأن البشر مواطنو عالم واحد ولكون شبح العولمة بدأ يخيم على الآفاق وبدأ يهدد الكوني بالاندثار لأن التشبث بالخصوصي قد حوله الى منطق للاستبعاد وإهماله قد أدى الى إهلاك الكوني.عندئذ " ليست الكونية مسؤولة عن الصورة التي يمكن أن نشكلها لأنفسنا فحسب بل هي تفتح إمكانا لمشروعية جديدة في هذا العالم الذي لم يعد فيه الخير والشر أن يبقيا قائمين على كلمة الرب ولا على الدروس المستقاة من التقاليد".[11]
فهل مازل الوقت مناسبا للحديث عن الأممية والعالمية في ظل عصر نعجز فيه عن تحقيق التماسك والاستمرارية والتطورية لوطنيتنا القطرية؟ فهل يكفي تأسيس دستور سياسي كوني ونكلف هيئة أممية بحمايته وتطبيقه حتى تدخل كل دول العالم في علاقات سلمية دائمة ومتبادلة وتضع حدا لحالة الحرب التي دأبت البشرية على معايشتها؟ أليست أكبر مشكلة تعاني منها البشرية اليوم هي كيفية ايجاد عالمية ترتكز في قوامها الوجودي على احترام مبدأ الحق الكوني؟ ماهو دور الفيلسوف الديمقراطي في عصر العولمة؟ ألا يتطابق مع المثقف الكوني الذي يتخلى عن خصوصيته ويتصرف وفق مبادئ كلية محافظا على التنوع كما يرى هيجل؟ فهل يكون المثقف الكوني هو الطرف الفاعل في زمننا الذي يتميز ببروز ثلاثة حتميات تمنع كل مبادرة فردية وهي حتميات السوق الجينوم البشري والصفائح الالكترونية؟ فكيف يواجه هذا المثقف لوحده جحيم العولمة ويعيد للكوني اعتباره في ظل عالمية بديلة دون أن يهمل تنمية الخصوصيات؟ ماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر حتى نحصل على كونية منفتحة على التعدد؟
المراجع:
تزفيتان تودوروف روح الأنوار تعريب حافظ قويعة دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس تونس الطبعة الأولى 2007
جان بودريار السلطة الجهنمية مقال عنف العالمي ترجمة بدر الدين عدروكي مجلة الفكر العربي المعاصر عدد135/134
فريد هاليداي الكونية الجذرية لا العولمة المترددة ترجمة خالد الحروب دار الساقي الطبعة الأولى 2002
صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999
Claude Lévi-Strauss Race et Histoire Ed Gonthier 1961
Edgar Mourin Humanité de l'humanité Ed Seuil 2001
Paul Ricœur Histoire et Vérité Idéa Cérès Edition 1995
[1] جان بودريار السلطة الجهنمية مقال عنف العالمي ترجمة بدر الدين عدروكي مجلة الفكر العربي المعاصر عدد135/134 ص 44
[2] تزفيتان تودوروف روح الأنوار تعريب حافظ قويعة دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس تونس الطبعة الأولى 2007 ص18
[3] تزفيتان تودوروف روح الأنوار تعريب حافظ قويعة دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس تونس الطبعة الأولى 2007 ص20
فريد هاليداي الكونية الجذرية لا العولمة المترددة ترجمة خالد الحروب دار الساقي الطبعة الأولى 2002 ص232[4]
[5] Claude Lévi-Strauss Race et Histoire Ed Gonthier 1961
[6] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999
[7] Paul Ricœur Histoire et Vérité Idéa Cérès Edition 1995 p319
[8] Paul Ricœur Histoire et Vérité Idéa Cérès Edition 1995 p319
[9] تزفيتان تودوروف روح الأنوار تعريب حافظ قويعة دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس تونس الطبعة الأولى 2007 ص110
[10] Edgar Mourin Humanité de l'humanité Ed Seuil 2001 p70-71
[11] تزفيتان تودوروف روح الأنوار تعريب حافظ قويعة دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس تونس الطبعة الأولى 2007 ص112

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كل شيء عن الفلسفة للشعب العلمية باكالوريا تونس 2011 abdelaziz1971 منتدى الباكالوريا 61 05-26-2014 09:18
مراجعة دروس الباكالوريا رياضيات abdelaziz1971 منتدى التعليم الثانوي 9 05-08-2013 03:00
منهجية الكتابة في الامتحان الوطني لمادة الفلسفة باكالوريا abdelaziz1971 منتدى الباكالوريا 0 03-20-2011 19:56
عودة الأسبوع المغلق لتلاميذ 7 و8 و9 أساسي chiko منتدى الأخبار التونسية و العالمية 0 03-12-2011 14:54
الإتحاد الوطني لتلاميذ تونس UNET المنتدى العام 4 02-09-2011 20:27


الساعة الآن 15:59

Get our toolbar!



جميع الحقوق محفوظة 2010-2012 © . Powered by vBulletin®
Copyright ©2010 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات تونيزيـا ميكس