العودة   منتديات تونيزيا ميكس > ** القسم العام ** > المنتدى التعليمي > المنتدى التعليمي > منتدى الباكالوريا
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 04-18-2011, 11:24   رقم المشاركة : 31
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

جدل الثقافة بين الخصوصية والكونية/الثابت والمتغير


(الآلة التي بها التذكية (الذبح الشرعي) ليس يعتبر في صحة التذكية لها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة.. الغاية من الشريعة ليس معرفة الحقيقة بل إيجاد الفضيلة والحث على الخير والنهي عن المنكر) ابن رشد في كتابه فصل المقال وتقرير مابين الشريعة والحكمة من اتصال.
في الفلسفة والفكر، الأسئلة دائماً أهم من الأجوبة. الأسئلة التي تحمل إمكانية أجوبة أخرى، تبقى منطلق كل معرفة، وهي التعبير المكثف لمعاناة الإنسان في بحثه عن الماهية والوجود، والمصير الفردي والجمعي. السؤال المركزي المثار هنا: ماهو موقع ودور الخطاب الثقافي العربي، والمسألة الثقافية بمكوناتها، عناصرها، مسارها، وتعرجاتها ضمن النسق الاجتماعي العربي العام؟ إذ لا ثقافة خارج المجتمع في تحولاته وتبدلاته البنيوية بفعل العوامل والمتغيرات والتطورات الداخلية والخارجية (المحيطة). فهناك دائما علاقة جدلية مترابطة ومتبادلة, يتحدد من خلالها موقع ودور البنية الثقافية وتفاعلها مع المكونات والعوامل الاجتماعية الاخرى. فالحديث عن ازمة الثقافة العربية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن الأزمة البنيوية العميقة للدولة العربية (الحديثة) والواقع العربي العام بمستوياته وأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الذي افرز ثقافته وفكره المأزوم، وهناك تداخل ما بين أزمة الثقافة وثقافة الأزمة، والإشكالية هنا ليس في تأزم الواقع العربي فقط، بل إن البديل أو البدائل المختلفة المقترحة مأزومة أيضا.
ثقافتان متقابلتان، وجذر مشترك
الثقافة العربية بشكل عام هي أسيرة نمطين وشكلين رئيسين (رغم الفارق الشاسع بينهما في اللحظة الراهنة من جهة عمق التأثير والنفوذ وان بدا انهما متعارضان من حيث المنطلقات، الا انهما يلتقيان عند جذر واحد، هو تعطيل وتجميد الابداع والمعرفة والفكر، وشل القدرة على التغير والتجاوز والتجديد. فهناك الثقافة المستمدة عناصرها من اجترار او اعادة انتاج الموروث الثقافي (التقاليدي) الماضوي، التي تتصف بالتلقين والتقليد، هي ثقافة ترى النموذج في استحضار اجابات جاهزة تستمدها من الموروث والتراث الماضي المزدهر التليد، واسقاطها بصورة تعسفية وارادوية لتجيب على اسئلة الحاضر المأزوم والبائس، بغض النظر عن الفاصلة التاريخية والزمنية الممتدة، وظروف هذا الحاضر ومتغيراته وتناقضاته، والعوامل والشروط الموضوعية والذاتية التي تحكم حركته وتطوره.
وفي المقابل هنالك الثقافة التي تنادي بالقطيعة المعرفية «الابستمولوجية» الجذرية مع الماضي، وحمولاته «الموروث والتراث» وتستمد عناصرها من المراكز «الغربية؛ الثقافية العالمية، وتسعى الى فرض واسقاط المفاهيم والنظريات الغريبة «بغض النظر عن مدى علميتها وصحتها» بصورة ارادوية ايضا، ودون ان تأخذ بعين الاعتبار الظروف والمسار المختلفة لتطور البلدان والمجتمعات العربية، وبالتالي ظلت اسيرة العزلة والاغتراب وهامشية التأثير في الواقع الموسوم بالتخلف والامية الفعلية «70 مليون امي عربي» والثقافية والفقر والاستبداد والتبعية.
وفي الحالتين تسود ثقافة التقليد والنقل والمحاكاة، واعادة انتاج التخلف والاغتراب والتبعية، وتحويل التراث الثقافي الى مجرد (فلكلور) ثقافي ينحصر في المناسبات الخطاب الثقافي لايقنع بالسؤال عن ما كان فقط فالتطلع دائما هو لما يجب ان يكون ووصل ما هو حي في القديم والتراث بالحي المتغير «الراهن» وليس احياء الميت لاماتة الحي فينا
غربلة ونقد التراث ضرورة الحاضر
لابديل هنا من امتلاك رؤية تاريخية، وموقفا نقديا، عقلانيا علميا، وموضوعيا لمجمل تراثنا الثقافي والحضاري، فليس الماضي مقدسا ومنزها بكليته، وليس الحاضر كافرا موبوءا برمته ايضا. باستثناء العقيدة الاسلامية والثوابت الدينية قاطعة الدلالة، ليس هناك شيء مقدس، ومتعال، وابدي وثابت، وهو ما يتطلب التفريق بين جوهر وحقيقية الدين السماوي (الثابت) وبين اطروحات الفكر الارضي (المتغير) ايا كان مصدره وشخوصه، حيث هو اجتهادي بشري، ضمن ظروف واوضاع وشروط تاريخية وعيانية محددة وبالتالي قابل للصواب والخطأ والتجاوز.
وهو ما اجمع عليه العديد من كبار العلماء والفقهاء المسلمين القدماء منهم والمعاصرين على حد سواء. وهو ما انعكس في رحابة الاسلام وانفتاحه (في عصره الزاهر) من خلال تعدد القراءات والاجتهادات، وتنوع المذاهب والتفسيرات، وتعدد المدارس الفقهية والفلسفية (علم الكلام). ولم يستنكف العلماء المسلمون الاقدمون من التفاعل مع ثقافات وحضارات وعلوم عصرهم، والعصور التي سبقتهم كالحضارة الاغريقية، الفارسية، الرومانية، والهندية، متمثلين القول المأثور «اطلبوا العلم ولو في الصين» من خلال النقل والترجمة، ثم عبر الاضافة، التجديد، الابتكار، والتجاوز والتي تمثلت في الحضارة العربية الاسلامية التي وصل تأثيرها معظم ارجاء العالم القديم هذا التفاعل والتلاقح والتمازج الحضاري للذات «الأنا» مع المغاير «الاخر» اثمر ذلك الماضي التليد الزاهر قبل ان تسود عصور الانحطاط والظلام والجهل وهيمنة ثقافة القمع والاسبتداد وتصدر فقهاء السلاطين لتعطيل ووأد مقاصد الدين والشريعة السمحة التي هدفها الارتقاء بالانسان و «كرمنا بني ادم» وفقا للاهواء والمصالح الخاصة وهو ما ادى الى قفل باب الاجتهاد «كل الخير في ما سلف وكل الشر في ما خلف» وتحويل قراءة محددة من الفكر الديني «البشري» الذي هو نتاج اوضاع ومعطيات وشروط تاريخية محددة، الى ايقونات مقدسة وبديلا عن النص والاصل» القرآن والثابت من السنة» المقدس الذي هو نص مفتوح قابل «كما كان» لاعادة القراءة والتأويل والقياس ضمن الظروف والشروط والوقائع الجديدة. هناك حاجة ملحة الى احداث قطع وقطيعة معرفية مع تلك الجوانب التي لم تعد تتواءم مع متطلبات وتحديات الحاضر والمستقبل.
الأنا المتشظية
لابد من تجلية العلاقة الملتبسة بين الأنا والاخر، ومع اهمية التميز بينهما اجرائيا او واقعيا،غير انه لايمكن القبول بالعداء والتعارض المبدئي بينهما، من منطلق احالة الأنا الى كتلة هلامية صماء، او جوهر ثابت لايتغير «انا وجدنا اباءنا على ملة، كما يذكر القران الكريم في معرض رده على موقف قريش العدائي من دعوة الاسلام.. وهنا لابد من معاينة ان الأنا ليس شيئا واحدا، هناك دائما وستظل على الدوام اختلافات بل وتناقضات «اجتماعية، اثنية، فكرية، ايديولوجية، سياسية، دينية، مذهبية، قبلية، عشائرية، مناطقية ونفسية» تحكم العلاقة بين الأنا والأنا، وقد باءت كل محاولات المماثلة والتنميط القسري لتلك العلاقة بالفشل، وادت الى اندلاع الفتن والاضطرابات والحروب والنزاعات الاهلية منذ العصور الاولى للاسلام، وحتى عصرنا الحاضر كما هو الحال في العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال، وغيرها من البلدان العربية والاسلامية، وقد اثبتت الحياة والتجارب انه ليس هناك من وسيلة لحل تناقضات «الأنا» المتشظية، الا من خلال القبول والتعايش السلمي بين مكونات «الأنا» عبر ترسيخ فكرة المواطنة الكاملة والمتساوية في الحقوق والواجبات للجميع في ظل دولة مدنية حديثة تستند الى سيادة القانون والدستور وحكم المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية المستقلة والهوية «الأنا» المرتبطة بهذا المعنى ليست كينونة ثابتة مجردة ومطلقة ومنعزلة ومتقوقعة انها متجددة ومتغيرة على الدوام وتغتني باستمرار من خلال جدل وتشابك وتداخل وتفاعل الأنا والأنا، والأنا والاخر، وكما كانت «الأنا» والذات العربية جزءا من مكونات الاخر «الغرب» ابان نهضته، من خلال التفاعل الجدلي مع منجزات الحضارة العربية الاسلامية، يصح بل هي مسألة حياة او موت للذات العربية ان يكون الاخر «الحضارة الغربية تحديدا» احد مكونات الأنا والهوية العربية التي تفيض عن دلالتها الدينية والقومية، لتمنحها البعد الحضاري الكوني والانساني.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 11:25   رقم المشاركة : 32
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

قضية الحداثة وإشكالية الخصوصية


في الخطاب العربي
عبد اللطيف الخمسي
فمن غير المجدي إذن البكاء على الماضي، أو القيام بترتيب علاقة ميكا***ية بين الإسلام والسياسة باسم الحداثة المغدورة (modernité trahie) كما أنه من الضروري استيعاب فكر نقاد الحداثة المعاصرين في عالم الغرب في أفق تأسيس وعي حداثي بشروط وأسباب قيام الحداثة (بمفهوم التعدد) وفهم تجليات اللاحداثة العربية وتمظهراتها السلبية خصوصا في ظل ثقافة العولمة وعودة التيارات السلفية إلى الواجهة السياسية، وهو الأمر الذي يكرر تجليات إخفاق آخر لتجربة "الحداثة العربية"
"فالحداثة تفكر في ذاتها تفكيرا تاريخيا لا تفكيرا أسطوريا" بودريار
للحداثة تاريخ. بل إنها تجربة تاريخية مريرة عرفتها المجتمعات الصاعدة. وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة: هل لكل مجتمع حداثته، وبالتالي هناك فهم خصوصي للحداثة؟ أم أن هاته الأخيرة هي النموذج الغربي أو هي نموذج واحد عرفه الغرب؟ وبالتالي لا مفر من اتباعه؟ إن الفهم الخصوصي للحداثة والتصور النموذجي لها لا يختلفان في العمق لأنهما يفتقدان التاريخية وجدلية الكوني والخاص في حياة الشعوب. يمكن القول إذن بأن إخفاق الحداثة عربيا يعود لسوء الفهم والاستيعاب قبل التطبيق. كما أن التفكير الجدي في الحداثة لا يمكن أن يكون إلا حداثيا، إذ أن منطق الحداثة هو منطق جدلي يخضع لعملية احتوائه القديم وتجاوزه، وقد يكون الخطاب العربي حداثيا لكنه في العمق يحمل بذور التراجع وعوائق الوجود إن هو افتقد للتاريخية. ويمكن القول بأن المرحلة تقتضي ليس رفع شعار الحداثة فقط بل الكشف عن عوائقها، أي لماذا أخفق التحديث العربي؟ وهل المشكل في البنيات القائمة ماديا أم في العقل أم في حضور التراث؟
هنا يكون من الضروري بالنسبة للمثقف العربي الانتقال من نقد الحداثة على الشاكلة الغربية (هابرماس، بودريار، آلان تورين، ليوتار..) إلى الكشف عن عوائق الحداثة وشروط إخفاقها في مجتمع فشل في العقلنة والتنمية في ظل غياب قوى فاعلة، وحضور تاريخ دائري مازال يشرعن ابن خلدون والنظرة الانهيارية للعالم، رغم وجود الرسملة ونزوعات نحو تجاوز التقليد، وحصول تجارب عربية ليبرالية واشتراكية وطنية. الأمر لم يعد يهم "بيانات حول الحداثة" بل نقدا تاريخيا وفلسفيا لتجارب عربية سميت تجارب حداثية. فالحداثة إذن ليست مجرد مفهوم بل هي تحول تاريخي وفكري حصل لبعض الشعوب. بل هي تشكل نمطا من المعرفة والوجود يصعب استيعابه وتطبيقه دون فهم الشروط الذاتية لمجتمعات ما زالت تعيش التخلف والتقليد. ولو كانت الحداثة مجرد مسألة تطبيق لكانت إمكانية تجاوز أطر التبعية والتخلف مسألة سهلة. فالمشروع الحداثي الأصيل هو الذي يحتكم للمعايير الكونية وفق المعطيات الخاصة، لا الاحتكام للخصوصية الضيقة التي لن تزيد إلا من تكريس التقليدية. إن جدلية الكوني والخصوصي عبرت عنها تجارب تاريخية معينة مثل تجربة اليابان أو الصين. فتوفر شروط قيام حداثة رأسمالية في اليابان جعل هذا البلد يقطع مع مرحلة الاستبداد الأسيوي، والأصل في ذلك هو حضور قوي لوطنية تاريخية حملت لواء التنوير واستطاعت أن تفهم علميا إشكالية الحداثة، وقوة "الآخر" وفق الإمكانيات التاريخية للشعب الياباني. كما أن التجربة الصينية هي تجربة إبداع حداثة خاصة لا تطبيق نماذج. لقد كان التنوير يسبق مطلب التغيير، والرغبة في التحرر والعقلنة والتطور تسبق العدوانية اتجاه الآخر. فلقد عبرت "ثورة الميجي" عن بداية الاندماج الياباني الإيجابي في النسق الكوني. وهكذا أسست القوى الحية الوطنية والعقلانية رأسمالية مستقلة غير منفصلة عن التقاليد اليابانية وأخلاق المجتمع الشرقي مما قوض أطروحة "الشرق المتخلف" الاستشراقية. كما أن توفر الصين على شروط ذاتية جعلها تتجاوز عصر الاستبداد وتؤسس نظاما اقتصاديا اشتراكيا متحررا. معتمدة في ذلك على إمكاناتها الخصوصية وقدرة فئاتها المثقفة على رصد الأبعاد الأصيلة في المجتمع الصيني. إن التجربتين (تجربة اليابان، وتجربة الصين) اعتمدتا الطابع الخاص للمجتمع الشرقي، لكن على أرضية التواصل مع الكوني. وتوفر إنتلجنسيا عقلانية، وطبقات صاعدة وحركات قومية متنورة، ودين منفتح يكثف رؤية فلسفية للعالم؛ كل هذا ساهم في تأسيس حداثة نوعية عميقة أصبحت نموذجا يحتذى يبدأ بالوعي التاريخي والنقد العلمي لواقع التخلف وترجمة فلسفة الأصالة، ليس كجواهر وماهيات وأساطير بل كقدرة على بناء علمي للقديم وفق الجديد.
وبالمقارنة يمكن أن نقول بأنه لا وجود لمشروع حداثي متكامل، في الوطن العربي والإسلامي منذ محمد علي باشا إلى حدود الساعة، وكل ما هنالك هو تجربة تحديث مبتورة ساهمت في إثراء التبعية وعودة القبيلة والمكبوت الديني. وطابع هذه التجربة هو غياب شروط ذاتية للتغيير، وهيمنة فئات ونخب كثيرا ما تحن للتقليد رغم رفعها لواء الحداثة، ولقد فهمت أن تجربة الحداثة هي مجرد استلهام للنموذج الغربي. وحتى رد الفعل على الهزيمة والانفتاح والرأسمالية أصبح يتأسس على منظور خصوصي. إن رهان النخب العربية في التحديث، لا يكثف إلا النزوع اللاتاريخي في اتجاه الحفاظ على الوضع القائم أو التوفيق بين الحاضر والماضي وفق منظور لا جدلي، يبسط إشكالية التغيير والتنمية والتنوير، دون أية قدرة على نقد الآليات التي تشرعن التخلف يوما بعد يوم. هناك إذن ضمور فلسفي بخصوص فهم هذه النخب لإشكالية الحداثة. أفلا يمكن الكلام عن مشروع الحداثة إلا من داخل التراث ونعلن عن حداثة خاصة؟ وهنا يقول محمد أركون: "فالحداثة في رأيي مفهوم ينتمي لكل الأزمان. وكل عصر من العصور التاريخية له حداثته وهناك لحظات قوية جدا في التاريخ تمثل لحظات الحداثة. إنها لحظات الذروة. وأنا أعرف الحداثة على الشكل التالي: إنها الموقف المتوتر واليقظ الذي تقفه الروح البشرية أمام الواقع والتاريخ الذي يولده البشر في المجتمع أو على هيئة المجتمع"(*).
وقد حاول المفكر المصري أنور عبد الملك الدفاع عن الخصوصية الشرقية مع أن اشتداد الهيمنة العالمية في ظل الرأسمالية لا يفرض إلا التفكير في كيفية الخروج من التبعية وفق الشروط الكونية المعطاة.
إن إرادة القطع مع التراث بخصوص تجربة الحداثة يعد بعدا من أبعاد التفكير الحداثي. ولكن منطق التقليد، ليس هو وضع الحداثة في إطار نسبي وتاريخي يخص كل شعب على حدة بعيدا عن النموذج الأعلى، بل هو القول بأن الحداثة لا يمكن أن تتأسس إلا من داخل التراث. وذلك مجرد إنتاج وعي خصوصي أزموي ينسى طبيعة النسق الكوني المتميز بقوانين صارمة. وهذا التفكير ذاته غير تنويري وغير حداثي بل يعوق الحداثة وكل إمكانية وعي بعوائقها الذاتية والموضوعية. فبين الخصوصية الضيقة والانفتاح المطلق على الآخر، ينهار كل وعي فلسفي-تاريخي بإشكالية الحداثة باعتبارها في حاجة لتأصيل فعلي عقلاني بعيدا عن أطروحة الأصل المطلق أو التغريب الجارف للذات. والمسألة في جوهرها هي وعي بالزمان والرغبة في تملكه على أساس مقولة التقدم والتغيير، ولكن في المنطق التقليدوي تتداخل الأزمنة وتتلاشى العلية، فيصبح التأخر هو التقدم، والماضي هو الحاضر، والتراث هو الحداثة، وتلك هي دراما خطاب "الخصوصية الشرقية". فهل نقول إذن ما قاله د.حسن حنفي عن الأصالة: "إذ أنها لا تعني السلفية فقط أي العودة إلى الماضي على حساب الحاضر وضد التوجه نحو المستقبل بل تعني تأصيل الحاضر والمستقبل في الجذور التاريخية، لذلك كانت الحركة السلفية عند ابن تيمية حركة تجديد ونقد وتأصيل".
إن فلسفة العصر الحداثية تفترض نقد التراث بشدة واعتبار أن التأصيل الفعلي للحداثة لا يتأسس إلا بالوعي بضرورة القطع الجدلي مع التراث. والحداثة ذاتها لا يمكن التفكير فيها إلا حداثيا، والرجوع لمرجعية التراث بخصوصها يعد وهما خصوصيا يعدم إمكانية فرض فلسفة حداثية بديلة متأصلة لا تتنافى والطموحات الكونية والمرتبطة بالشروط التاريخية الراهنة. إن كل هذا يبين أن الحداثة مسألة معقدة تهم كل المجالات وفشل تحديث الفكر وتجاوز اللامعقول ومنطق التقليد، يمكن اعتبارهما السبب الثاوي خلف إخفاق مشروع الحداثة. كما أن التعامل الاقتصادي مع إشكالية الحداثة، أهمل عناصر أخرى أساسية: هي الثقافة والمخيال الاجتماعي والتراث والدين؛ إذ كيف يمكن ممارسة تجربة حداثية دون إعطاء أهمية لهذه الأبعاد الرمزية؟ ولقد كان الفهم العلموي للحداثة، سواء كانت اشتراكية أو رأسمالية، مجرد تعامل فوضوي مع الواقع يتوهم أنه بمجرد إقرار واقع اقتصادي جديد يمكن تجاوز التقليد والمنغلق، واللاعقل، وإرث التخلف والبؤس الفكري. مما يفرض ضرورة التعامل مع كل المستويات، بخصوص نقاش إشكالية الحداثة، دون تحميل المسؤولية لعامل واحد في التخلف، كما تزعم بعض التصورات العلموية. ولعل التصور الأحادي للتاريخ كان وراء الكثير من الأوهام والمنزلقات الفكرية، بحيث يعتبر الغرب هو النموذج الوحيد الممكن، وأن الحداثة هي اتباع نفس تجربة الآخر، باسم التاريخانية أو إيمان مطلق بحتمية المراحل التي مر بها الغرب الرأسمالي.
إن الحداثة ليست نموذجا واحدا، كما أنها تنتج جدليا داخل الشروط التي يعرفها المجتمع الراغب في التنمية. والقول بمرجعية الغرب المطلقة في التنمية والتغيير أي في الحداثة هو السبب في فشل مشروع الحداثة سواء كان رأسماليا أو اشتراكيا في الوطن العربي. إن مقولة التاريخ الخطي أو المنمذج المؤسس على نظرة أحادية الجانب، وإن احتملت الجدل (فيكو، كوندورسيه، هيجل، كومت، ماركس..) تكثف إشكالا ينقلنا من التصور الفلسفي-التنويري لمقولة التقدم إلى التوظيف الإيديولوجي لها، وفق رؤية تراتبية للمجتمعات والشعوب والثقافات، من أجل سد الطريق أمام الشعوب المتخلفة في اختيار مصيرها الثقافي والسياسي والاقتصادي بعيدا عن الهيمنة. وحتى الانشداد للخصوصية من طرف النخب العربية التي قادت عملية التنمية، لم يؤد لتحصين "الذات" من الاغتراب والاقتلاع، بل إلى مزيد من اللاعقلانية والتخلف وغياب الديموقراطية، وسلطة الفرد والقبيلة، دون تغيير للبنيات القائمة وهذا هو عمق كل خطاب يقول بحداثة خصوصية. والفكر الحضاري الجديد يحاول نسج خطاب حول إمكانية تجاوز التردي الحاصل، باسم ارتباط بالشروط التي أسست الوجود العربي-الإسلامي في العصر الوسيط. وهذه محاولة إرجاع الواقع للمثال وفرض أطروحة عودة الحضارات في ظل عولمة لا ترحم التليد ولا تشرعن المشاريع الطوباوية وخصوصا المؤسسة على الماضي. كما لا يمكن نسيان أن اعتماد أطروحة ماكس فيبر (Max Weber): "الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية" من أجل دعم نظرة خصوصية للحداثة ترجع التطور الاقتصادي للعامل الديني، لم يقد بالفعل إلا إلى التبرير الإيديولوجي للخصوصية الضيقة، وهو موقف لا حداثي يغفل التمايز القائم بين تجربة الغرب المسيحي والشرق الإسلامي والكونفشيوسي. والسؤال الفيبري (نسبة إلى فيبر)، والذي يجب تقييمه، بخصوص واقعنا هو: هل ضمور العقلانية، بل غيابها، هو سبب ضمور الحضارة العربية-الإسلامية؟ وهو إشكال يهم التنوير ونقد الاستشراق والتعامل بحذر مع سوسيولوجيا فيبر. إن الحداثة المطلوبة هي الربط العضوي بين التنوير والتغيير، أو قل بين التغيير الثقافي والاقتصادي والسياسي على قاعدة العقلنة والديموقراطية والتعامل العلمي مع الثقافة المتأصلة في المخيال الاجتماعي، مما يطرح دائما التساؤل حول الفئات المؤهلة لذلك. فلا حداثة فعلية دون قوى عقلانية-ديموقراطية منفتحة على الكوني، لها الرغبة في شرعنة الأنوار وتجاوز التقليد وفق معطيات الثقافة الوطنية، بعيدا عن التماهي مع الماضي، ولا تماهي مع الحاضر الذي يمثله الآخر، ولا التوفيق بينهما. وإلا سيبقى الدفاع عن فيبرية مقلوبة، لصالح الخصوصية، هو إطار الثقافة المهيمنة على نموذج المثقف المدافع عن حداثة أصيلة من داخل التراث والمعطى المأزوم. إننا لسنا مجبرين على اتباع نفس الطريق الذي اتبعه الآخر، وإلا سنكون مشرعنين علاقة التابع والمتبوع التي حددها ابن خلدون، ومؤكدين الفهم الاستشراقي لعالم الشرق.
إن الحداثة هي تجربة ليست ضد التقاليد والقيم المتوارثة بل هي ضد منطق التقليد. وتقليد أو اتباع الآخر لا يمت للحداثة في شيء، بل يترجم عجز مجتمعنا عن فهم أسباب التخلف. إن اتباع طريق الآخر بشكل عفوي يكثف قدرية تاريخية نقحم فيها دون وعي تاريخي. والخصوصية الضيقة التي ترفض الآخر، ليس لأجل بناء حداثة فعلية وفق المعايير الكونية، لا تدافع إلا عن الاستبداد الشرقي ومجتمع الغرابة. فالآخر حاضر فينا لكن إبداع تجربة حداثية نوعية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الجدل بين الخاص والكوني. وأزمتنا الشاملة ومرور مرحلة طويلة من تاريخ هزائمي، يفرضان الالتزام أكثر بالمعارك الهامة، من تنوير وديموقراطية وبناء هوية متكاملة دون الانحسار في الماضوية ووهم الأصالة المطلقة. وتبقى عملية نقد الحداثة الغربية متلازمة مع نقد التحديث العربي على أرضية التاريخية وفهم الترابط بين الأنا والآخر، والذي لا يمكن فكه بالانحياز للغرب بشكل عفوي أو البحث عن حداثة تبريرية من داخل التراث. مشروع الحداثة إذن في جوهره عقلاني، مؤسس على النقدية وتفكيك منظومة التقليد دون عدمية قيمية أو فلسفية. وليست التجربة الحداثية مشروطة ميكا***يا بالحفاظ على الهوية والتقاليد و"الأصيل" كما يرى المفكر برهان غليون حيث يقول: "وليس من غايات الدولة التحديثية الأصيلة القضاء على التقاليد حتى لو كانت الحداثة مبرر وجودها. ولم تنشأ الدولة التحديثية في أي مكان ضد التقاليد أو للإطاحة بها ولكنها ولدت بالعكس بحافز الخوف على الهوية والثقافة والذاتية الوطنية أو المحلية واقتناء الوسائل والأدوات الكفيلة بالدفاع عنها".
وإذا كانت علاقة القيم بالحداثة تتخذ طابعا إشكاليا ومعقدا، فإن الهوية وفق المنطق الحداثي هي عملية إنجاز وتجاوز وبناء، إذ أن تحقيق الحداثة هو تحقيق للهوية الفعلية. وبالتالي لن تكون الهوية المعطاة قادرة على إنتاج وعي ثقافي-حداثي. إذ لن تكون إلا الإطار المحدد لتاريخ تراجعي-هزائمي، مما يؤكد ضرورة بناء الهوية حداثيا، وتلك هي الحداثة على المستوى الفكري، في أفق تنوير العقل. وهنا لا حداثة دون عقلانية نقدية لا تهادن التراثوي. كما أنه لا إمكانية لتسييد المنطق الحديث دون ديموقراطية وتغيير اجتماعي لبنى مؤسطرة ومصنمة. وإذا كنا نعاني التأخر التاريخي، وهي أطروحة أثارت الكثير من الجدال، فذلك يعني أن "الأنا" العربية نفسها حملت بذور التأخر والتراجع بحكم تاريخ تميز بالدائرية وافتقد شروط ميلاد رأسمالية صاعدة، ضمن مجال تميز بسيادة الريع، وهيمنة الإقطاع وسلطة الفرد، واعتماد التنظيم العسكري كأساس للإمبراطورية بدل الإصلاح وتنظيم الزراعة وتطوير الإنتاج وخوض معركة التجارة، وهو ما حصل في العالم الغربي. فالحداثة إذن هي تحول جذري في الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وليس مجرد اقتباس. والإيمان بمقولة التقدم مسألة تنويرية أساسية لكنه يشترط تجاوز فهم الآخر للتقدم كارتباط بنموذج واحد. وبالتالي يمكن القول بأن التقدم مسألة نسبية كما أن التأخر معطى نسبي. فليس هناك نموذج واحد للحداثة لكن شرط الإيمان بحتمية إقرار القيم الكونية، بشكل فعلي، من قبيل العقل، الديمقراطية والعلمانية. والخصوصية الضيقة يمكن أن تجعل التأخر تقدما والتقدم تأخرا. فيختلط تاريخ الحداثة بميتافيزيقا الأصل. فلا حداثة إذن دون تبلور إنتلجنسيا حداثية، ونمط من التفكير العلمي لا يومن بالنماذج، ووجود قوى اجتماعية لها الرغبة في التحديث، على أرضية تصور حداثي. إنها مرحلة قلق. ونحن لا نعيش أزمة حداثة بل فترة تجدد القديم والمتآكل والميثي، ولا نحيا كذلك صدمة حداثة فقط، بتعبير أدونيس، بل هيمنة التراث في كل المجالات والممارسات وهذا يهدر إمكانية تبلور العقل الحداثي. مما يفرض الكلام عن ضرورة خوض معركة تنوير حقيقي كشرط أولي لكل حداثة فكرية واجتماعية زمن هيمنة النموذج الواحد. إن إشكالية الحداثة في نظرنا تعد إشكالية مركزية، وهي عقدة ترابط قضايا جوهرية مثل: علاقة القديم بالحديث، والأصالة والديموقراطية، والتغيير.
وهنا لا تصبح الحداثة مجرد شعار بل مشروعا معقدا يتطلب في أول الأمر: نقد أوهام الحداثة الليبرالية، وإيديولوجيا خطاب حداثي تبسيطي، يقطع مع جوهر الحداثة ذاتها. وفلسفة الحداثة في مجتمعنا عليها أن تنصت للإشكاليات المطروحة، والعالقة في الغالب بالزمان الماضي والتراث ومنطق التقليد المهيمن. وقد يحاول بعض المفكرين نقد الحداثة باسم طابعها البورجوازي، وهو في ذلك يتجاهل معنى تجربة الحداثة التي أسست الفرد والمواطن، وحرية العقل. ولقد كانت الحداثة تحمل في جوفها العلمنة والديموقراطية والفردانية والمجتمع المدني والعقل كأساس لكل هذا. إنها ثورة العقل والمجتمع القادر على ممارسة التفكير. وبالتالي لا معنى للقول بإمكانية تجاوز قيم الحداثة المعاصرة العقلانية. وقد يرفع البعض المعنى اللاعقلاني لحداثة عصر العولمة وهو في ذلك لا يدفع إلا في اتجاه تجدد هيمنة النموذج الليبرالي لا غير. كما أن هوس اعتماد فكر ما بعد الحداثة قد يساهم في تقويض المنطق الحداثي، في مجتمع ما زال يعيش طور ما قبل-الحداثة أو مرحلة التحديث المشوه. هذا التوجه قد لا يختلف في النتائج عن ما يؤدي إليه المدافع عن الإسلام، باسم نهاية الحداثة، مع أنه عاجز عن طرح سؤال جوهري هو: لماذا لم يقد الإسلام، وهو الدين الذي أسس حضارة عظيمة، إلى الحداثة والعقلانية بما هي الرأسمالية؟ وقد نحاول نقد تجربة التحديث، وتحميل المسؤولية لتوجه على حساب آخر، وبالتالي القول بأن الإسلام ليس هو المسؤول عن الأزمة القائمة، بل طبيعة التعامل مع النموذج الحداثي داخل الفكر والمجتمع العربيين، وما الإسلام إلا ذلك الدين القادر على المساهمة وبفعالية في تجربة حداثية تكون آخذة بعين الاعتبار لدور الدين والثقافة.
وهنا تندرج أطروحة المفكر برهان غليون حول الإسلام والحداثة. إن الحداثة بلغة جان بودريار صيرورة طويلة ومعقدة، لها زمانها الخاص. وبالتالي يمكن القول بأن كل تجربة حداثية تكون مسبوقة بالوعي الحداثي. إنه تحول على صعيد الوعي، وحصول قلق تاريخي وإبستمولوجي يترجم قلق فئات اجتماعية تطمح للتحول والتغيير. فالحداثة إذن هي ضرورة وإمكانية واقعية وليست طوبي. كما أنها لا تتأسس على نظرية حرق المراحل. فهي إنجاز وليست نماذج للاستهلاك والإسقاط، كما حصل في مجتمعنا. وبالفعل، فلقد فشلت الحداثة في مجتمعنا لأنها كانت مسألة نماذج: إما الكلام عن نموذج حداثي باسم خصوصية مشرقية (المفكر أنور عبد الملك) أو نموذج اشتراكي-وطني، أو نموذج تنموي رأسمالي، وكذلك النموذج الذي يراهن على تنمية إسلامية. إنها حداثة مفقودة الجذور.
إن كل منظومة حداثية هي منظومة جدل سلبي، بالمعنى الذي استعمله الفيلسوف هوربرت ماركوز. إنه جدل مؤسس على أرضية التجاوز لا النفي المطلق. كما أن الإيمان بتمأسس التاريخ على الانفصال والاتصال هو إيمان حداثي، ما زال غائبا في مجتمعنا المحكوم بالدائرية. ولا بد من الإشارة إلى أن أوهام "الحداثة العربية" هي: أولا: اعتبار أن النخبة هي الممتلكة لسر الحداثة والمنطق العلمي. ثانيا: اعتبار أن النموذج الوحيد الممكن حداثيا هو التنمية بمعناها الليبرالي الفج. والنتيجة كانت هي العجز عن تجاوز الماضي والمعطى. ثالثا: اعتبار أن الفكر الوضعي هو الفكر الضروري للحداثة، ولكن سرعان ما عاد التقليد والمنغلق، وتحول "الفيلسوف العربي الوضعي" إلى المدافع عن ميتافيزيقا الأصالة. وهذا التعامل السلبي مع "الآخر" وفكره كان هو السر وراء تراجع المثقف وارتمائه في أحضان الإيديولوجيات الماضوية. فوهم الحداثة هنا هو: اعتماد الآخر الليبرالي في لحظة كان المفكر الغربي يجاهد من أجل تجاوز الوضعية ونزعات اللاعقل وتحول الإنسانية نحو اللاإنسانية، في أفق إعادة الاعتبار للعقل النقدي والاختلاف، وبناء ديموقراطية فعلية. إنه رفض مبدئي للجاهزية العالقة بمنطق التفكير في المجتمع العربي. وبالفعل، فالحداثة، على المستوى الفكري، بعد تشريع سلطة العقل، هي بناء وانبناء، وهي ليست مشروطة بالماضي ولا بزمانه. إذ هي موقف نقدي منه، وكذا من عملية استيراد النماذج من "الآخر". وإلا ستكون النتيجة مشروعا متكاملا متناسقا متجادلا مع التاريخ والعلوم. ومجتمعنا المعاصر لم يعرف الحداثة حتى في أبسط أشكالها الليبرالية. فلا الفرد (Individu) تمأسس كذات بعيدا عن الجماعة والقبيلة، ولا الطبيعة (Nature) تم الإنصات إليها ككتاب مفتوح (غاليلي) والرهان على عقلنة التعامل معها كما أكد رونيه ديكارت. بل مورس الرفض للعقل وللعلم الطبيعي، وسلطة الإنسان في السياسة، من طرف الفكر الباطني المتجدد. إن الوعي الحداثي ليس سوى الحاجة للمعرفة والتنظيم والعقلنة والتغيير بعيدا عن سلطة المغلق والتقليد أو هيمنة النماذج الجاهزة. والقطيعة مع الموروث والبائد والمنغلق هي جزء من الصيرورة التاريخية لكل مجتمع يمارس التجاوز.
والوطن العربي منذ المنطلق لم يعرف قطائع (ruptures) متجذرة لا على صعيد الفكر ولا على صعيد البنية الاجتماعية. وبقي الماضي يمارس مفعوله، بقوة. والعتيق يأخذ مكان الحديث. وهنا يكون دور المثقف الحداثي مرتبطا بالدفاع عن قيم العصر بشكل إبداعي، وتحديد الأولويات، بعيدا عن أطروحات من قبيل تجديد الماضي والتراث. وكل ممارسة نظرية من داخل التراث أو باسمه، فهي لا تمثل إلا إعاقة الفهم للحداثة نفسها كإشكالية (problématique) وكقلق (angoisse) وكإرادة في المعرفة النوعية. فما يخصنا إذن هو الوعي الحداثي، لا نماذج الحداثة ولا التقنية التي تتحول في مجتمعنا إلى مجالات لشرعنة التقليد والمنغلق، خصوصا عندما يغيب التأطير الإبستمولوجي لها. وهذا يطرح إشكال التفكير في عوائق النظر العقلاني في المجتمع العربي. وعوض الإكثار من نقد "لا عقلانية الآخر" يكون من الضروري نقد الذات الغائبة عن مجال المعرفة والفعل، بعيدا عن إسقاط النظرة الأخلاقية على العالم واتهام العقل الحداثي الغربي بالانحلال والإلحاد والعرقية، باسم الخصوصية وضرورة المقدس. فالمسألة تؤكد جهلا بجوهر الحداثة وبالتالي لن يستطيع المثقف الخصوصي الكشف عن مفارقاتها. إن نقد الحداثة الغربية هي ضرورة فلسفية-إبستمولوجية وليست دينية-أخلاقية. إنها مسألة خطاب عربي (ثقافي أو سياسي) مازال يبشر بحداثة سطحية أو يرفض الآخر بالمطلق. يجب التمييز بين الأسس التي صنعت حداثة الآخر والآليات التي جعلت منه قوة هيمنية. وللعقل كونيته في هذا المجال، كما للمجتمع المدني دوره، وهنا يمكن للحوار مع الغرب أن يكون داخليا تفكيكيا وليس مجرد اتهام أو دعوة للبحث عن حداثة خصوصية، قد لا تكون في بعض الخطابات إلا التقليد ودعوة للانتظام داخله باسم الأصالة والهوية. فالحداثة إذن مشروع يتطلب البناء والتقعيد الشامل وفق أسس فلسفية إبداعية ووفق نظرة جديدة للكون والحياة والإنسان، بل للاقتصاد والمجتمع والثقافة، بعيدا عن التبشير والأدلجة، لأن ذلك لا يخدم إلا قوى التقليد. ويمكن القول بأن المثقف العربي ما زال يتعامل بالانتقائية والنظرة التجزيئية والفكر التجريبي، وحتى حضور ديكارت وكانط وفيبر داخل خطابه لم يكن إلا لشرعنة إيديولوجيا محددة لا تكريس المنظور العقلاني والتأصيل الفلسفي العميق لفكر الحداثة. إن بناء الحداثة وفكر الحداثة كانا سابقين لظهور مفهوم الحداثة. والأصل كان هو تأسيس سلطة اللوغوس داخل الدين والفلسفة والسياسة والاقتصاد وفق ترابط وحركية اجتماعية لا تذعن للتراجع أو لقوى النكوص. ولكن في مجتمعنا يتم التبشير بمفهوم الحداثة وتبرير وجوده واقعيا، دون أدنى بناء لنظرية متأصلة حول الحداثة، وغالبا ما يطرح المفهوم لمناقشة قضايا من قبيل الدين والتراث، حتى أصبحت ثنائية الحداثة/التراث أو الحداثة/الإسلام هي الناظمة لأغلب الإنتاجات الفكرية العربية والإسلامية.
إن النقد التاريخي الفعلي لمسار التجربة العربية-الإسلامية على مر التاريخ هو السبيل لإبراز معوقات الحداثة، وهنا نجد بعض الباحثين العرب يحاولون تفسير غياب حداثة عربية بهيمنة العوامل الخارجية، وهو الأمر الذي يتضح من كلام المفكر محمد عابد الجابري حيث يقول، بعد طرحه لأسباب ظهور الحداثة في الغرب: "أما بالنسبة للعالم العربي والإسلامي فلقد كان العامل الخارجي من أبرز الأسباب التي كانت وراء تقهقر الأوضاع فيه، أو على الأقل جمودها، ضمن نموذج يكرر نفسه باستمرار، ويتمثل هذا العامل الخارجي في الغزو المباشر والمدمر الذي تعرضت له المنطقة العربية انطلاقا من هولاكو إلى الحروب الصليبية إلى التوسع الأوروبي الحديث". صحيح أن العوامل الخارجية لها دور تدمير الطموحات العربية والإسلامية بخصوص تحقيق حداثة فكرية-سياسية-اقتصادية. لكن، يمكن القول بأن التاريخ العربي، على المستوى البنيوي حمل بذور اللاحداثة. فالتدمير كان من الداخل وليس فقط من الخارج. فهيمنة الفكر الباطني والغيبي، وسيطرة الدولة السلطانية بشكل مطلق، وانطباق الدين الإسلامي على السياسة، وغياب فئات اجتماعية صاعدة قادرة على خوض غمار التجارة والتبادل والعلم كل هذا جعل البنية الحضارية العربية-الإسلامية مليئة بالعوائق وبالتالي غياب أية طفرة وانتقال، ولم يستفق الإنسان العربي إلا بصدمة الآخر. إن التفكير في العوائق الداخلية هو السبيل للبرهنة على أن القوى التي هيمنت تاريخيا لم تقد إلى الحداثة، كما أن القوى السائدة ما زالت تنتج التقليد. فعندما كان الآخر ينجز ثوراته، كنا نحن نستلذ التكرار والتسلط والتقليد، وحتى تجربة محمد علي باشا وعبد الناصر كانت محكومة بالعوائق الداخلية، وكلما أغفلنا هاته الأخيرة كلما أسسنا لنظرة لا تاريخية لمجتمعاتنا، ولن نؤسس بالتالي إلا لنظرة قومية أو حضارية ترى الآخر وتغفل الذات: إمكانياتها وحدودها. وبالتالي تم الركون لشعار الخصوصية والأصالة.
وهنا نجد الدكتور حسن حنفي يرى بأن الإسلام مليء بمقومات التقدم.. لكن المشكل في نظره بخصوص الحداثة يتمثل في الوعي القومي الذي تعرض لاهتزازات وإحباطات.. وليس في الإسلام. وهذه النظرة الأصالوية سرعان ما تصطدم بواقع الأمر، لتعبر عن ما يسمى بالمشروع الإسلامي أو المشروع الحضاري الإسلامي المستقبلي. فهناك فرق بين القول بأن الإسلام يدعم تجربة الحداثة وبين التنظير لحداثة من داخل النص الإسلامي.
فالمسألة الأولى قد تدفع نحو التنوير، على الأقل، والمسألة الثانية لن تقود إلا للتبرير للطرح التراثوي إما باسم التقدم، أو التغيير أو العقلنة. إن النص الديني نص متعدد الدلالة، وبالتالي فهو نص مؤول، وليس نظرية في الحداثة وفلسفاتها سواء كانت ليبرالية أو اشتراكية. إنه نتاج تأويل. والفكر الحداثي هو إطار هذا التأويل، وإذا كان الخطاب الذي يقدمه الدكتور حسن حنفي يحاول إعطاء الإسلام بعده التاريخي، والتنويري فهو يغفل أن إسهام الإسلام في التجربة الحداثية لن يكون إلا ثقافيا وليس من خلال المرجعية والسند المعرفي. إن الإسلام هو جزء من البنية العامة للتخلف، وكل تأويل إسقاطي له لا يقود إلا للتراجع عن التنوير الديني فبالأحرى الفلسفي. لا حداثة إذن دون تنوير حقيقي، وهو الأمر الذي يتطلب تملك الفكر المعاصر بشكل نقدي، من أجل ضبط العلاقة مع التراث والثقافة السائدة، دون الانجرار لا إلى الآخر بشكل مطلق ولا إلى الخصوصية المطلقة. والتراث بالطبع لا يمكن أن يكون هو عنوان الحداثة المنشودة في الثقافة والسياسة والاقتصاد. كما أن الاندفاع نحو حداثة الآخر دون حس نقدي هو موقف لا حداثي، يتأسس على الانبهار، لا استقلالية الذات. وهو ما حصل في عصر النهضة حيث أجبر المجتمع العربي على الدخول إلى عالم الحداثة، دون وعي حداثي، إنه قبول الاعتراف العفوي بالآخر، وبداية انشطار الذات العربية-والإسلامية في التاريخ،
هكذا فرض علينا تاريخ الآخر بشكل مطلق: أشكال التنظيم السياسي والإداري، أنماط التعليم، السلوك، القوانين.. وهو الأمر الذي ألهم رواد عصر النهضة وأسس منظورهم الإيديولوجي للعالم. وهاهو د.طه حسين يقول في كتابه الشهير مستقبل الثقافة في مصر متسائلا بحدة المثقف الليبرالي-التنويري: "فما هو هذا الشرق الروحي؟ إن الشرق الحقيقي ليس القريب منا دون شك؟ إنه الشرق الذي كان منبع العقل الذي يزدهي ويزدهر في أوروبا، التي أخذت بأسباب العقل". والحق أن المثقف الليبرالي النهضوي كان أكثر نقدا وتاريخية ورغبة في التغيير من المثقف العربي المعاصر، الذي هيمنت عليه ثنائية تراث/حداثة، ولكن الرغبة في اللحاق بالآخر في غياب الشروط الذاتية لذلك، دفعت بالفكر التنويري العربي ليتجه، من بعد نحو التراث وأسئلة التقليد. وزادت الثورة الإيرانية من نحت هذا التوجه. لكن هذه التجربة هل كانت بالفعل تحولا تاريخيا وحضاريا بخصوص ماهية الإسلام والشرق؟ إنها بالفعل لم تكن تجربة حداثية بل زادت من تكثيف العوائق الإيديولوجية لنمو الفكر الحداثي. وعلاقة إيران بالآخر لم تكن إلا رفضا، لا تغييرا جذريا للعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أفق حداثة شاملة، وإن حاول البعض تبرير تجربة إيران باسم الحداثة الخصوصية، وأن الإسلام يقود نحو العلمنة. هناك مخاض يعرفه المجتمع العربي والإسلامي ولكنه يوظف في الغالب في اتجاه أدلجة التراجع والهيمنة والرفض المطلق للآخر، أو التماهي معه بشكل لا عقلاني. يجب إذن نقد التوظيف الإيديولوجي لمفهومي الأصالة والخصوصية، وإعادة بناء أطروحات الحداثة، وكما يقول ألان تورين: "إن إعادة تحديد معنى الحداثة ليس مفيدا للمجتمعات الحديثة أو السائرة في طريق التحديث وحسب. إنه مفيد أيضا للمثقفين بما يشكل وسيلة لا غنى عنها من أجل التخلص من فقدان المعنى الذي يدفعهم إلى عدم رؤية أي شيء غير الرقابة والقمع في الحضارة التقانية وإلى إنكار وجود أية قوى فاعلة في عالم لا يزال يزخر، رغم ذلك، بالمشاكل والتجديدات وبالمشاريع والاعتراضات".
يجب معرفة كيف يمكن توظيف الفلسفات النقدية الغربية في مجتمع غربي أو إسلامي يفتقد لأبسط مقومات الحداثة. وهنا نلاحظ اتجاهات عربية تسارع إلى الترويج لما يسمى بفكر ما بعد-الحداثة، عاصفة بالعقل ومفهوم الذات، والذات المفكرة، وفي ذلك تبرير إيديولوجي لمجتمع تقليدي لم يؤسس بعد حداثته، فبالأحرى الاندماج في فكر ما بعد-الحداثة والمؤسس أصلا على نقد العقل والذات المفكرة والفرد، والسلطة المعرفية والتقنية، وهي أمور لم تتحقق بعد في مجتمعنا. وما طموح المثقف الحداثي إلا إلى تأسيس عقلانية نقدية، فاعلة، مستقلة، قبل أن يتكلم عن سقوط الذات المفكرة وانهيار الحقيقة، وذوبان الفرد. إن التعامل التاريخي مع منظومة الآخر الثقافية هي السبيل لتحقيب فكره وفق تحولاته البنيوية منذ القرن الخامس عشر إلى حدود الساعة: لحظة تبلور نظريات هيمنية وأشد تمركزا، إضافة إلى تبنين الفكر النقدي الغربي في أشكال عقلانية. ولكن عملية التحديث أو الحداثة المشوهة في مجتمعنا بقيت مطبوعة بالدائرية والهشاشة، حتى على صعيد الفكر، فكانت الإيديولوجيا مهيمنة على الفلسفة والعلم، والمغامرة تستبعد التخطيط والعقلنة، مما زاد في تغييب العقل. فكان السؤال النهضوي حول أسباب تقدم الغرب وتخلف المسلمين هو الأطروحة المركزية إلى حد الساعة والجواب دائما هو إما الأصالة أو الاندماج المطلق في الآخر أو التوفيق بينهما. لنقل أن تجربة الحداثة هي رهان النخب المتنورة، والمثقفين، وذلك لا يتأتى إلا بالربط بين تثوير الفكر وتغيير الواقع. وكل فكر يقدس التراث أو يقدس الآخر لا يقود إلا للإخفاق: إخفاق في فهم تاريخ الحداثة قبل أن يكون على مستوى عدم القدرة على الفعل التاريخي.
إن مجتمعا ما قبل-حداثي يتطلب نقد كل أشكال اللامعقول، بشكل إبداعي بدل الوقوف فقط عند نقد الذات والمجتمع الجماهيري، وسلطة المعرفة، وثقافة الموضة، والعقل الأدواتي، إذ هي قضايا تأسس النظر إليها بعمق في خطاب نقاد الحداثة منذ مدرسة فرانكفورت. لكن مجتمعنا هو مجتمع الصراع من أجل إحلال العقل ونقله من الغياب إلى الحضور. وهي مهمة التنوير الفعلي. نحن إذن لا نعيش حداثة، وبالتالي فتقعيد التفسير العلمي للواقع، في ارتباط بمقولة التغيير يعد مسألة مركزية، لا غنى عنها. كما أن نقد مفارقات الحداثة، في ثوبها الأمبريالي، والاستهلاكي يعد عنوان كل مثقف حداثي، واعي بضرورة عدم السقوط في فخ خطاب العولمة وأطروحات ما بعد الحداثة، كأننا نعيش عصر المجتمع ما بعد الصناعي الذي نظر له ماركوز، وفوكو، وتورين وإدغار موران نظرة نقدية، لا غنى عن استلهامها في ظل شروط مجتمعاتنا التابعة والمتخلفة. فكيف لمجتمع عربي أن يستوعب خطاب فلسفة موت الإنسان (فوكو، شتروس..) ويطالب بالإنسان الاستهلاكي-الحيواني (كوجيف) مع أنه ما زال مؤسس البنى على أرضية القبيلة والعرق واقتصاد الكفاف والحضور المطلق للدولة، وازدواجية التفكير؟ إن تأصيل الحداثة هو القدرة على إنجازها، كأطروحات كونية على قاعدة الخاص والمعطى، إن عملية إنجازها وإبداعها وفق مسلمات جديدة. وهنا لا يكون الفكر الحداثي إلا القدرة على تفكيك متواصل لكل المنظومات سواء المندرجة تحت شعار الكونية أو الخصوصية. فالحداثة هي واقع وتأصيلها يتطلب استيعابها جيدا، وفق منطق تاريخي وإبستمولوجي، حتى لا يصبح مطلب التأصيل مجرد انزياح نحو الماضي أو دعوة لحداثة من داخل التراث وهو الأمر الذي قد يقود لفصام تاريخي لا غير، ومن دون بناء منظور تعددي- نقدي لكل التجارب الحداثية. ومن الصعب على الخطاب الخصوصي أن يلتمس ماهية الحداثة من دون القطع مع نزعة التمركز الحضاري المشرقي.
وفي هذا السياق يندرج تصور المفكر منير شفيق، الذي يحاول جاهدا القيام بجرد نقدي للحداثة الغربية وتناول أغلب تياراتها سواء كانت أنوارية، ماركسية، أو ليبرالية معاصرة. ويوجه انتقادات لاذعة للمفكر جورج طرابشي، بخصوص مقدمته لكتاب: مبدأ السيادة لجيرار دميريت، حيث يعتبر أن الإسلام كان سباقا لمبدإ السيادة على أرضية العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. ولعل هذا التصور يهدر أي فهم أو طرح عميق لإشكالية الحداثة السياسية، وخصوصا أن الباحث يعمل على وضع خط فاصل بين كل التيارات الحداثية الغربية والعربية وبين مرجعيته الحضارية أو "حداثته الخصوصية". ويمكن القول بأن إرادة شفيق نقض الحداثة المعاصرة لا تتوافق مع دعوته لنقد المرجعية الإسلامية والتاريخ العربي والإسلامي والتراث. وأساس كل هذا هو افتقاده ماهية الحداثة، خصوصا عندما تفهم هاته الأخيرة من الزاوية العقائدية. إن "الأنا الحضارية" في الخطاب الخصوصي الذي يصوغه الكاتب، ليست سوى ذلك الآخر المهيمن الذي يسكن المنطق التقليدوي، وهو الأمر الذي يؤدي إلى العجز عن تقديم جواب على سؤال مركزي هو: لماذا تقدم الغرب وانهار العالم الإسلامي رغم اعتماده منذ الأصل على المرجعية الإسلامية والتراث والأصالة؟ أليست الخصوصية التي يدعو لها شفيق هي التي سادت طوال التاريخ العربي الإسلامي وحتى قبل أن يظهر الغرب كقوة وكمفهوم؟ من الصعب إذن نقد الحداثة دون إدراك ماهيتها، ومن السهل الدعوة لحداثة خصوصية دون استشراف المستقبل. والسؤال الأساسي الذي يفرض نفسه هو: كيف تكثف التيارات الخصوصية عملية تمثل عكسي للحداثة، وتتكيف وفق منطق رد الفعل مع مسارات العصر، ولو عبر لغة الدين والمقدس، من دون أن يقود ذلك إلى نزوع بروتستانتي فعلي؟
إن المنطق الحداثي ذاته يتطلب تجاوز المفهوم النموذجي للحداثة والمرتبط أصلا بفلسفات غربية إثنو-مركزية. ومن الواضح أن مقاربات الكثير من المفكرين العرب أمثال عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وصادق جلال العظم وبرهان غليون ومطاع صفدي ومحمد سبيلا..إلخ برهنت على أن الحداثة تشكل بحق إشكالية مركزية لصيقة بتخلفنا التاريخي. وهذا يفرض تناول هذه القضية من زاوية الإسهامات العلمية المعاصرة، من خلال تلمس مباحثها كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم النفس التاريخي، في أفق تقعيد تصور حول قضايا تهم الحداثة مثل: المقدس ونظام القيم وتداخل الدين بالسياسة ولا شعور الشعوب. وبتكاثف مناهج ومرجعيات عدة يمكن لتحليل تركيبي-جدلي أن يتبلور بعيدا عن النمذجة، أي اعتماد إسقاطي لنماذج تحليلية للحداثة ولتكن لدى فيبر، أو ماركس أو هابرماس أو تورين. فالوعي الحداثي بالحداثة والإدراك التنويري لقضايا ملتصقة بها، يمثلان دعامة لكل فكر حداثي عربي ينشد البرهنة على كونيته من داخل تاريخه الخاص وليس من خلال أوهام الخصوصية العمياء والحداثوية الجوفاء.
يجمع الفكر العربي المعاصر إذن على أهمية نقد الحداثة وإعادة بنائها وفق الشروط التاريخية المعطاة، وفي هذا السياق نلاحظ نقد المفكر محمد عابد الجابري للتصور البسيط للحداثة (سواء كان باسم الخصوصية أو الكونية) حيث يقول: "الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها. الحداثة رسالة ونزوع من أجل التحديث، تحديث الذهنية". وهذا لا يعني سوى الوعي بصعوبة الكلام عن الحداثة دون التطرق لمجالات معقدة كالتراث وقضية التغيير الثقافي والإيمان بنسبية كل تجربة حداثية محددة. فإرادة القطع مع التصور الإيديولوجي للحداثة تمثل هاجسا أملته إخفاقات ممارسات حداثوية عربية كانت في العمق تجربة برانية وليست جوانية كما يقول الدكتور محمد سبيلا. لكن الإشكال الذي مازال يؤرق أغلب المفكرين العرب هو إشكال العلاقة بين التراث والحداثة والذي يرتبط ضمنيا بقضية الخصوصية. وإذا كانت دراسة التراث وتفكيكه والانتظام داخله وفق منظور نقدي يمثل عمق مشروع الجابري بخصوص إشكالية الحداثة، فإن د.عبد الله العروي يطرح تساؤلات وتصورات أشد إيغالا في منطق الحداثة الغربية النقدية، وفي هذا السياق ينتقد التيارات السلفية وأغلب اتجاهات الفكر العربي الذي يراهن على تحيين التراث وتجديده، إذ يقول: "فـ"لا بد له [لدارس التراث ] قبل كل شيء أن يعي ضرورة القطيعة مع التراث وأن يقدم عليها". وسياق تصور العروي الفلسفي والتاريخي لا يمكن استيعابه أو فهمه إلا داخل إطار الدعوة الصارمة لتبني منطق الحداثة وبلا تردد. ولكن ما يؤكد عليه، وبعمق، هو ضرورة عدم الخلط بين مفاهيم حداثية ولتكن الحداثة، نفسها، والعقل والدولة وبين ما يجري في الواقع العربي من وقائع وأحداث وتمثلات، في أفق تجاوز المفارقة التي تحكم العقل العربي وأساسها عدم التمييز بين المفهوم المكتمل (الحداثة مثلا) والوضع العربي الما قبل-حداثي، أو الذي عرف تحديثا مشوها. فالروح العقلانية إذن تقتضي القطع مع ثنائيات لا تعرف الحسم أو مؤسسة على اللاحسم (حسب لغة جابر الأنصاري) مثل تراث/حداثة، إسلام/غرب، خصوصية/كونية، في أفق بناء منظور فلسفي-تاريخي تركيبي للحداثة ومعضلاتها، بعيدا عن ترديد شعارات من قبيل حداثة متأصلة، حداثة مغدورة، حداثة خصوصية، مشروعية خطاب العولمة، أهمية الموروث لتحصين الذات..إلخ. فقد بات من الواضح والضروري أن التفكير النقدي في الحداثة هو جزء من الصيرورة الحداثية نفسها والطويلة الأمد. أما الدفاع عن خصوصية مغلقة أو عن حداثة خصوصية من خارج تعقدات منطق العصر، فلن يقوي إلا سلطة التراثوية المبشرة الآن بنزعة أصولية، ليست في الأصل لا تجربة تحديثية، ولا حتى "بروتستانتية إسلامية". ألم يقل ماكس فيبر: "فأهم ثمار البروتستانتية النسكية: التشكيل المنهجي والعقلاني للحياة الأخلاقية برمتها".
فمن غير المجدي إذن البكاء على الماضي، أو القيام بترتيب علاقة ميكا***ية بين الإسلام والسياسة باسم الحداثة المغدورة (modernité trahie) كما أنه من الضروري استيعاب فكر نقاد الحداثة المعاصرين في عالم الغرب في أفق تأسيس وعي حداثي بشروط وأسباب قيام الحداثة (بمفهوم التعدد) وفهم تجليات اللاحداثة العربية وتمظهراتها السلبية خصوصا في ظل ثقافة العولمة وعودة التيارات السلفية إلى الواجهة السياسية، وهو الأمر الذي يكرر تجليات إخفاق آخر لتجربة "الحداثة العربية"، وكما يقول برهان غليون: "وعندما نتحدث عن إخفاق في استيعاب الحداثة، فليس ذلك لعدم الأخذ بها، وإنما بالعكس للقول إن النظم الحديثة العلمية والمادية التي أخذ بها العالم العربي واستنبتها في تربته، لا تنتج نفس القيم ولا تؤدي نفس الوظائف التي خلقت من أجلها وكانت منتظرة منها". فمشروع الحداثة إذن هو تجربة نقد وبناء وتصور مستقبلي للزمان، وإحداث تطابق بين الذات العارفة وإرادة تمثل الكوني في أفق تكريس مقولة التقدم التاريخي وكسر طوق الانغلاق الحضاري وتحقيق التواصل النقدي مع الذات والآخر وفق جدل بين العقل والتاريخ على قاعدة الإبداع

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 11:27   رقم المشاركة : 33
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الإنيّة والغيريّة - التواصل والأنظمة الرمزية - الخصوصية والكونية


«الانسانى بين الوحدة والكثرة»
مداخلات هامة لبعض الجامعيين والمختصين حول:
- الإنيّة والغيريّة
- التواصل والأنظمة الرمزية
- الخصوصية والكونية
تونس: جمال الهرابي
نظّم المركز الجهوي للتربية والتكوين المستمر بتونس، بالتعاون مع متفقد مادة الفلسفة بجهة تونس الدكتور خميس بوعلي، وبدعم من الادارة الجهوية للتربية والتكوين بتونس، مؤخرا بفضاء المركز، ملتقى فلسفيا تكوينيا لفائدة أساتذة الفلسفة، تحت عنوان «الانساني بين الوحدة والكثرة»و قدمت فيه مجموعة من المحاضرات من قبل ثلة من الجامعيين والمختصين تمحورت حول المسائل الأولى من البرنامج الجديد للفلسفة في الباكالوريا، مثل مسألة: «الانية والغيرية»، ومسألة «التواصل والأنظمة الرمزية»، ومسألة «الخصوصية والكونية» وغيرها من المحاور الهامة، والاشكاليات التي تهم الواقع المعيش، حيث ان التلميذ اليوم مدعو الى التساؤل حول ذاته في علاقته بالآخر، من خلال المحاور الهامة التي اصبح يدرسها في مادة الفلسفة..
هذا وقد افتتح فعاليات الملتقى الدكتور خميس بوعلي متفقد المادة، وبحضور جمع غفير من اساتذة المادة، وقد اثار المتفقد في كلمة الافتتاح، مشكل الرهان على قيم كونية، والصعوبات المتعلقة بهذا الرهان، مؤكدا على ضرورة الانتباه الى مسألة التاويل، والسياقات المفهومية... كما اشار الى بعض النصائح والتوجيهات البيداغوجية التي تتعلق بخصوصية البرامج الجديدة.
ثم قدم الدكتور خميس بوعلي مداخلة تحمل عنوان الملتقى «الانساني بين الوحدة والكثرة»، وقدمت الدكتورة أم الزين بن شيخة المسكيني محاضرة حول «الفلسفة والانسانوية» تطرقت فيها الى مسألة الانسانوية في تاريخ الفلسفة، فاذا ارتكزت الحداثة على مقولة الانسان العاقل والحر.. فان ما بعد - الحداثة رجّت الحداثة، واستنتجت الدكتورة، القول بان الانسانية تبقى غاية، وكفاحا مشروطا بالانفتاح على الآخر.
وفي اليوم الثاني للملتقى قدمت محاضرتان: الأولى للدكتور فتحي المسكيني وتحمل عنوان «الإنية: من «الهم» الى «الدازين»، والثانية للدكتور صالح مصباح وتناولت مسألة «التواصل والوساطة»..
«الملحق الثقافي» واكب هذا الملتقى الهام، وتابع مختلف فعالياته، وسجل آراء وانطباعات بعض المشاركين فيه:
الانسانيّ بين الوحدة والكثرة.
وبعد افتتاح الملتقى قدم الدكتور خميس بوعلي مداخلة تحمل عنوان الملتقى الانساني بين الوحدة والكثرة»، تطرّق فيه الى عديد المسائل والقضايا وفيما يلي ابرز ما ورد فيها «الانية والغيرية»، «التواصل والانظمة الرمزية»، «الخصوصية والكونية».. يبدو ان هذه المحاور الثلاثة والتي يتكون منها الباب الاول للبرنامج الجديد «الانساني بين الوحدة والكثرة»، لتدريس الفلسفة في التعليم الثانوي، هي محاور تضع املا كبيرا في طرح مسألة: الانسان بكل تفرعاتها الممكنة.
فالمحاور الثلاثة تسعى بمختلف احداثياتها التفكير فيها الى مساءلة هي اقرب الى بحث في الموضع / الموقع او الحيز اين تبدأ مواقع الآخر حتى اعرف متى تنتهي حدودي الخاصة.
او قل هي مساءلة تتقصى التخوم وتعمل على ارباكها عساها تظفر بقاسم مشترك يحرر الفرد من قساوة التصنيف التقليدي: انا او الآخر، فكأن لا مجال للالتقاء او للحوار او كأنّ ما عملت الفلسفة على انجازه سواء على مستوى التأسيس المنطقي والميتافيزيقي، او التأسيس الثقافي من دعم لفكرة وحدة الانسان او وحدة الانسانية لم يفعل سوى اضعاف فكرة الهوية المشتركة هذه، وبالتالي بيان ان مسعى كل هوية او ثقافة انما هي تجربة جعل الكلي المنشود ملكا لتلك الثقافة او الهوية وحكرا عليها.
فهل لزم علينا ان نسلم بان كل ارتباط في البحث بين الثقافة او الهوية من جهة، والكلي من جهة ثانية مآله الفشل، لسبب اول: ان هذا ما يحدث في التاريخ والوقائع اليومية، ولسبب ثان: اننا اذا ما نظرنا الى الثقافة والى الهوية باعتبارها تعبيرا عن الاختلاف، ألفينا انها تاكيد على اختلاف الثقافات وتمايزها واذن الانفصال على الكلي بين هذه الثقافات وبين هذه الهويات. اذ ما دامت كل ثقافة تعبيرا عن إنية وعن ذاتية، فما الذي يضمن الحديث عن انسانية واحدة او عن ثقافة موحدة؟ ألن يفضي بنا مثل هذا الحديث الى ضياع كل امكانية حوار او التقاء بين الانيات المتنافسة بل والمتصارعة؟ الا يمكن ان يؤدي مثل هذا المسار الى التخلي عن فكرة: البنية الموحدة للعقل البشري، او الطبيعة البشرية، واذن الى قرار النسبوية المتشككة.
لقد حققت الفلسفة مكاسب هامة منذ ان اشتغلت على هذه المسائل، فهي قد تخلصت من هيمنة النموذج اليوناني القائم على فكرة المحاكاة، وارست النموذج العقلاني المستند الى فكرة الطبيعة البشرية، واستفادت من التحول الالسني الذي اظهر لنا الدور الهام للتاويل. ورغم هذه المكاسب فالفلسفة لازالت مطالبة باختبار افق التاويل هذا، والبحث في ما اذا لم يكن يستنسخ مفرداته السابقة و «يكتفي بمجرد تنظيفها وتلميعها» وتقديمها لنا على انها الحل الامثل لما تواجهه اليوم معقولية التاويل من صعوبات، اهمها انها معقولية غير قادرة على تصور كلي متنوع فعلا، خاصة وانها لم تخرج عن دائرة: الذاتية ولا تفعل سوى الحاق ثقافات اللاذات وهواياتها، بثقافة الذات والعمل على جعلها هامشا.
فكأن الحوار او الترجمة المترتبة عن افق التاويل لا يعدوان ان يكونا سوى آلية الهام او استيعاب وهو ما سوف ينعكس سلبا على الفلسفة وعلى المكاسب التي امكن تحقيقها حتى اليوم.
نحن لا نعتقد ان الفكر يمكن ان يسلم بمثل هذا المصير السلبي، ان التفكير مقاومة، وهو ان كان مقاومة للنسبوية فهو مقاومة ايضا لمنطق الاقصاء او الضم عبر آلية التأويل.
ويبدو ان مفهوم التاويل يملك من الجاهزية للاجابة على اغلب الاسئلة المحيرة التي قد تنتاب الفكر، فمن جهة يستمد التأويل مبررة كما ذهب الى ذلك بول ريكور وقادامير من «الفكر التأملي» ومن «منطق ثنائية المعنى»، ومن منطق متعال يؤسس نفسه في نطاق شروط ملائمة لرغبة الانسان الانسان في ان يكون، خلافا لمنطق او لشروط علوم الطبيعة المحتكمة الى موضوعية محددة. بما يمكن التأويل من الغاء المسافة بين المؤول والمدونة، وبأن يجعل المؤول معاصرا للنص وهو ما ينمي لديه شروط الفهم. وقد اسفر هذا التمشي لدى فلاسفة التاويل الى حيازة الوجود وامتلاك وسائل النقد التي يمكن ان تطبق على المستوى العملي: اقامة شرعية العلم، تأسيس الواجب.. بحيث يسترد الكوجيتو انفاسه ان صحت العبارة من خلال تعبيرات الحياة التي يتمظهر فيها.
ومن جه اخرى بدا هذا التأويل منسدا الى انطولوجيا وهي انطولوجيا تعود مع ريكور الى هيدقير وروسيل ومن ثم الى دلتاي وشلاير ماخر.
يقول بول ريكور: «الواقع ان «انطولوجيا الفهم» التي اسسها هيدقير واقامها مباشرة بواسطة «قلب مفاجئ» للمشكلة. تم بالموجب الاستعاضة عن «نموذج المعرفة» بـ «نموذج الوجود». ذلك الوجود الذي اصبح كما يراه هيدقير بمثابة «أفق» نرنو اليه وهدف نسعى نحوه اكثر من كونه حقيقة معطاة» («صراع التاويلات» صفحة17).
انها انطولوجيا قامت ببنائها فلسفات الذات على امتداد القرون الثلاثة الماضية ورغم التعدد التي تظهر به: استناد التحليل النفسي الى «حفريات الموضوع» وانشداد فينومينولوجيا الروح الى «غائية معينة» وانبناء فينومينولوجيا الروح الى «غائية معينة» وانبناء فينومينولوجيا الدين الى «منطق الاخرويات»، فانه يمكن الاقرار بوجاهة مسعى هيدقير بضم هذه الانطولوجيات في نسق واحد في القسم الثاني من كتابه: «الوجود والزمان».
فهل مازال بالوسع ان نعتمد هذه الانطولوجيا لنقد الذاتية او لنقد الحلقة التاويلية التي تولدت عنها؟ هل من الممكن ان «نفسد» هذه الانطولوجيا من الداخل او ان نربك نسقها ونظام قيمها حتى يتسنى لنا ربما استحداث مكاننا داخل التاريخ؟ أليس من اللازم علينا اليوم ان نتعلم درس قادامار القاضي بأن الحقيقة لا تنفصل عن المنهج فهو جزء لا يتجزأ منها، والقاضي ايضا بالانزياح عن منطق «الحقيقة» المتعالية، والمعيارية وغير المشروطة، بحقيقة هي علاقة مع الآخر، وحوار غير منته بين «النحن» و «التراث» حيث ينظر الى اللغة بوصفها حوارا، والانتظار بوصفه تفاهما ومشاركة وحيث يكون كل وجود: وجود من اجل الحقيقة توجهه ارادة الفهم وايتيقا الحوار».
الفلسفة والانسانوية
وقدمت الدكتورة أم الزين بن شيخة المسكيني (استاذة جامعية تدرس الفلسفة بجامعة تونس المنار)، محاضرة متميزة بعنوان: «الفلسفة والانسانوية»، وقد عالجت فيها المشكل الفلسفي التالي: هل مازال ممكنا للفيلسوف اليوم ان يزعم انه انسانوي؟ وفي المقابل: كيف نفهم وجاهة فلاسفة في حجم هيدقير وميشال فوكو لا يرون اي حرج نظري او اخلاقي في الزعم انهم مضادون للانسانية؟
حضور مكثف لأساتذة مادة الفلسفة، وحوار ثريّ وتفاعل ايجابي بين المشاركين
ولماذا اصبحنا نتحدث عن الانساني الآن؟ وبأي موجب اشكالي اصبح الانساني ممكنا؟ واي انسانوية سنغنم؟
وقد عالجت المحاضرة هذه الاشكاليات من خلال التمييز بين ثلاثة نماذج من الانسانية:
- الانسانية الاولى: اتخذت «الانسانية»، «طبيعة بشرية» (من النهضة الى التنوير)
- الانسانية الثانية: راهنت على مفهوم «الانسانية» (مع كانط)
- والانسانية الثالثة: انفجرت فيها فكرة الانسان من اجل ان يولد منها مجال الانساني (L’humain) وكتاب نيتشه «انساني - مفرط في انسانيته» يعد برنامج الفلسفة الى حد ميشال فوكو وفي مقاربتها لمسألة الانسانوية داخل الحقل الفلسفي، راوحت بين الحداثة وما بعد الحداثة، واعتمدت على ثلاثة مرجعيات هامة وهي: فلسفة كانط، وفلسفة نيتشه، وفلسفة ميشال فوكو..
وتخلل المحاضرة تعقيب للدكتور خميس بوعلي متفقد المادة، وحوار ثري بين الاساتذة المشاركين في الملتقى.
الإنية: من «الهم» الى «الدازين»..
وقدم الدكتور فتحي المسكيني (استاذ جامعي يدرس الفلسفة بجامعة تونس المنار)، محاضرة بعنوان : «الإنية من «الهم» الى «الدازين»، حيث بين ان بول ريكور قد شخص طريق «الانية» (Ipséité, Selbstheit) في كتابه : «الكينونة والزمان» في اربعة اطوار:
1- تقرير ما يميز «الدازين» من كونه «لي- في- كل- مرة» (Jemeinigkeit)، (في الفقرة)
2- اقامة السؤال الوجوداني عن «من؟» الخاصة بالكائن الذي من جنس «الدازين» (في الفقرة25)
3- المعادلة بين «الدازين» و «العناية» (في الفقرة 41)
4- الوصل بين «العناية» و «الانية» (في الفقرة64)
واكد الاستاذ المحاضر على ان الدازين يختص بكونه الكائن الذي يفهمه كينونته «الخاصة»ولذلك فالدازين يوجد دوما في ضمير المتكلم «أنا»، الأنا الذي يخصه بما هو كائن.
وهكذا فان «ذاته» الاصلية ليست سوى هذا «الانا» نفسه من جهة ما يشير الى نفسه بقوله «انا نفسي» فلكل انسان القدرة الاصلية على قول «انا نفسي». بهذه العبارة هو يدخل في صلة مع «اصالة» (Eigentlichkeit) ذاته، اي مع اخص ما في نفسه من الانتماء الى نفسه، وليس ذلك سوى كينونته التي «له - في - كل - مرة»، لكنه لا يستطيع ان يصير ذاته الاصلية الا بقدر ما يتعمق في ذاته «غير الاصلية»، اي من جهاز «عدم الاصالة» (Uneigentlichkeit) الذي اشار اليه هيدقير تحت مصطلح «الهم». فالهم يشير الى ذاته التي ليست له في كل مرة.
والاصالة هي عبارة عن «الانية» التي اختارها وكانها من ذات نفسه، وعدم الاصالة هي عبارة عن الانية التي لم يخترها ولم يكنها من ذات نفسه. والدازين هو نمط كينونة هو «لي-في- كل- مرة»، وعلى ذلك فماهو «لي- في-كل- مرة» هو امر ينبغي علي «ان - أكوّنه».
لكن الدازين لا يمكنه ان يفلح في استرجاع ذاته من «الهم» الا عندما يستعيد قدرته الاصلية على السؤال عن «الانية» التي تخصه بطريقة مباينة تماما لصيغة السؤال عن اي كائن آخر ليس من جنس الدازين؟
ان السؤال الوحيد الصالح للاستفهام عن الانسان هو «من هو؟» فليست كينونة الدازين «ماذا؟»، قابلة للتعيين بواسطة «المقولات»، بل هي «من؟» (wer) لا يمكن فهمها الا من خلال الاحوال «الوجودية»
كما تطرق الدكتور فتحي المسكيني الى مسألة الانية في سياقات فكرية متعددة في تاريخ الفلسفة.. ليؤكد على ان الانية هي مهمة ومشروع وليست معطى، ويجب على الانية ان تصطدم بالغيرية لتثبت انيتها فهي نوع من التنويع «اني انا الذي هو»..
وبين ان الهوية هي هوية سردية، وان «الهم» هي جهاز انتماء عمومي..واثر انتهاء المحاضرة فسح المجال للحوار ولتدخلات الاساتذة المشاركين في الملتقى الذين ساهموا باسئلتهم واضافاتهم في اثراء اللقاء.
التواصل والوساطة
وقدم الدكتور صالح مصباح (رئيس قسم الفلسفة بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس) محاضرة بعنوان «التواصل والوساطة»، تتعلق اساسا بمسألة «التواصل والانظمة الرمزية» المدرجة في البرنامج الجديد للفلسفة في الباكالوريا، وفي مداخلته، اكد المحاضر على انه، ليس جديدا على الفلسفة الاهتمام بالتواصل، اذ انها منذ تكونها فكرت في الانسان باعتباره حيوانا ناطقا/ عاقلا، مدنيا... بيد ان الثورة الاتصالية المعاصرة قد جعلت المسألة بؤرة اهتمام فلسفي راهن وهو ما اعاد تنظيم طرح كل المسائل ذات الصلة بالتواصل هذا اولا وثانيا لقد كان هيقل قد بوأ الوساطة منزلة فلسفية ميتافيزيقية تأملية قبل ان يضطلع الفكر الفلسفي الانتروبولوجي بذلك وقد ساد الفكر الفلسفي عموما وعي حاد بالتوتر بين الوساطة باعتبارها شرط كل تواصل وفي ذات الوقت معوّق للتواصل.
وبين الدكتور صالح مصباح، انه يمكن التحقق من ذلك بالنظر في اهم الوسائط التي ارتبط بها تفكير الفلسفة في التواصل:
1- كيف كان الكلام في ذات الوقت شرط التواصل ولكنه لم يوفر الشفافية المنشودة؟
2- كيف كانت الكتابة كذلك في ذات المقام؟
3- كيف كانت الطباعة اداة وعائقا للتواصل؟
4- كيف غيرت الصورة تصورنا للتواصل منذ ظهور الصور
5- بيد ان ظهور مفهوم الوسائط المتعددة قد فرض تصورا جديدا لذات العلاقة، الى حد اعتباره نموذج المعقولية المعاصرة.
وقد اجاب المحاضر عن هذه الاسئلة والاشكاليات بكل عمق من خلال استجلاء تاريخ الفلسفة، ورصد ما تمثله الوسائط من اشكال في علاقتها برهان التواصل، وعرج على الصعوبات التي تعترض الانسان المعاصر في استعماله لمختلف الوسائط بين «الانا» و «الهو»، وبين «النحن» و «الهم»..، واكد في السياق ذاته على ان التواصل والوسائط ولئن كان مسألة واشكالا فلسفيا، فقد تكونت علوم جديدة متعلقة بالوسائط مثل: «علم الوسائط»، «وعلم اجتماع التواصل والاشهار»... وهو ما مكن الانسان من مقاربة المسألة، مقاربة علمية.
وفي تناوله لمسألة الهوية، اكد المحاضر على ان الهوية او الكونية هي مجرد فرضية.
هذا وقد تمحورت تدخلات الاساتذة بعد انتهاء المحاضرة حول مختلف الانظمة الرمزية وعلاقتها بمسألة التواصل، والافق النظري والعملي للتواصل عند الانسان المعاصر، والامكانات البديلة، لتاصيل الانسان في انسانيته، و «لملمة» جروح كينونته..
رسالة الفلسفة من رسالة المدرسة:
تصدرت «رسالة التربية» القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي لتعلن من البدء ان مطلوب المدرسة الاقصى هو تنمية ما هو انساني في الانسان، بايقاظ مؤهلاته وتنمية شخصيته بابعادها الخلقية والوجدانية والعقلية وتسليحه بما يكفل وعيه بذاته وبالآخر.
لذلك راهنت «مدرسة الغد» على تكوين عقول مفكرة بدل حشو الادمغة، عقول قادرة على تجاوز «حب البقاء الى حسن البقاء»، بفضل اذكاء الاقتدار لدى الناشئة حتى يفلحوا في حياة نشيطة تعي بالعمل قيمة وبالتنظيم المدني الحقوقي خيارا، يستلهم من قوة القوانين شرعية تخرج الشأن الانساني من دائرة المزاج الى حكم العقل.
من اهداف الفلسفة في التعليم الثانوي:
يرمي تدريس الفلسفة في الثالثة والرابعة من التعليم الثانوي الى:
- تمكين التلميذ من التمرس بالحرية بفضل ممارسة التفكير من خلال اعمال كبار الفلاسفة والمفكرين
- تمكين التلميذ من فهم افضل وتأويل اعمق لما يعرف سلفا، والوعي بذلك وعيا اوضح واشمل
- تحرير التلميذ من قوالب الآراء المتداولة ومن سيطرة الاحكام المتسرعة
- اعداد التلميذ اعدادا يمكنه من تحصين نفسه تحصينا يربيه على التبصر في الحكم والثقة في النفس والثبات على المبدأ دون سقوط في الوثوقية، والاعتدال في الموقف والتسامح في التعالم دون سقوط في التبعية.
- مساعدة التلميذ على الارتقاء ذاتيا من وضع اللامبالاة الى موقف واع يسند اختياراته فكرا وسلوكا، ويحمله على الادباع ويقيه التسطيح الفكري والوجداني والاستسلام الى المجهود الادنى.
المسائل العامة للبرنامج الجديد لمادة الفلسفة في الباكالويا
شعبة الآداب
عناوين المسائل
المعاني
I)- الانساني بين الكثرة والوحدة:
1- الانية والغيرية
2- التواصل والانظمة الرمزية:
3- الخصوصية والكونية:
التاريخ- الجسد- الذات- العالم- اللاوعي- الوعي
الآخر- الصورة - اللغة - الوساطة- المقدس
الاختلاف- العالمي- العولمي - الهوية- الكلي
II)- العلم بين الحقيقة والنمذجة:
1- ابعاد النمذجة:
أ- البعد التركيبي
ب - البعد الدلالي
ج - البعد التداولي:
2- النمذجة ومطلب الحقيقة:
أ- الحدود الابستيمولوجية
ب - الحدود الفلسفية:
الاكسمة - البنية - الترييض- الصورية
الافتراضي - القانون- الملائم- النظرية- الواقعي
التفسير - التحقيق- الفهم- النجاعة
الاختزالية - التاريخية - الانظمة التقنية
الحقيقة - المسؤولية - المعنى
III)- القيم بين النسبي والمطلق:
1- العمل: النجاعة والعدالة
2- الدولة: السيادة والمواطنة
3- الاخلاق: الخير والسعادة
4- الفن: الجمال والحقيقة
الاغتراب - الانصاف- التحرر- السوق- المال- المنفعة
الحق- الديمقراطية - السلطة - العنف- المقاومة- المواطن العالمي
الحرية - الرفاه- الفضيلة - الواجب
الابداع - التذوق - المحاكاة
IV)- الدراسة المسترسلة
من القائمة الرسمية للآثار الفلسفية المصاحبة

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 11:28   رقم المشاركة : 34
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

الحوار بين الثقافات: العوائق و شروط الإمكان


محّمد سبيلا
D. Shayegan: les illusions de l'identité.; Paris-serf.P 175
1- مفارقة العصر: تضاعف إمكانات التواصل وتضاؤل حظوظ التفاهم. لعل إحدى المفارقات الأساسية لهذا العصر الذي نعيشه هي هذا التناسب العكسي بين ثورة الإعلام والتواصل وانفتاح الفضاءات المغلقة من جهة، وانبعاث الخصوصيات، والهويات الصغيرة، وكل أشكال الارتداد إلى الذات، وبموازاة ذلك استفاقة أشكال النزاع والصراع بين الثقافات من جهة أخرى. الظاهر أن هناك آليتين موضوعيتين تعملان بشكل متواز، أولهما تقنية تجارية تتمثل في اكتساح التقنية لكل ثنايا المعمورة، والتقريب بين أبعادها، وتقليص المسافات،والأزمنة، وتوحيد العالم في سوق واحدة ليصبح قرية تجارية ضخمة، وآلية موضوعية مضادة هي آلية النكوص إلى الحميميات الجماعية والمميزات والفوارق والخصوصيات وخاصة على المستوى الثقافي. تبدو الثقافة هنا - بمعناها الواسع كنمط حياة وإطار للعيش – بمثابة حضن معنوي مولد لأشكال المقاومة ضد الصهر القسري الذي تمارسه التقنية المتحالفة عضويا مع قوة المال كما تمثل ذلك الشركات الدولية الكبرى العابرة للقارات
إن الغرب في صورتيه الرئيسيتين : أوربا كأصل وأمريكا كفرع، هو اليوم المفرخ الرئيسي للتقنية و المهيمن الأكبر على الأسواق المالية والتجارية في العالم، وهو المالك لأكبر حلف عسكري عالمي (وحيد)، و المتحكم الكلي في كل المضايق والبحار ومعابر القارات، والمراقب الكوني الدقيق بأقماره الصناعية البثية والتجسسية لكل كبيرة وصغيرة على وجه (البسيطة)، وبنفس الوقت الطرف الذي لا يكتفي بفرض سيطرته السياسية والاقتصادية والعسكرية والتقنية والمالية على مختلف أرجاء المعمور، بل يفرض بالقوة رؤيته وخططه الاستراتيجية، ويعتبر نفسه النموذج المحتذى والآمر الذي لا راد لأوامره ولا محيد عن طاعته. بل الأدهى من ذلك أنه يمارس على نفسه وعلى الآخرين أشكالا رفيعة ماكرة من الكذب، والكذب على النفس والتضليل وقلب الحقائق.فهو يقدم الحروب المدمرة للشعوب على أنها أعمال سلم، و تخريب بلد على أنه إعمار، والاحتلال على أنه تحرير، والتكييف الكامل للإعلام على أنه حرية أخبار، وازدواجية المعايير على أنها عين الحق والصواب ،والحكمة، والخوصصة (التي هي في العمق تقديم الاقتصادات المحلية لقمة سائغة لاقتصادات المركز ولشركاته و العابرة للقارات) على أنها تنمية مستديمة، ويقدم بضاعاته ومخترعاته ومنتوجاته الثقافية الجماهيرية الاستهلاكية على أنها عين الحداثة والتقدم الخ.، والغرب يتعمد أيضاالخلط القصدي بين المقاومة المشروعة للعدوان والاحتلال وبين الإرهاب، ويرفع معايير القوة إلى مرتبة المنطق والأخلاق، ويقدم الحرب على أنها تضحية من أجل الوطن أو من اجل الإنسانية، ولا يكف عن ترديد نشيد الديمقراطية بمحاذاة فوهة المدافع وأزيز الطائرات الحربية وثنايا القنابل العنقودية، وكذا اتهام الآخرين بأنهم يكرهوننا لما نحن عليه لا لما نفعل في سياستنا تجاههم، وبالمقابل يبلور الوعي العربي الإسلامي، أمام الدونية والتفاوت الحضاري الشامل، رؤية ذاتية مضادة مفادها التميز بالتفوق الروحي، والتقدم الأخلاقي، والأفضلية الأنتروبولوجية واللسانية، وامتلاك فضيلة الحق وميزة البلاء، وبالتالي امتياز الهداية والنور ... كل هذه المؤشرات تدل على وجود اختلال بنيوي على المستوى العالمي يتميز بالتفاوت الفادح بين الشعوب والمجموعات الثقافية في الثروة، والسلطة، والقوة، والمعرفة، والوعي بالذات كما يتميز باستشراء مظاهر الوعي الإيديولوجي المقلوب لدى كل الأطراف، وهو السياق العملي الذي تنبعث فيه اليوم نداءات الحوار بين الثقافات
2- الحوار كمثال و كشعار و كوسيلة: فكرة الحوا رفي حد ذاتها فكرة جميلة ومغرية. لكنها هي نفسها محل صراع، ومجال اختلاف، وربما هي أحيانا أداة تضليل، ووسيلة وتحايل وتمويه على السيطرة.الشعار الحواري في حد ذاته مطالب بأن يكون واعيا لذاته، ولملابساته، وسياقاته، واستعمالاته الواعية، القصدية والخفية، ولعوائقه، ولآفاقه وشروط إمكانه الفعلية. فهو مثال جيد (Idéal)ومثل يحتذى به إذا ما تحول فعلا إلى أداة للتفهم والتفاهم.لكن الحوار يفترض أولا(حسن النية)، وإرادة التفاهم، ويفترض قبل كل شيء فكرة الاعتراف بالآخر، الاعتراف بحقه في الوجود، والاعتراف (La Reconnaissance) بحقه في الحياة وبحقـه في التميز والاختـلاف، لا الاعتراف فقط بالتفوق وبحق الأقوى والأغنى والأعلم في فرض رؤيته على الآخر. الحوار الحقيقي ينطلق من مسلمة أساسية هي مسلمة التساوي في الوجود وفي الحق قد يكون هذا التصور للحوار تصورا مثاليا و عسير المنال، لكن لابد من استحضاره كشرط مسبق لكل حوار أو تفاعل. فالشرط الأولي والأساسي لأي حوار مثمر هو حسن صياغة مفهوم الحوار نفسه. وإذا ما تم إقرار مثل هذا التصور كمنطلق فإنه بالإمكان تفعيله وتصريفه وتطويره كأداة وكوسيلة وكمثال. كأداة للفهم، والتفهم، والاعتراف المتبادل. يتطلب الحوار عناء فكريا، ونقدا مزدوجا للذات وللآخر، وتفكيرا في العوائق الفكرية والنفسية والحضارية المتراكمة وفي كتل الأحكام المسبقة (Préjugés) المترسبة عبر العصور وفي وظيفتها الثقافية هجوما ودفاعا،وهذه المهام النقدية تزداد عسرا عندما يتعلق الأمر بفضاءين ثقافيين مختلفين يتنافسان على ضفة المتوسط منذ أكثر من ألف سنة. ومسألة التحرر من الأحكام النمطية الجاهزة المسبقة المتراكمة عبر العصور، والمترسخة في الأذهان والوجدان ليست مسألة سهلة، ولا إجراء إبستمولوجيا بيّن الخطوات، ولا مهمة يمكن إنجازها بين يوم وليلة، أو من طرف فرد واحد، أو من جهة دون أخرى، بل هي مسالة ترتبط بسيرورة الحوار ذاته وبآلياته وبمقاصده وشروطه، إضافة إلى توافر إرادة وشروط التفاهم بين الثقافات
3- المحطات الكبرى للصراع: عيش ظهور الإسلام وانتشاره ا لسريع في الفضاء المتوسطي منذ البداية بمثابة تنافس روحي وحضاري وإمبراطوري قوي من طرف العالم المسيحي. وقد تنامي هذا الشعور تدريجيا في هذا العالم، وجاءت أحداث كبرى كسقوط القسطنطينية وانتشار الإسلام في آسيا وأفريقيا ثم في أوروبا لترسخ مشاعر التنافس والعداء، خاصة و أن هذا الانتشار السريع تم على حساب، وفي مواجهة الإمبراطورية المسيحية عامة، وعلى وجه الخصوص في مواجهة الإمبراطورية الرومانية في شمالي أفريقيا ابتداء من القرن الثامن، الميلادي، وهو الأمر الذي أدى إلى استقلال جنوب المتوسـط عن الإمبراطورية الرومانية،وقد تعمق هذا التصور مع غزو المسلمين لشبه الجزيرة الإيبيرية وإقامة دولة الأندلس فيها بين سنتي711م إلى سنة 1492م. وبعبارة أخرى فقد شكل ظهور الإسلام في قلب العالم القديم حدثا رئيسيا فارقا أدى إلى بروز كيان ديني وحضاري و إمبراطوري جديد في قلب العالم القديم، حيث أصبح غرب المتوسط بحيرة إسلامية لم يعد يتيسر فيها بسهولة المرور التجاري والانتشار الديني نحو الشرق وأعماق أفريقيا،دون المرور عبر هذه المنطقة الجديدة العازلة بين أوروبا وأفريقيا وآسيا. وهكذا بدأت فكرة (الخطر الإسلامي) تتبلور في العالم المسيحي، ولعلها ستكون الفكرة الممهدة لما سمي بالحروب الصليبية، التي اندلعت بعد نداء البابا اوربان الثاني (UrbainII) سنة 1095 م إلى التعبئة لشن الحرب دفاعا عن الصليب، من حيث هي مسعى لفك الحصار ولاستعادة الأراضي ، والأماكن المقدسة، وطرق الحج إلى القدس، والطرق التجارية التي استولى عليها المسلمون. والحروب الصليبية ربما هي الوجه الشرقي لحروب الاسترداد (Reconquistas)التي قام بها الاسبان في غرب المتوسط. لكن هذه الحروب لم تستطع إ يقاف انتشار الإسلام الذي استوعب العديد من الإمبراطوريات والحضارات الفرعية الفارسية والتركية والآسيوية ، بل إن التوسع الإسلامي طال أروبا نفسها شرقا وغربا إلى حدود القرن السابع عشر حيث كانت بلغراد و بودابست محكومة من طرف الباشوات الأتراك , حيث قامت الجيوش السلطان العثماني بمحاصرة فيينا , بينما شن بعض القراصنة هجمات أو غارات على شواطئ إنجلترا وايرلندا وأيسلندا كما يذكر برنار لويس في كتابه ( الإسلام في أزمة ) (الطبعة الفرنسية 2003 ) لكن ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر تغير الوضع على المستوى الدولي العام وبدأ العد العكسي السريع بالنسبة للعالم الاسلامي. و نقطة التحول الكبرى كانت هزيمة الجيش التركي بعد الحصار الثاني لمدينة فيينا سنة 1683م، التي دشنت مسلسلا من الهزائم و التراجعات ما تزال مخاضاتها تتواصل إلى اليوم . و من ابرز محطاتها غزو نابليون لمصر سنة 1798، و اقتطاع مصر من الدولة العثمانية , و احتلال الهولنديين لاندنوسيا سنة 1800 والفرنسيين للجزائر سنة 1830، والبريطانيين للسودان، ودخول جيوش الحلفاء إلى بيت المقدس سنة 1917و إنهاء الخلافة العثمانية 1924 واحتلال فلسطين لإنشاء إسرائيل سنة 1948، والهجوم الثلاثي على مصرسنة 1956 والهزائم العربية المتلاحقة بدعم من الغرب عامة وأمريكا على وجه الخصوص لإسرائيل منذ سنة 1967. وآخرها شن الحرب على العراق بذرائع مختلفة. إلا أن الجديد في المنعطف الجيواستراتيجي الكبير الذي حدث في الغرب الأوروبي ،هـو ظهور حركة تحرر من المسيحيـة والتصـور الـديني(Dechristianisation) لدى العديد من النخب الفكر والسياسية في الغرب كما عبرت عن ذلك الثورة الفرنسية التي سجلت بداية الفصل بين الدين والسياسة، بموازاة عملية تقدم في مجال معرفة الطبيعة وازدهار العلوم التجربية في الفيزياء والكيمياء والفلكيات وفي تطبيق الرياضيات في كل العلوم ، و في ترافق مع التوسع الجغرافي واكتشاف فضاءات جديدة و استقدام ثروات طائلة من المستعمرات ساهمت في خلق دينامية اقتصادية وسياسية وعلمية وفكرية داخلية. ولعل مفهوم الغرب كما نتداوله اليوم، وخاصة في صيغته الأوروبية الأصلية، هو تعبير عن الانصهار الكامل للروح المسيحية ضمن رؤية جديدة قوامها التوسع الجغرافي والتجاري والتطور العلمي والمعرفي و التقني الهائل الذي جعل أوربا لمدة ثلاثة قرون تشكل الطليعة الحربية و الاقتصادية و الفكرية للبشرية برمتها ، إضافة إلى اكتسابها طابع القوة الاستعمارية الاولى في العالم ، وهو الدور الإمبراطوري الإمبريالي الذي ستلعبه الولايات المتحدة الأمريكية منذ منتصف القرن العشرين وراثة و امتدادا للدور الأوربي ، وإنْ دخل مفهوم الغرب اليوم في فترة تشقق تدريجي.
4 الأشكال الكبرى للأحكام المسبقة السلبية المتبادلة: على خلفية هذا التنافس والصراع الذي دام لأكثر من ألف سنة تشكلت في الثقافتين معا تصـورات و أحكام و تخيلات تطفح بهما الثقافتان معا دفاعا أو هجوما.إذا كانت الوظيفة الأساسية للثقافة هي سمنتة الهوية و إذكاؤها، وتصفيحها، وتحفيزها على الفعل، فإن الآخر، القريب أو البعيد، الغريم أو المنافس، يدخل في صلب هذه العملية القائمة على التنا فس، و المحاكاة، والإسقاط، وقلب العلاقات، في إطار القاعدة الأساسية التى تحكم كل هوية ثقافية وهي تمجيد الذات و تبخيس الآخر(1).
أ- الصورة النمطية السلبية للإسلام والمسلمين في الثقافة الغربية: تطفح الثقافة الغربية بالأحكام النمطية السلبية تجاه الإسلام والمسلمين ونبي الإسلام كما تجاه العرب وتاريخهم ولغتهم وثقافتهم. فقد صور الإسلام في الثقافة الأوروبية المسيحية منذ بداية التعرف عليه كشكل جديد من أشكال الوثنية، و كنمط جديد من الهرطقة. بل إن الإسلام ظل في نظر العديد من رجال الدين المسيحيين، بل في نظر الكثيرين من المثقفين والكتاب الأوربيين بمن فيهم المنفتحون والمتنورون، عقيدة ابتدعها رجل متنبئ اسمه (ماهومي)، وهي عقيدة تتسم بالانحلال الخلقي، والميل إلى الملذات الدنيوية، والتزمت، واللجوء إلى العنف، والقسوة، والانحراف الجنسي، وتغليب النظرة الجبرية، والقدرية، والتواكلية، في حين أن الثقافة المسيحية في هذا التصور، هي على النقيض من ذلك، ثقافة الأخلاق الصارمة، والمحبة، والسلام، والتسامح، والانتشار السلمي عبر الإقناع لا عبر السيف و قوة السلاح (2). ويرى العديد من الكتاب الأوربيين أن الدين الإسلامي خليط من الأفكار الدينية المستوحاة من اليهودية والمسيحية، والمجوسية، المليئة بالأفكارالهيلينية، والمتأثرة بالقانون الروماني في جانبها التشريعي. ولم يسلم من ترديد هذه الصورة النمطية السلبية حتى كبار الفلاسفة العقلانيين ورواد التنوير. فجان جاك روسو يقول بأن (دينا بهذا القدر من الرداءة لا يمكنه أن يتماسك و يدعم نفسه إلا بالجهل) كما يرى أن القرآن هو (كتاب محمد الذي لا يتحدث إلا عن النساء) (3). تبلغ هذه الصورة النمطية السلبية مداها الأقصى عندما يتم الحديث عن نبي الإسلام الذي يقدم في صورة محارب عنيف دموي، ويصور كسياسي متقلب وميال إلى القتال في مقابل يسوع المسالم، الذي يحمل بعناء عذابات الآخرين داعيا إلى المحبة والتسامح. فدانتي في ( الكوميديا الإلهية ) يتحدث عن النبي محمد بلفظ استهجاني هو موميتو، ويصوره كتسجيد لركام من الشرور، ويحشره في الدائرة الثامنة من الجحيم مع محترفي النزاعات ومثيري الفتن. في الثقافة الفرنسية نجد فولتير، رائد التنوير الفرنسي، يصور نبي الإسلام كنموذج للتعصب الديني و الطغيان التيوقراطي الذي يستغل مشاعر البسطاء من الناس ومعتقداتهم الساذجة لبلوغ "غاياته الشريرة "، كما أنه ، في نظره ، متعصب، عنيف، محتال، وعار على الجنس البشري. فقد انتقل من كونه تاجرا ليصبح نبيا مشرعا و ملكا. (إن محمد عندي ليس سوى مراء (Tartuffe) بيده سلاح)...(إنه أكبر زير نساء و أكبر عدو للعقل) (4). نفس الصورة السلبية نعثر عليها لدى تنويري فرنسي آخر هو كوندرسيه صاحب (لوحة تاريخية عن مظاهر التقدم الإنساني) يقول فيها: إن (دين محمد حكمٌ بالعبودية والبلاهة التي لا شفاء منها بالنسبة لهذا القسم الواسع من الأرض حيث نشر إمبراطوريته). هذا بينما يكتب دوتوكفيل بأنه درس القرآن كثيرا وخرج بقناعة راسخة مفادها أنه ليس هناك ديانة في العالم أكثر شؤما و ضررا للناس من دين محمد. فبلزاك يعتبر نبي الإسلام (أفاقا)، والقرآن إعادة كتابة للتوراة والإنجيل. وأن الله لم تكن لديه أية نية في أن يجعل من هذا الحادي (سائق الجِمالَ) نبيا له. ولا يقف الأمر عند حد تقديم صورة سلبية عن الإسلام و نبيه بل نجد لدى بعض الأدباء دعوة إلى إبادة الإسلام و المسلمين كما فعل ألفرد دوفينييه (Alfred de Vigny)الذي يرى أن (الإسلام هو العبادة الجامدة و المت**** أكثر من أية عبادة أخرى، بحيث يتعين إفناء كل الشعوب التي تبشر و تدين به إذا هي لم تستبدل هذا الدين). من أبشع الصور وأكثرها حقدا التي تقدمها الثقافة الأوروبية عن النبي هي تلك التي تحكي عن وفاة النبي (ص) حيث تذكر أن أصحاب محمد وأتباعه انتظروا أن تقوم الملائكة برفع جسده إلى السماء بعد وفاته، لكن بدلا من ذلك تأتي مجموعة من الكلاب... ( إلى آخر النص البشع المشحون بالحقد والكراهية تجاه الإسلام ونبيه ) (انظر الهامش رقم 7). هذه الأحكام السلبية الحاقدة تسري كذلك على العرب الذين يصورهم البعض بأنهم (شعب مترحل جاهل، غير قادر تقريبا على إنشاء حضارة) (Maupassant) أو بأ نهم شعب قرصان (Peuple brigand) كما يصورهم مونتسيكو، أو أنهم "أكثر تعاطيا للسرقة والنهب والقرصنة من تعاطيهم لفلاحة الأرض" (Helvetius)أو أن تاريخ العرب هو "تاريخ السيف، التاريخ الذي تجتمع فيه الشراسة بالاستبداد، والعبودية بالتعصب " (Chateubriand) (5). الثقافة الألمانية بدورها مليئة بهذه الأحكام السلبية عن الإسلام ونبيه وعن المسلمين والعرب وهذه الأحكام السلبية متداولة لدى الكاثوليك والبروتستانت معا. فقد أثر عن مارتن لوثر ذكره للمسلمين بكثير من الازدراء والاحتقار، ورفض أن يقرأ القرآن، لكنه مع ذلك تحدث عن خلاعته واختلاله المخجل(6)، حيث نعثر على نص ألماني من القرن الحادي عشر يقول فيه المدعوامبيرخو رئيس كنيسة مدينة ماينتس الألماني عن المسلمين ما يلي: "إنهم يحتفلون بكل أشكال الزواج التي تحرمها الشريعة الإلهية ... فالمرأة تسعى إلى ممارسة السحاق مع مثيلاتها، ويمارس الرجل اللواط مع نظيره، بل وخلافا للتقاليد يجامع الشقيق شقيقته، ولا تمانع الأخت المتزوجة في أن يباضعها أخوها الشيطان . الأبناء يهتكون عرض أمهم ،والبنت تغتصب أباها.وكل ماهو محبب على هذا المـنوال كانت الشريعة ( يقصد الكاتب : الإسلام ) تحلله" (7) . وهذه الصورة السلبية نعثر عليها أيضا في كتابات الفلاسفة الأ لمان: هيجل و شبنغلر، ونيتشه وفيبر .في محاضراته حول فلسفة التاريخ يبين هيغل انتماء الشرق العربي الإسلامي إلى العالم الشرقي الذي هو عالم بلا روح ، وبلا كرامة ، عالم لا يعرف الحرية وبالتالي فإن مآله الحتمي هو الخضوع لأوروبا . فهذه الأخيرة هي مسقط رأس الروح، وموطن الحرية والتقدم بمقابل الشرق موطن عبودية الروح . يتسم العالم الإسلامي إذن بنفس صفات العالم الشرقي : العنف ، وغياب الحرية ومن ثمة "هشاشة الإسلام" مجتمعا ودولة. إن الإسلام ، بالنسبة لهيجل ، طريق تاريخي مسدود . فالمغامرة الإسلامية انطلقت في ظل الحماس ، وتواصلت في ظل العنف ، وهي تكتمل في ظل الانحطاط والانحراف الخلقي . إن المبدأ الإسلامي هواكتمال المبدأ الشرقي . وهوكهذا الأخير ، لا يستطيع أ ن يخلق عالم الحرية(8). وبعد حوالي القرن من "دروس في فلسفة التاريخ" لهيجل يعرض "انحطاط الغرب" لشبنيجلر صورة سلبية عن الإسلام والعرب والثقافة الغربية . فهذه الأخيرة عنده ثقافة سحرية ترى أ ن كل حدث تعبير عن قوى غامضة تخترق مادتها الروحية الفضاء الكوني برمته(9) الصورة النمطية العامة المتكونة في الثقافة الغربية عن الإسلام ، والمرتبطة بشبكة أحكام مسبقة سلبية ، أي بمعتقدات قدحية غير ذات أساس تجريبي ومنطقي معقول ومقبول ، تمثل صورة رباعية العناصر(10): أولها العدوانية والعنف : فالدين الإسلامي عدواني في بنيته الفكرية نفسها من حيث حثه على الجهاد ، وعلى التعامل العنيف مع الآخر المختلف دينيا ولغويا . ومسألة الإرهاب التي يلح على إبرازها الخطاب السياسي والإعلامي الغربي المعاصر هي الشكل البارزعلى هذه الأرضية التاريخية من العنف الذي يضرب بجدوره في أعماق الزمن ، وهي الأ رضية الفكرية البعيدة المدى للقول بأن الإسلام يشكل إمبراطورية الشر الجديدة بالنسبة للغرب وما يزال الغرب يجتهد في محاولة إلحاق العنف والإرهاب والنزعة الدموية بالإسلام ، وهومايشي به مثقفون مقربون من دوائر القار من أمثال هتنغتون الذي يتحدث باستمرار عن الحدود الدموية للإسلام. وثانيها الشبقية والنزعة الغرائزية : يقدم الإسلام والثقافة العربية الإسلامية كبنية فكرية ذات نزعة شبقية تتجلى في كيفية التعامل الاحتقاري مع المرأة كجسد هو موضوع دائم للرغبة الجنسية فقط وفي القبول بتعدد النساء في الزواج ومن ثمة التركيز الدائم على مسألة قبول الإسلام نتعدد الزوجات والحريم والجواري وكذا الإلحاح الستمر على تعدد زوجات النبي ومن ثمة قبول القائلين منهم بأن الثقافة العربية الإسلامية هي ثقافة متعة جسدية بدون حب وثقافة انحراف ولواطة (11)أما فكرة الاستبداد السياسي وغياب الحرية ، فهي تنويع على فكرةالاستبداد الشرقي الشا ئعة في الثقافة الغربية عموما وفي الثقافة الألمانية على وجه الخصوص والتي يوظفها هيجل في تحليله للدولة في العالم الإسلامي. ففكرة الحرية نشأت حسب هيجل لدى اليونان والرومان وتدرجت عبر المسيحية لتسم العالم الغربي الحديث وتميزه عن غيره فيما سمي بالنزعة الإنسانية والذاتية كحرية وعقل وإرادة وذلك في مقابل عالم لا وجود فيه لفرد حر، ولا لحرية الاختيارالفردي. وأخيرا الوثنية: فالمحمدية كما يسميها الغربيون أقرب ما تكون إلى الديانة البشرية الوثنية فنبوة محمد مشكوك فيها بالنسبة لهم ، والقرآن ليس علامة على النبوة بسبب تناقضاته وامتلائه بحقائق تتعارض مع ما ورد في التوراة والإنجيل اللذين يدعى تكميلهما . يوجز الباحث السوفييتي جرانوفسكي في كتابه الإسلام و <المسيحية> عناصر هذه الصورة النمطية السلبية للإسلام في الوعي المسيحي بقوله "إنه عقيدة ابتدعها محمد، وهي تتسم بالكذب والتشويه المعتمد للحقائق, إنه دين الجبر والانحلال الأخلاقي، والتساهل مع الذات، والشهوات الحسية. إنها ديانة العنف و القسوة " (12).
ب- بعض ملامح الصورة النمطية السلبية للمسيحية في الوعي العربي الإسلامي الصورة النمطية العامة للغرب الأوروبي المسيحي في الثقافة و الوعي العربيين هي أيضا صورة سلبية و عدائية و إن بصورة أقل. فهي تطال الموقف من عيسى و من الأناجيل ، و من المرأة في المجتمعات الأوروبية و العنف.دأب المسلمون على تسمية ماعداهم بالنصارى أو الكفار أو الإفرنج أو الأعاجم، أو بأهل الكتاب في أحسن الأحوال، وكانت صورة أوربا في القرون الثمانية الأولى للإسلام غامضة يشار إليها أو تندرج ضمن "ممالك الكفار" أو "دار الكفر" . ولعل صورة الأوربيين أو الغربيين لم تأخذ في التبلور في الفكر العربي الإسلامي الحديث إلا ابتداء من القرن السابع عشر (13) . و إذا كانت الشعوب الأوربية تعتبر ما عداها بربريا أو وقحا و همجيا، فإن العرب بدورهم كانو يعتبرون ما عداهم أعاجم (14) ، والعجمة تعني في معناها المباشر اللكنة، و الإبهام وعدم الإفصاح في الكلام ، والخرص لكنها تعني أيضا انعدام اللياقة في الكلام و قلة الأدب وما يماثل الهمجية. فالصورة القدحية هي صورة متبادلة. فإذا كان المسيحيون ينعتون المسلمين "بذرية قابيل" أو "عبيد سارة" أو "أبناء الجارية" أو "المحمديين الملعونيين" ، فإن الثقافة العربية الإسلامية لا تعد مصطلحات و تسميات قدحية من قبيل "عبدة الصلبان" و"الجنس الملعون" وأصحاب"العقل الظلماني" (15) و"الكفرة بالله"والإفرنج لعنهم الله وأخذلهم ( 16) ودمرهم لضلالاتهم وكفرياتهم ( 17) .وفى المغرب اعتبر المسيحى الاوروبى النصرانى إلى حدود متأخـرة جيفة (Charogne) ودنسا. غالبا ما يذكر العرب القدماء النصارى أو الإفرنج مصحوبين بالدعوات عليهم باللعنة والخذلان . فكتاب "الاعتبار" لأسامة ابن منقذ على سبيل المثال ، وهو كتاب يعكس رد الفعل الإسلامى على الحروب الصليبية ،لا يكف عن تسيطر الشتائم للإفرنج خذلهم الله، ولعنهم . يقول ابن منقذ "سبحانه أنه الخالق الباري الذي إذا خبر الإنسان أمور الإفرنج. و رأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة فضيلة القوة و الحمل إنهم لعنهم الله، جنس ملعون ، لا يالفون لغير جنسهم ، فالله تعالى يطهر الدنيا منهم .... إلخ (18). وفى العصر الحديث نجد أن الرحالة وكتاب المذكرات السفارية وغيرهم ممن احتك بالأوربيين يتحدثون عنهم وعن مجتمعهم وحضارتهم ومخترعاتهم بإعجاب كبير ، لكن كل ذلك مصحوب بتحقير وحقد وشتائم فى حقهم .في رحلته إلى باريزسنة 1860 يصف المبعوث السلطانى المغربي محمد ابن إدريس العمراوى حفلة راقصة شاهدها فى باريز ، حيث يقول في رحلته "تحفة الملك العزيز" "تعاطوا كؤوسا أمر من الحنظل يسيغونها بنتن ذلك الدخان ، وخرجوا يعربدون كالخنازير ويرقصون كالقردة ، وينهقون كالحمير، وجوههم بالحلاق مشوهة وحديثهم صفير ونفير وقهقهة". ويقول عن النساء الاوروبيات "فقد بلغنا أن جلهن يتعاطين الفواحش. والغيرة في أزواجهن نادرة جدا، والزنى في الرجال غير معاب" (19). إلا أن ما يميز الكتابات العربية الإسلامية هو اعترافها بنبوة عيسى ابن مريم وعدم المجادلة فيها ، واحترام شخص المسيح. وبعكس المسيحية فإن الإسلام والمسلمين، بمختلف مللهم ونحلهم ، لم ينكروا نبوة عيسى ولم يسخروا منه أو يباذؤوه أبدا ، بل إنما يجادلون في قضايا معروفة هي ألوهية المسيح ، والتثليت وصحة الاناجيل، والفداء والصلب.... 5- نحو تجاوز الصور النمطية السلبية و شروط إمكانية حوار تواصلي في أفق سلمية مثلما أن الأحكام المسبقة تتولد، على الرغم من تسميتها كذلك,عن احتكاك ، وصراع ، وعناء تاريخي، فإن التخلص منها أو الحد من غلوائها، أو على الأقل وضعها، منهجيا أو مؤقتا ، بين قوسين ليس مسالة يسيرة ، بل هو مسعى يتطلب الكثير من العناء و المراجعة و النقد المزدوج للذا ت كما للآخر. فالصراعات الحالية، و اصطدام الثقافات، الذي هو على الرغم من كل كلام إيدلولوجي ، واقع حي , تفرض اليوم، بالدماء و الدموع ، ضرورة الفحص النقدي لهذه الأحكام من لدن الطرفين كليهما. ولعل أول إيجابيات هدا الوضع التقابلي هو الوعي بمسبقية الأحكام ، وبالركام الكثيف من التصورات التحقيرية، والضباب المتلبد من الأحكام السلبية التي تكونت عبر القرون، وبأن إقامة حوار ثقافي عميق بين الثقافات، أي حوارا تواصليا و تفاهميا لا مجرد حوار شكلي ، يتطلب: أولا : الوعي بالطابع المسبق أو القبلي للكثير من المواقف و الأحكام الجاهزة.ثانيا : تشخيص كتل السلبيات و الأوهام و الأوهام المضادة.ثالثا: شحذ إرادة التواصل و التفاهم وإقرار إرادة الحوار وآلياته وطرائقه. رابعا: الوعي بأن ثقل الحاضر، المتمـثل في تفاوت توزع القوة والمعرفة على مستوى العالمي اليوم، لا يقل تأثيرا في الأحكام والمواقف، عن ثقل الماضي و تصوراته و أحكامه السلبية المتراكمة. خامسا: تنقية مفهوم الحوار ذاته من المسبقا ت المترسبة من التصورات و الأحكام المضمونية المسبقة. فالحوار يجب أن يكون من أجل التفاهم، والتفهم، والتبليغ، والتواصل. وبالتالي فهو يتطلب إصاخة السمع من كل طرف للآخر، والإصغاء العميق لدلالات ومكنونات ألفاظ، الحوار والابتعاد قدر الإمكان عن محذرين رئيسيين قاتلين: أ- الحوار من حيث هو هداية ووعظ و إرشاد بهدف العودة إلى الطريق المستقيم أو إلى جادة الصواب أو إنقاد من الضلال أو من التيه في ليل عالم التقنية واللامعنى وإنكار القيم . ب- الحوار من حيث هو تقويم ، وتنوير، ومحاولة لإخراج المحاور من بداوته، وفواته، وتخلفه، ومن انغلاقه في أوهامه الألفية. فكلا الموقفين يعكس سطوة وهيمنة واستمرارية الأحكام المسبقة السلبية كما يشي بمواقف متعالية ومتفوقة إما من منظور تراثي عتيق أو من منظور حداثي استعلائي. وبالتالي فهذان الموقفان معا، يمكن أن يؤديا إلى نقيض مقاصدهما، ويتحولان من جسور إلى عوائق. سادسا: تكمن خلف هذه المواقف مسالة فكرية وفلسفية في غاية الأهمية وهي ضرورة الاعتراف أو واجب الاعتراف (La reconnaissance)بالآخر. وهذا الاعتراف ذو شقين: الا عتراف الوجودي أو الاعتراف بحق الوجود أو بالحق في الوجود، والاعتراف الاختلافي أي الاعتراف بالحق في الاختلاف والتميز على كافة المستويات، وذلك ردا على إرادة الصهر والطمس والتسوية إما باسم نموذج أثرى أو في إطار ديناميكية كونية للصهر والمجانسة والتوحيد. إن الإقرار بفكرة الاعتراف فى بعدها الوجودى والاختلافي، يقوم بدوره على مسلمة أولية هى المساواة والندية، في إطار وحدة الجنس البشرى. وأخيرا فإن الحوار التواصلي يجب أن يندرج في إطار منظور جيوا سترا تيجي قوامه تلافى الحروب وفرض السلم. فقد بلغت البشرية درجة من التطور والنمو العلمي والتقني الذي شاعت وتعممت نتائجه، كما بلغت من تلاحم المصير درجة أشبه ما تكون بتوازن الرعب، وهو الأمر الذي يفرض اليوم بقوة وحدة المصير ووحدة المخاطر، وضرورة التضامن المصيري والوعي بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة. إن إقامة حوار وتفاهم بين هذين الثقافتين المتصارعتين منذ القديم يقتضي قبل كل شيء التعرف على طبقات الأحكام السلبية المتراكمة عبر العصور والتي تعود إلى صراع قديم بين المنظومتين الثقافيتين، وهو الصراع الذي تجددت واستفحلت شروطه في العالم المعاصر حيث أصبح الصراع بالإضافة إلى خلفياته الميتافيزيقية والثقافية صراعا استراتيجيا، صراع مصالح وخاصة بعد أن أصبح الغرب في شقيه الأوروبي والأمريكي هو القطب المهيمن كليا على العالم العربي الإسلامي في توقه إلى تحقيق التقدم والنهوض وإدراك الحداثة بينما يجد نفسه مؤطرا بأغلال الغرب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، وبالتالي يجد نفسه مدعوا أولا إلى التحرر من هيمنة الغرب وقوته وغزوه الاقتصادي والتكنولوجي والفكري كمقدمة لنهضته الحضارية المأمولة.
الهوامــش:
Claude Levistrausse : Race et Histoire * أستاذ الفلسفة بكلية الآداب – الرباط – المغرب. (1) أنظر في هذا الصدد
Mohieddine : Islam et occident : Deux imaginaires de l’adversité . IREA Plus – France 1995 p 82 - 83 (2) أنظر: أ. جرانوفسكي : الإسلام والمسيحية. عالم المعرفة. الكويت 1996 ص 70 <3>
(4) المرجع نفسه ص 81 (5) الإقتباسات السابقة حول موقف الأدباء والكتاب الفرنسيين من الإسلام والمسلمين من كتاب محيي الدين المذكور آنفا حول الإسلام والغرب. حيث هي معروضة بالكثير من التفصيل والتوثيق. (6) زينب عبد العزيز : الغرب والإسلام ص 14 (7) جيرنوث روثر : الإسلام والغرب الحوار المفقود جريدة الحياة لندن 7 شتنبر 1999 ص 23
(8) Hegel et l’Islam, Annales de philosophie N° 3 (1982). L’université Catholique de Beirut, p 55 – 75 .
(9) Hicham Djaït, l’Europe et l’Islam, p 93 (10) أنظر محمد نور الدين أفاية، الغرب المتخيل : صورة الآ خر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط، أطروحة دكتوراه، مرقومة، قدمت بكلية الآداب بالرباط، 1988، ص 133 (11) جرانوفسكي، ص 74 ؛ وجعيط، ص 34. (12) إليكسي جرانوفسكي <<الإسلام والمسيحية، الكويت >> عالم المعرفة، نوفمبر1996 ص 75 (13) خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، بيروت، 1983، ص 27 (14) وقد قصد بهم في الأصل الفرس ثم تعمم هذا اللفظ وتوسع ليشمل كل الأغيار. (15) الطاهر الفاسي، الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية، مطبوعات جامعة محمد الخامس، الرباط، 1965.(16) أنظر : أفاية، الغرب المتخيل، ص. 223 – 227 ؛ وجرانوفسكي، ص 73 و 77 (17) محمد عثمان المكناسي : الأكسير في فكاك الأسير، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي جامعة محمد الخامس 1965 الرباط ص 69(18) عن الغرب المتخيل، ص 223 – 239 (19) محمد بن إدريس العمراوي، تحفة الملك العزيز بمملكة باريز، الرباط، ص 50 و 93 و 94


شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 11:29   رقم المشاركة : 35
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

جدل الكونية والخصوصية


محمّد سبيلا
تقدم النصوص الأساسية (مواثيق – معاهدات – قرارات - ...) لحقوق الإنسان، سواء منها ما هو صادر عن هيئات دولية كالأمم المتحدة أو المنظمات التابعة لها، أو عن هيئات إقليمية (الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان – الميثاق العربي لحقوق الإنسان – الميثاقان الإسلاميان...)، تقدم هذه الحقوق على أنها حقوق شمولية للنوع البشري، وأنها، على الرغم من وجود جذور لها في الثقافات الخاصة أو المحلية، هي حقوق موجهة إلى كل البشر بغض النظر عن اللون، أو الجنس، والعرق، واللغة، والوطن أو النظام السياسي. والنـزعة الشمولية أو الكونية لهذه النصوص لا نجد لها سدى في النصوص الأولى المدشنة لثقافة حقوق الإنسان في العصر الحديث. "فالوثيقة الكبرى"، التي هي أول نواة قانونية في العالم لحقوق الإنسان، والتي جسدت الحقوق التي انتزعها البارونات الإنجليز من الملك جان سنة 1215(1 ) ذات طابع خصوصي ومحلي واضح سواء في أسلوبها أو في نوع الحقوق التي تعترف بها لمن هي موجهة إليهم، فهي لا تضم كلمة إنسان بمعنى النوع الإنساني بتاتا، بل ورد فيها الحديث عن بعض الناس فقط (12 من الناس كشهود البند 20). ونفس الشيء يصدق على إعلان الحقوق الإنجليزي الذي قدم إلى الملك غيوم ومارس دورانج 1688 في جلسة خاصة في البرلمان بهدف الحد من سلطات وصلاحيات النظام الملكي في إنجلترا آنذاك. فهو يكاد يكون خاليا من الوجه إلى الإنسان عامة أو إلى عموم البشرية، وهو أيضا خال تقريبا من استعمال كلمة إنسان (بمعناها النوعي). وهذا يصدق أيضا على النصوص الأمريكية اللاحقة (إعلان استقلال الأمريكي 1776، دستور الولايات المتحدة الأمريكية 1787). أما النص الذي تبنى خطابا ذا نزعة إنسانية شمولية فهو "الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن" (1789). فهو يختلف عن سابقه بطابعه الشمولي والتجريدي بل والتنظيري، وكأنه موجه للبشرية جمعاء، وذلك ابتداء من العنوان نفسه الذي يشار فيه إلى الإنسان بإبراز كلمة H مما سينعكس على النص كله تقريبا. والجملة الأولى من البند الأول من هذا الإعلان تعكس النـزعة الشمولية التي طالت معظم بنوده إذ تنص على أن "الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الحقوق".وستنتقل هذه الروح الشمولية إلى النصوص الدولية لحقوق الإنسان وبخاصة في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" 1948 الذي ينطلق من مصادرة أساسية هي الكرامة الأصيلة لكل أعضاء الأسرة البشرية وما يترتب عنها من حقوق متساوية وثابتة. ثم ينص في المادة 2 على أن لكل إنسان الحق في الحقوق الإنسانية بغض النظر عن "العرق أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر". ومعظم البنود اللاحقة تتوجه إلى الإنسان عامة أو إلى جميع الناس أو إلى كل فرد، إذ يبدأ معظمها بالصيغة: لكل فرد، لكل إنسان، الناس جميعا...ويمكن أن نلاحظ بأن هذا التوجه الكوني سيترسخ ويتعمق بالتدريج في المواثيق الدولية حيث نجد أن الجيل الثالث من حقوق الإنسان لا تكتفي بالحديث عن عموم الناس، بل عن الإنسانية برمتها، وعن حقها في الاحتماء من مخاطر الطبيعة أو في اقتسام خيراتها. من خلال ما سبق يتبدى لنا أن ثقافة حقوق الإنسان هي ثقافة نوعية للجنس البشري برمته، فهي لا تتوجه لإنسان دون آخر أو لأمة دون أخرى، بل تعكس وعيا نوعيا لحقوق الناس والإنسان. فهي بدرجة أو بأخرى تفترض وحدة الجنس البشري، وتضع بين قوسين الفروق والاختلافات من مختلف الأصعدة. بل إنها تكاد تفترض "إنسانية متجانسة وغير متمايزة"(2
)، وهو مجرد افتراض يكذبه واقع الاختلاف والتباين. كما أن هذا التصور يكاد يعطي أولوية للفرد البشري، مهما كانت صفاته، على الفرد الملموس وعلى الجماعة(3)، وذلك على الرغم من أن هنالك حقوقا للجماعات والفئات. من أهم المصادرات الضمنية لفلسفة حقوق الإنسان النظر إلى الإنسان، كغاية ذات قيمة عليا وكمركز لكل ما يجري في هذا العالم، بل إن البعض رأى فيها بعدا نرجسيا نوعيا يعكس إعلاء الإنسان لنفسه ضمن بقية الكائنات وضمن العالم ككل.وبالإضافة إلى ذلك فإن منظومة حقوق الإنسان تصادر على الإنسان ككائن مدني، عاقل، وإرادي(4)، متميز بالكرامة وتواق إلى الحرية.يبدو أن هذه الكونية والشمولية نفسها تتكون من عدة مقويات:
1.الكونية والشمولية المتمثلة في المضمون والمدلول ذاته والمتمثل في الكرامة والقيمة، والمساواة، والعدل، وغيرها من القيم المثالية السامية التي تنادي بها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
2.الكونية المتمثلة في مقصد الخطاب الحقوقي الإنساني نفسه من حيث أن هذه الحقوق موجهة لكل الناس، في كل بقاع العالم، لا إلى قوم دون آخرين، أو لثقافة دون أخرى، أو فئة دون أخرى سواء كانت فئة عرقية أو اجتماعية أو ثقافية أو غيرها. فالناس كأفراد للنوع البشري وكأعضاء متساوين، وكاملي العضوية في الإنسانية هم المخاطبون المقصودون في هذا الخطاب.
3. إن هذا الخطاب اتخذ صبغة عالمية قانونية من حيث أن كل دول المعمور إما أنها قد صادقت أو هي في طور الاتجاه نحو المصادقة عليه. فهو ليس خطاب معسكر دون آخر أو مجموعة حضارية دون أخرى. بل إن هذه المصادقة العالمية القانونية والرسمية عليه من طرف دول المعمور قد اكتسبته بالتدريج قوة القانون، ونقلته من مجرد كونه مثلا جميلة، وقيما يهفو الجميع إليها إلى كونه إحدى مصادر التشريع في معظم دول المعمور. والبيان العالمي نفسه (البنود 27 و29) يعلن أن هذه الحقوق كونية شمولية لأنها تتوجه إلى كل الأمم والشعوب، وكل المنظمات الاجتماعية وكل الأفراد.
- المدارات الداخلية والخارجية للصراع: إلا أن الإقرار والاعتراف النظري الصريح بكونية هذه الحقوق -على المستويات الثلاث المذكورة في الفقرة السابقة- لا يحل مشكل الكونيةمن حيث دلالتها وبعدها المرجعيين.فعندما تنسب الكونية للغرب ولثقافة الغرب باعتبارها نموذج كل ثقافة كونية، فإن الأمر يولد جدالا لا حد له، ويثير مآخذ من جانب الفضاءات الثقافية الأخرى المنافسة للثقافة الغربية. وهكذا تطرح من جديد صراعات حول المرجعية: هل المقصود بالكونية هو الثقافة الغربية؟ وهل الثقافات الأخرى لم تسهم في بلورة هذه الحقوق؟ وإذا كانت هذه المرجعية الغربية شمولية وكونية حقا فلماذا تتجه إلى طمس معالم الخصوصيات الثقافية عامة وفي موضوع حقوق الإنسان ذاته؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المحرجة.وبجانب هذا الوجه النظري للصراع حول المرجعيات، هناك شق آخر عملي وسياسي. إذ لوحظ أن التمسك بالقول بالخصوصية إنما هو قول حق وراءه باطل لأنه غالبا ما يكون مطية لإخفاء بعض أشكال القمع وعدم احترام حقوق الإنسان، كما يكون أحيانا "مطية للتحلل من التزامات قانونية وواجبات إنسانية"(5
). وعلى المستوى الأول النظري نلاحظ بأن القول بالخصوصية الثقافية إنما هو محاولة لتبرير التعارضات التي يتم تسجيلها بين ممارسات اجتماعية خاصة حول المرأة أو الطفل أو الإرث أو غيرها مما يستلزم حماية هذه الخصوصيات وتحصينها والدفاع عن وجاهتها.من بين الأمثلة التي يتداولها الدارسون حول التعارض بين الكونية والخصوصية في مجال حقوق الإنسان بعض تقاليد وممارسات التطهر عن طريق الإيلام الجسدي في كل من البوذية والهندوسية، وما ماثلها من حدود وعقوبات جسمية قاسية كقطع اليد، والجلد، والرمي بالحجارة(6) وضرب الأطفال والنسوة، وختان النساء؛ وهي ممارسات تتعارض مع بعض مبادئ حقوق الإنسان كالحق في سلامة الجسم، وحظر التعذيب والإيذاء الجسمي.ومن بين نقط التعارض بين الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والمبادئ الشمولية وصاية الأب على ابنته في التزويج أو عدمه(7) مما يتعارض مع بعض الحقوق والحريات التي تسندها شرعة حقوق الإنسان إلى المرأة، ومنها أيضا الحق في الاعتقاد الديني حيث تحرم بعض الديانات كليا على المؤمن أن يتخلى عن دينه الأصلي ليعانق دينا آخر، مما يتعارض مع الحقوق العقدية للأفراد التي قررتها المواثيق الدولية وبخاصة ما تعلق منها بحرية التفكير والضمير والمعتقد، والتي نصت عليها العديد من المواثيق الدولية وبخاصة في النص النهائي الصادر عن ندوة هلسنكي المنعقدة سنة 1975 حيث "تلزم الدول المشاركة باحترام حريات الفرد في ممارسة وتعليم الدين أو المعتقد وحقه في أن يتصرف وفق ما يمليه عليه ضميره" (النص الصادر عن ندوة هلسنكي 1 غشت 1975 المادة 7). لكن هذه الخصوصيات لا تقتصر على دول الجنوب وحدها بل إن العديد من العادات والطقوس الاجتماعية في دول الغرب نفسها تقف حجر عثرة في سبيل تطبيق يومي لشرعة حقوق الإنسان. فبعض مظاهر العنصرية أو كراهية الأجانب في دول الغرب تتنافى كليا مع المبادئ الحقوقية الكونية. فوضعية الأكراد والأتراك في ألمانيا مثلا، ومعاداة العرب في فرنسا وفي غيرها من الدول الأوربية هي بالتأكيد ممارسات خاصة تتنافى مع المبادئ والمثل المعلن عنها والمتبناة سياسيا.لذلك يمكن الجزم بأن هذه المسائل محسومة على المستوى النظري الخالص، لكنها ما تزال من الناحية العملية تطرح عدة إشكالات. بل إن هذه المسألة الشائكة المتعلقة بالخصوصية والكونية أصبحت أحيانا مصدر خلاف وصراع سياسي واضح في العديد من المؤتمرات الدولية المعقودة حول الموضوع. فدول الجنوب تتجه، بدرجات متفاوتة، إلى الربط بين الكونية والسيطرة. فالكونية المتمسك بها من طرف الدول الغربية، ما هي في نظر الكثيرين إلا قناع هيمنة وأداة سيطرة ووسيلة استلحاق سياسي واجتماعي وثقافي لدول الجنوب بدول الشمال. بل هي في بعض الأحيان أداة للتدخل في شؤون هذه البلدان لتوجيهها في المسار المطلوب. وربما يكون "حق التدخل" الذي جرى حوله نقاش عالمي مؤخرا ما هو في النهاية إلا حصان طروادة الذي يعطي للدول القوية في الشمال، بصورة استعمارية جديدة ملطفة، حق التدخل في الدول الأخرى باسم أهداف إنسانية أو حماية لحقوق الإنسان فيها.والجدير بالذكر أن مقولة حقوق الإنسان ذاتها قد استعملت منذ بداية توظيفها السياسي بقوة في الغرب، كأداة إيديولوجية هجومية. فقد سلطت لفترة طويلة على بلدان المعسكر الشرقي، وعلى الاتحاد السوفيتي السابق، إذ شكلت رأس الرمح في الهجوم الإيديولوجي على هذا المعسكر. لذلك فليس من المستبعد اليوم توظيفها واستثمارها ضمن أدوات أخرى لإحكام السيطرة على دول الجنوب.وبالمقابل يلاحظ أن دول الشمال تبلور خطابا هجوميا آخر قوامه أن تمسك العديد من الدول المتأخرة بخصوصيتها الثقافية، ومقاومتها للنـزعة الكونية لحقوق الإنسان، ليست في المدى الأقصى إلا وسيلة لإخفاء مظاهر انتهاكها المستمر لهذه الحقوق، وتبريرا ثقافيا لهذه الانتهاكات. والأدهى من ذلك أن هذا النقاش الحاد حول الكونية والخصوصية أصبح إحدى مدارات الصراع السياسي في دول الجنوب نفسها.
- هل الخصوصية مجرد تبرير للتجاوزات والانتهاكات؟: على الصعيد الدولي تبين أن النقاشات المطولة التي دارت في الأعمال التحضيرية للمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا سنة 1993 أظهرت نوعا من التقابل الواضح بين عالمية حقوق الإنسان وخصوصية الواقع الاجتماعي والثقافي في الكثير من البلدان، بل تبين أثناء أعمال اللجنة التحضيرية للمؤتمر، التي استغرقت ثلاث سنوات، أن العديد من دول العالم الثالث، ومنها العديد من الدول العربية، كانت تميل إلى الدفاع عن الخصوصية لا فقط من حيث هي "واقع ثقافي واجتماعي وحضاري لا جدال فيه، بل كانت تعمد إلى استغلال هذا المعطى الثقافي "كقناع يخفي انتهاكات حقوق الإنسان في بلادها"(8
). كما أن صراعا حادا كان قد حدث في المؤتمر العربي لحقوق الإنسان الذي عقد في القاهرة قبل ذلك سنة (أبريل 1992) بمبادرة من اتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، وقد حضره ممثلون عن المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان؛ إذ اتخذ أعضاء المؤتمر موقفا واضحا معارضا لاستغلال الدول العربية لمفهوم الخصوصية من أجل تقنيع وتبرير انتهاكاتها لحقوق الإنسان أو لتحللها من للالتزامات الدولية في هذا الموضوع بل لقد أشار قرار المؤتمر إلى أن "الحكومات العربية تنظر إلى مفاهيم حقوق الإنسان على أنها إطار جديد لممارسة المعارضة السياسية"(9). كما نص التقرير الصادر عن منتدى المنظمات غير الحكومية المنعقد على هامش المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا، والذي عكس صدى الصراع حول المدارات الثقافية والسياسية لمسألة الخصوصية، على أنه "قد تم التأكيد القوي، وبما لا يدع مجالا للشك، على أن كل الحقوق الإنسانية عالمية في طبيعتها، وهي تقبل التطبيق بشكل متساو في إطار شتى التقاليد الاجتماعية والثقافية والقانونية. والادعاءات القائلة بالنسبية لا يمكن أبدا أن تبرر انتهاكات حقوق الإنسان في أي ظرف من الظروف".وهكذا يبدو أن النقاش حول مسألة الكونية والخصوصية لم تبق مجرد نقاش أكاديمي أو نظري خالص، بل أصبح نقاشا ذا أبعاد سياسية محلية (صراع سياسي وإيديولوجي بين النخبة الحاكمة والمعارضة) ودولية (بين دول الشمال ودول الجنوب في المنظمات الدولية) وما بينهما.لكن ذلك لا يعني أنه نقاش مفتعل، بل على العكس، فإن تلك الصراعات والآثار السياسية المحلية والدولية، إنما تعكس، في زاوية منها، عمق التعارض والاختلاف بين الخصوصيات الثقافية والنزعة الكونية الملازمة لمقولة حقوق الإنسان.وسنكتفي هنا في هذا القسم بملامسة بعض النقط التي يبدو فيها نوع من التعارض بين المنظومتين، بأمل أن يقود طرح المشكل نفسه بألفاظ موضوعية إلى فتح إمكانية تلمس بعض الحلول التوفيقية الملائمة، أو على الأقل إلى إمكانية إيجاد التفسيرات الملائمة على الأقل لهذا التعارض(10). ورد في المادة الثانية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن "لكل إنسان الحق -دون تمييز، خصوصا من حيث القومية أو اللون أو الجنس أو اللغة، أو الدين أو الاعتقاد السياسي- ... في التمتع بكل الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان".ويقابلها في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان مادة ورد فيها:"جميع الناس متساوين في أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية دون تمييز بينهم بسبب العرق أو اللون أو اللغة، أو الإقليم أو الجنس، أو الانتماء السياسي، أو الوضع الاجتماعي أو غير ذلك من الاعتبارات". ومن الواضح أن الإعلان الإسلامي يستثني الدين من هذه الاعتبارات وذلك انطلاقا من النزوع الكوني والشمولي للإسلام نفسه من حيث هو دين بل آخر دين، يتوجه نحو كل المؤمنين بالله.ونفس الملحوظة تسجلها الدراسة المقارنة فيما يخص مسألة الزواج. يرد في المادة 16 للإعلان العالمي أن "لكل رجل وامرأة بالغين الحق في الزواج وتشكيل العائلة، دونما تحديد عرقي أو قومي، أو من حيث الجنسية أو الدين". بينما تنص المادة الخامسة من الإعلان الإسلامي على أن "للرجال والنساء الحق في الزواج، ولا تحول دون تمتعهم بهذا الحق قيود منشؤها العرق أو اللون أو الجنسية" وذلك دون ذكر للدين لأن للدين الإسلامي الحنيف يضع قيودا واضحة على الزواج من غير المسلمات إذ يشترط عليهن إعلان إسلامهن حيث يرد في سورة البقرة: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن" (الآية 221). من مظاهر التعارض الواضحة كذلك ما تعلق بمسألة حرية أو حق تغيير المعتقد. تنص المادة 18 للإعلان العالمي على أن "لكل أحد الحق في التمتع بحرية الفكر والوجدان، والدين، وهذا الحق يشمل حرية تغيير الدين أو العقيدة". في حين تنص المادة 22 من الإعلان الإسلامي على أن "لكل إنسان الحق في حرية التعبير والرأي، بكل وسيلة، وفي حدود المبادئ الشرعية"، وهذه المبادئ تقوم على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. والشريعة الإسلامية تقف مسألة تغيير الدين موقفا مناهضا كما يعبر عن ذلك الحديث النبوي الشريف كما ورد في صحيح البخاري "من بدل دينه فاقتلوه".ويبدو أن تحريم مسألة تغيير الدين، وبخاصة الإسلام، ترجع إلى حرص الدولة الإسلامية على حفظ الدين وحمايته من الانحراف أو الارتداد الذي يمكن أن يسبب ضررا أو خللا في المدينة الإسلامية مما أوجب منعه وإقامة حكم المرتد ضد كل من جاهر بالخروج منه والكفر به.من القضايا التي تطرح بصددها العديد من التعارضات مسألة حق التربية والتعليم، وهو حق يعترف به الإعلان العالمي مثلما يعترف به الإعلان الإسلامي إلا أن الإعلان الأول يعطي الأولوية للوالدين فيما يخص نوع التعليم والتربية المقدم للأبناء (المادة 26 فقرة ح من الإعلان العالمي) في حين تنص المادة المماثلة من الإعلان الإسلامي على "حق الآباء" في اختيار نوع التربية التي يريدونها لأبنائهم. وهناك العديد من القضايا التي يبدو فيها التعارض كمسألة الحاكمية أو الحق الإلهي في الحكم من المنظور الإسلامي مقابل الشرعية الانتخابية والدستورية في النظام السياسي الحديث.فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في مادته 29 (الفقرة ب) على أن "كل فرد في مجال الحقوق والتمتع بالحريات لا تحده إلا الحدود التي يضعها القانون في إطار مجتمع ديمقراطي" بينما نجد الإعلان الإسلامي يقيد كل الحقوق السياسية بأحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها "المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح" مواد الإعلان.وكثيرا ما تظهر بعض أشكال التعارض بين القوانين المدنية والجنائية المصطلح على تسميتها بالقوانين الوضعية والقوانين والتشريعات الدينية(11). ولعل دور الاجتهادات الإسلامية والعربية والأفريقية والأسيوية وغيرها هو بالضبط تكييف الشرعة العالمية مع التشريعات الخصوصية أحيانا، والحد من غلوا الأولى أحيانا، وإضفاء شرعية ثقافية عليها أحيانا أخرى وفي إطار نوع من الحوار الدائم بين الثقافتين، وذلك لأن هذه المسائل هي قضايا خلافية وحضارية عميقة قد لا يتيسر حلها على المدى القصير بل يتطلب حلها اجتهادات وغربلات وتكييفات مستمرة.هذه التعارضات إذن ليست مجرد خلافات مفتعلة أو صراعات يتم استغلالها سياسيا وإيديولوجيا بل هي بالفعل قضايا يبدو فيها نوع من التعارض القوي، قد يتسع وقد يضيق، بين مرجعيتين مختلفتين.في مستوى أول تدخل المرجعية الخصوصية في عملية مزايدة وتنافس لإثبات قدرتها وتفوقها في مجال التنصيص على حقوق الإنسان، ممارسة نوعا من الاجتهاد والتأويل والحفر في تراثها للتكيف مع السياق العالمي الذي تفرضه هذه الإيديولوجيا والثقافة السياسية الجديدة. لكنها في مرحلة ثانية تجد نفسها مدعوة إلى تحصين نفسها والدفاع عن ذاتها تجاه حقوق بلا ضفاف وبلا حدود، فتنخرط في عملية غربلة للقيم الكونية وتسييج لذاتها في نوع من الدفاع عن الذات والذود عن الأصالة وترسيخ الخصوصية. هكذا يبدو وكأن الثقافات المدافعة عن الخصوصية تستعمل معيارين مختلفين بنوع من المرونة الفريدة. فعندما يتعلق الأمر بمزاوجة القيم الحقوقية الكونية تتجاوز الخصوصية اختلاف الأنسجة الثقافية والمقدمات الفكرية، وتباين العصور والبنيات الفكرية؛ أما عندما يتعلق الأمر بمقاومة الإلحاق والتذويب، بالنسبة لقضايا كالمرأة والجنس والطفل وغيرها فإن الثقافة المقاومة تستنفر كل قواها الدفاعية لتحصين ذاتها والذود عن خصوصبتها مستثمرة معايير كانت قد أرجعتها في المرحلة السابقة إلى مرتبة ثانوية، مما يعكس مرونة فائقة في كلتا الحالتين، لدرجة أنه عندما يبلغ التعارض أشده فإن المعايير تتداخل وتشتغل الآليات الانتقائية والدفاعية بشكل كثيف، ويحل الصراع والتمايز الذي كان مستبعدا في مرحلة أولى محل التوفيق والتكييف الذي كان المعيار الأساسي في مرحلة سابقة.
- الخلفيات الفلسفية والإيديولوجية للكونية: ظهرت في العقود الأخيرة، خلال مناقشة الأوجه والأسس المختلفة لثقافة حقوق الإنسان، اتجاهات تجتهد في إبراز الخلفيات الإيديولوجية المختلفة لهذه الثقافة ولنزعتها الكونية.– هل الكونية مجرد إيديولوجيا للسوق:يرى العديد من الباحثين أن الصفة الكونية الملصقة بحقوق الإنسان هي مجرد نزعة عالمية (Mondialisme ) وربما عولمية مرتبطة بتوسع السوق الرأسمالية على المستوى الكوكب، وإن استثمار الغرب لحقوق الإنسان هو استثمار إيديولوجي. فإلحاح الغرب على تطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (حق الملكية – حق الشغل، حق السكن...) ينطوي على مصدر خفي هو تحويل مواطن بلدان الجنوب إلى مستهلك عالمي في عالم تسوده وتحكمه الشركات العابرة للقارات. فتطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو تطبيق ذو تكلفة مرتفعة -على عكس تكلفة الحقوق السياسية التي تظل محدودة في كل الأحوال-، معناه تحويل هذه الكتل البشرية الهائلة إلى كتل استهلاكية لمنتجات الشركات الغربية الكبرى. وهكذا تتخذ منظومة حقوق الإنسان طابع إيديولوجيا حافزة على استهلاك وعلى الاندراج في السوق الرأسمالية العالمية فإذا كانت اتفاقيات الغات التي عقدت في مراكش قد استهدفت تكسير الحواجز الجمركية والقانونية التي تعوق تدفق السلع والرساميل عبر العالم، فإن إيديولوجيا حقوق الإنسان ستكون هي الغطاء الإيديولوجي المناسب الحافز على تحويل مواطني الجنوب إلى مستهلكين لمنتجات السوق الرأسمالية العالمية. لقد سعت الرأسمالية دوما إلى أن تجعل الإنسان كائنا اقتصاديا Homo Economicus بالدرجة الأولى أي كائنا تكون الدوافع الاقتصادية هي محركه الأساسي.كانت إيديولوجيا حقوق الإنسان في القرنين 18 و19 تعبر عن الآمال الكونية والفردانية لليبرالية الغربية، وعن النـزعة الكوسمويوليتية لدول الغرب. بل "إن البورجوازية الغربية كما يقول الباحث J.Touchard . تخلط قضيتها بقضايا الإنسانية برمتها". وقضيتها هي قضية الاقتصاد. سعادة السوق والمثالية الأخلاقية، الإنجيل والمال(12
).
– هل الكونية أداة هيمنة؟: يبين بعض الدارسين أن الطلب الإيديولوجي لحقوق الإنسان لا يقف عند حدود إيديولوجيا السوق بل يتعداه ليتحول إلى إيديولوجيا للهيمنة. فحقوق الإنسان من حيث منشؤها الداخلي في دول الغرب تعود إلى الصراع بين القوى السياسية المختلفة، فأول وثيقة لحقوق الإنسان في الغرب (الماغنا كارتا 1215م) جاءت نتيجة صراع سياسي داخلي في إنجلترا أدى إلى الحد من صلاحيات السلطة والاعتراف بحقوق النبلاء. بل إن البعض يرى أن إعادة ترتيب الوضع السياسي الداخلي بهذا الشكل وتعبئته إنما كان خدمة للعملية الاستعمارية الخارجية لحساب الطبقة البورجوازية في إنجلترا(13
). وقد أدى هذا الصراع السياسي الذي تولد عنه مفهوم حقوق الإنسان لأول مرة في التاريخ الأوربي إلى الحد من امتيازات السلطة الملكية في إنجلترا، مع الحفاظ على وجودها وعلى عدد من امتيازاتها بعد تحديد صلاحياتها، وعلى عدد من الامتيازات بالنسبة للوردات، وكل ذلك في أفق الاندماج في المشروع الرأسمالي الإمبراطوري.وفي الوقت الذي تطور فيه مفهوم حقوق الإنسان لصالح الشعوب الأوربية، كان الاتجاه الفكري السائد يبرر إبادة الشعوب الأخرى واصفة المتخلفة والبدائية منها باسم الرسالة التحضيرية التي يمارسها الإنسان الأبيض عبر عمليات الاحتلال والاستعمار المباشر، مما جعل خطاب الحقوق منذ البداية خطابا مزدوجا وثنائي المعايير. وقد صاحب ذلك تمييز واضح بين حقوق الإنسان في مجالها الغربي، وحقوق الإنسان في مجالها العالمي. بل إن فلسفة حقوق الإنسان في الغرب سارت جنبا إلى جنب مع عمليات استعمار الشعوب لاسيما عمليات إبادة الهنود الحمر في الأمريكيتين وشحن العبيد من أفريقيا إلى أمريكا الشمالية(14) واستعمار البلدان الأخرى والهيمنة عليها ونهب ثرواتها. تذكر الفيلسوفة السياسية، حنة أرنت في كتابها "الإمبريالية" بأن الدول الأوربية لم تكن في القرن 19 قادرة على ضمان حقوق الإنسان لأفراد لا ينتمون إلى أوطانها إذ لم تكن هذه الحقوق مضمونة إلا بالنسبة إلى المواطنين (Avents : L’impercalisme, Paris 1982, p.275 ).
وتخلص الباحثة من ذلك إلى أن المفاهيم الغربية لحقوق الإنسان لا تصلح للتعميم على المستوى الإنساني العالمي لأنها جزء عضوي من الحالة الغربية المعاصرة ومعادلاتها الداخلية والخارجية. لذلك نراها اليوم خاضعة للمعيار المزدوج كما نلمس استخدامها الفظ في خدمة سياسات الدول الكبرى للهيمنة على مصائر الشعوب الضعيفة(15
).
– هل هي انتقادات للكونية ذاتها أم لاستثماراتها؟:عند فحص الانتقادات الموجهة لمنظومة حقوق الإنسان باعتبار أنها أولا إيديولوجيا للسوق وثانيا إيديولوجيا للهيمنة، يتبين أن معظم هذه الانتقادات لا يطعن في الطابع الكوني لهذه الحقوق بقدر ما يوجه نقده إلى التوظيفات والاستعمالات والاستثمارات التي خضعت لها سواء باستعمالها كأداة صراع سياسي داخلي، أو ضمن صراع سياسي دولي، أو بتوظيفها كإيديولوجيا توحيدية للسوق أو كأداة للهيمنة السياسية على المستوى العالمي. ففي كل هذه المراحل نجد أن الأمر يتعلق بتوظيف مقولة حقوق الإنسان، وباستثمار سمتها الكونية دون المجادلة في الكونية ذاتها، اللهم إلا بالقول بأنها كونية غربية أو مقاسة وفق مواصفات الغرب.ولعل أهمية الانتقادين السابقين تعود إلى أنهما يكشفان فعلا عن بعض الخلفيات السياسية في استثمار مبادئ حقوق الإنسان، وفي أنهما، دون وعي منهما، لا يجادلان في الطابع الكوني لهذه الحقوق وإن كانا يدينان الاستثمارات التي تتعرض لها.
- عودة إلى الطابع الكوني: عود على بدء: كشف لنا الجدال القائم بين الكونية والخصوصية عن الاستثمار الخاص لمبادئ حقوق الإنسان في المنظورين معا: تسخير المثال كأداة لتبرير الهيمنة السياسية للغرب وكإيديولوجيا لتوسيع السوق الرأسمالية من طرف الغرب، ولتسخير المثال لإخفاء الانتهاكات باسم الخصوصية. إلا أن النقد المتبادل بين الطرفين لا يكاد يجادل في مدى كونية حقوق الإنسان بقدر ما يتطرق إلى استعمالها وتوظيفها في هذا الاتجاه أم ذاك. فالطرفان معا يتمسكان بالكونية، إلا أن أولهما يوظفها للهيمنة السياسية والتوسع التجاري بينما يحيل الطرف الثاني إلى الدفاع عن الخصوصية تحصينا للذات ضد التحديات الكونية التي يحملها خطاب حقوق الإنسان بمضمونه الكوني وإخفاء لبعض مظاهر انتهاكها. فالأمر في العمق ليس مجرد مجادلة في الطابع الكوني لهذه الحقوق بقدر ما هو كشف عن الاستعمال والتوظيف الإيديولوجي والسياسي لمنظمومة الحقوق، مما يجعل الكونية أمرا لا جدال فيه ولا غبار عليه حتى وإن كان استعمالها محط نزاع وموطن نقاش.ولعل هذه الكونية المتعددة المستويات سواء من حيث مقصدها ومضمونها أو من حيث مخاطبيها أو من حيث "عالمية" المصادقين عليها، هي كونية تترسخ يوما عن يوم وتكتسب مدلولا يكتسي كل يوم مرونة أكبر تجعله غير مصادق للخصوصيات الاجتماعية والثقافية.ويبدو أن مجال التعارض مهما بلغت قوته، يظل محصورا في قضايا محددة يمكن حصرها والقيام باجتهادات وتأويلات للتوفيق بينها. كما أن الطابع الكوني لهذه الحقوق يتعزز أكثر فأكثر بتكاثر وتناسل وتنوع هذه الحقوق (التي بلغت الآن ما يفوق 150 حقا). إن هذا الطابع يتعزز كل يوم مع ظهور الأجيال الجديدة في الحقوق وخاصة الجيل الثالث الذي جاء يعزز الطابع الكوني للجيل الأول (الحقوق الفردية).فإذا كان الجيل الأول ينص على حقوق الفرد الكوني المتماثل في كل الفضاءات الثقافية والاجتاعية، وكأن الأمر يتعلق بمواطن عالمي، فإن الجيل الثالث من حقوق الإنسان تنص على ضرورة تضامن البشرية كلها تجاه المخاطر التي تتهدد بقاء النوع سواء تمثل ذلك في الحرب أو في التقدم العلمي الذي يتهدد النوع البشري وبخاصة في ميدان الاكتشافات المتعلقة بالحياة والوراثة والتكنولوجيات الحيوية، وتجاه الخيرات والمكاسب المشتركة بين البشر في امتلاك الفضاء وخيرات البحار وغيرها من الثروات الطبيعية والبشرية التي تدخل ضمن نطاق "المصدر المشترك والتضامن بين أفراد الجنس البشري" من أجل توفير أسباب أفضل لحياة النوع برمته وهذا يشكل نوعا من العدل لاتجاه الأجيال الحاضرة فقط من بني البشر بل يشكل نوعا من العدل تجاه الأجيال القادمة(16
). وهذا الصنف الأخير من الحقوق يحقق نقلة نوعية في مجال الكونية لأنه ينقل حقوق الإنسان من مستوى كونها حلما وأملا كبيرا لأفراد النوع إلى كونها واقعا يفرض نفسه على النوع إذا ما أراد البشر أن تستمر خاصة الحياة على ظهر هذا الكوكب.وإذا كان تطور منظومة حقوق الإنسان قد اتجه بالتدريج قدما نحو اكتساب طابع أكبر الشمولية والكونية كما يتجلى ذلك بوضوح في الجيل الثالث من الحقوق، فإن المنطلقات الأصلية لهذه المنظومة ظلت مطبوعة بهذه الروح الكونية المنحدرة من فلسفة الأنوار في كل من فرنسا وإنجلترا وألمانيا.وقد استحضر ممثلو الدول وهم يناقشون بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 هذه الروح، وخلاصة في مناقشتهم للديباجة والبندين الأول والثاني، وهي أكثر المقاطع التي يتجلى فيها البعد الشمولي الكوني لشرعة حقوق الإنسان، حيث ينبري ممثلو مختلف الدول إلى مناقشة مفهوم الطبيعة الوارد في النص وهو المفهوم المرتبط بمسألة أسس هذه الحقوق وببعدها الكوني(17). لذلك يبدو من الملح التأكيد على هذا البعد الكوني كما عكسته لا فقط النصوص الأممية، أو المضامين الكونية المبثوثة في النصوص، ولا فقط المصادقة العالمية عليها، بل كما تمثل أيضا في الروح الفلسفية الكونية الضمنية المؤسسة لهذه الحقوق.فقد عمد الفلاسفة الأوربيون، في محاولتهم لبلورة منظومة حقوق الإنسان إلى الاستناد إلى مرجعية فكرية عقلية مستقلة عن سلطة الكنيسة. وهذه المرجعية تتألف من ثلاث فرضيات رئيسية هي: 1- النـزعة الإنسانية، 2- حالة الطبيعة والحق الطبيغي، 3- العقد الاجتماعي(18).لقد أرست نظرية الحق الطبيعي مفهوم الحق على أساس الطبيعة. فالحقوق تضرب بجذورها فيما قبل وجود المجتمع والسلطة، إنها مرتبطة بظهور الإنسان كنوع، وكأنها مسجلة في طبيعة الأشياء وفي الطبيعة الإنسانية ذاتها. ومن ثمة كونية هذه الحقوق لأنها سابقة على تشكل أي مجتمع أو ثقافة أو دولة بل هي مرتبطة في نشأتها بالنوع البشري. وهذا هو مصدر القول بأنها حقوق جبلية، نوعية وليست مجرد مكاسب تاريخية.وربما كان هذا هو التصور الذي قاد العديد من الفلاسفة إلى إرساء الحقوق على أساس العقل سواء بمعنى أن العقل هو جوهر الكائن البشري أو بمعنى أن هذه الحقوق الموكولة للإنسان لا يمكن التعرف عليها إلا بالعقل. الجذر الفلسفي الثاني لمفهوم الحق هو نظرية العقد الاجتماعي التي مؤداها أن المجتمع والسلطة ينشآن، عند الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة الاجتماعية، بفعل تعاقد الناس واتفاقهم جميعا على تنظيم شؤون المجتمع وتقنين مسألة السلط وضبط مسألة الحقوق. فالتعاقد في العمق هو رسم للحدود وتعيين للواجبات وترسيم لحقوق كافة الأطراف. وبما أن لنظرية التعاقد قيمة رمزية، أكثر من أية قيمة تاريخية، فإنها تشير إلى أن لكل فرد الحق في جملة من الحقوق التي يبدو في النهاية أنها ناتجة عن تعاقد بين بن البشر. وبالتالي فإن هذه الحقوق ليست هبة من المجتمع أو من أي كان، بل هي نتيجة اتفاق ضمني بين بني البشر، وهذا هو أساس كونيتها.أما الجذر الفلسفي الثالث فهو النـزعة الإنسانية المؤسسة لتصور معين للإنسان قوامه: تميز الإنسان عن بقية الكائنات ومن ثمة مركزيته وفاعليته وحريته. وهذه الحرية لا ترتبط بنظام أو بفترة أو بعصر بل هي صفة طبيعية للإنسان كنوع تميزه عن بقية الكائنات.والخلاصة أن الجذور الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسانـ بغض النظر عن السياقات التاريخية لنشأتها، تنطلق من مسلمة كونية حقوق الإنسان من حيث أنها مرتبطة بالذاتية وبالإنسان كفرد ينتمي إلى النوع البشري برمته.
- المراجع:
- محمد نور فرحات: مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية، المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد 01 سنة 1994.
- عماد شمعون: حقوق الإنسان بين الشرعيتين الغربية والشرقية، مجلة الإنسان المعاصر، بيروت 1995 (العدد 2).
- عياض بن عاشور: حقوق الإنسان: أي حق؟ أي إنسان؟، مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت، نونبر دجنبر 1990.
- منير شفيق: حول الأسس الفكرية لمفهوم حقوق الإنسان في الغرب، مجلة الإنسان المعاصر، بيروت صيف 1995.
- بيار سيزرى بورى: خواطر حول فكرة الطبيعة، المجلة العربية لحقوق الإنسان تونس، العدد 01، سنة 1994.
- Richard Sehifter : Les Droits de l’homme sont-ils dominés par les valeurs culturelles occidentales in Walter Laqueur et Barry Rubin : Authologie des droits de l’homme, T.F. Nouveaux horizons 1979, p. 556.
- Dupuy Perré Jean : L’universalité des droits de l’homme in collectif : Le Maroc et les droits de l’homme, Paris, l’harmattan 1994.
- Saaf A. : Universalité spécificité dans les droits de l’homme in : Le Maroc et le droit de l’homme, l’harmattan 1994.
- Bedjaoui M. : La difficile avancée es droits de l’homme vers l’universalité. R.U.D.H. 1989 Vd I N° 1-12.
- Dupuy Perré Jean : Les droits de l’homme : valeur européenne ou valeur universelle, in Revue des sciences morales et politiques 1989, N° 4 - G. Guislain : Genèse et orientation des droits de l’homme, Droit Tome II, Ellipse, p. 174.
- Rawls Johns : Théorie de la justice, T.F. Seuil 1986.
- Arent. H. : L’impérialisme, Paris 1982.
1
) Laqueur et B. Rubin : Authologie des droits de l’homme, Paris, Nouveaux horizons (T.F 1994) p. 131.
2
) G. Guislain : Genèse et orientation des droits de l’homme, Droit Tome II, Ellipse, p. 174.
3
) G. Guislain : Genèse et orientation des droits de l’homme, Droit Tome II, Ellipse, p. 174.
4
) انظر عياض بن عاشور: حقوق الإنسان: أي حق، أي إنسان؟، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 82-83، بيروت 1990، ص: 63.
5
) محمد نور فرحات: مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية، المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد 01 سنة 1994، ص: 26.
6
) محمد نور فرحات: مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية، المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد 01 سنة 1994.
7
) نفس المرجع السابق.
8
) م.ن فرحات: مرجع سابق، ص: 25.
9
) ن.م، ص: 25.
10
) اعتمادا على مقال: حقوق الإنسان بين الشرعية الغربية والشرقية، مجلة الإنسان المعاصر، بيروت 1995، العدد 2.
11
) عماد شمعون: حقوق الإنسان بين الشرعية الغربية والشرقية، مجلة الإنسان المعاصر، بيروت 1995.
12
) Guislain : Genèse et orientations de l’odéologie des droits de l’homme, inle Droit (ouvrage collectif), Ellipese 1988, p. 180.
13
) منير شفيق: حول الأسس الفكرية لمفهوم حقوق الإنسان في الغرب، مجلة الإنسان المعاصر، بيروت صيف 1995، ص: 10.
14
) منير شفيق: نفس المرجع السابق، ص: 12.
15
) نفس المرجع السابق، ص: 15.
16
) J. Rawls : Théorie de la justice, T.F. Seuil 1986, p. 327-328.
17
) بيار سيزرى بوردى: "خواطر حول فكرة الطبيعة، نحو قراءة تناقضية للفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948"، مترجم بالمجلة العربية لحقوق الإنسان تونس، العدد 01، سنة 1994.نص البند الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو "يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميرا، وعليهم ألا يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء".أما البند الثاني فيرد فيه:"لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر، أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر دون أية تفرقة بين الرجال والنساء".
18
) انظر الفصل المتعلق بالأسس الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان من هذا الدليل.

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 11:30   رقم المشاركة : 36
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

العيش في ظلّ التنوع الثقافي


إرفين لاسلو**
الثقافة عاملٌ جبّار من عوامل النشاط الإنساني، فهي موجودة في كل ما نراه ونشعر به. "الإدراك البريء" لا وجود له؛ فكل ما نراه ونفهمه يصل إلينا مصبوغاً بتوقّعنا، وبقابليتنا على استقباله؛ إذ تتموضع الثقافة في جذوره. فنحن نرى العالم عبّر نظّارات مصبوغة بثقافتنا، ويستخدم عدد هائل من البشر هذه النظارات، حتى دون أن يرتابوا في وجودها. وهذه النظارات اللامرئية الملقِّنة للقابلية تؤثِّر بقوة أكبر من خلال بقاء "النظارات الثقافية" غير مرئية. فما يفعله الناس، بصورة مباشرة، يتوقّف على ما يؤمنون به؛ كما أنّ عقائدهم، بدورها، تتوقّف على رؤيتهم المصبوغة ثقافياً لأنفسهم وللعالم المحيط. وبغضّ النظر عن أنّ الثقافات الحيّة في الوقت الراهن تتعرّض لضغط هائل يميل إلى تسويتها وتوحيدها، فإنها تختلف فيما بينها من حيث قيَمها وعقائدها وتمثّلاتها فيما يخصّ الإنسان والكون. وإنّ تنوع الثقافات هذا جدير بالتعرّف عليه عن قرب، حيث إنه يصوغ مقاصد وسلوكيات البشر الذين ينتمون إلى ثقافة معينة، ناهيكم عن أنّ كل ثقافة على حدة، ومن خلال تأثيرها في الثقافات الأخرى، تصوغ كذلك العلاقات في العالم المتعدد ثقافياً. في مجرى التطور التاريخي، أنشأت وكوّنت الثقافات البشرية العظيمة رؤيتَها للعالم. وفي مطلع فجر التاريخ، كان العالم يُرى باعتباره عالماً ارتدادياً أو إرجاعياً atavistic (1)، إذ لم يكن البشر وحدهم يملكون أرواحاً، بل كذلك الحيوانات والنباتات. فكل ما في الطبيعة كان حياً، وينبوع الماء في البراري المدارية (السافانا) كان ييبعث على هلع كبير أمام أرواح وقوى الطبيعة، وكذلك أمام أرواح الموتى؛ والأيل الذي وجد نفسه في قرية ما فجأةً كانت تتم مماهاته بروح أحد الأسلاف وقد جاء لزيارة أقاربه؛ والرّعد كان يعتبر إشارةً من قِبَل الجدة-الأم، أو الأب الكلي القدرة. وقد تمّ اتخام الثقافات التقليدية بحكايات عن الإدراك الحسي لكائنات غير مرئية، متموضعة في تراتبية رمزية، على امتداد التاريخ المكتوب برمّته. لكن الثقافات الكلاسيكية في اليونان القديمة استبدلت هذ النظرة إلى العالم، القائمة على الخرافة (myth)، بنظريات وتصورات قائمة على المحاكمات، رغم أنّ الأخيرة نادراً ما أُخضعت للمراجعة عن طريق التجارب والملاحظة. ومنذ أزمنة الكتاب المقدّس في الغرب، وعلى امتداد عدة ألفيات في الشرق، هيمنت على آراء البشر الإرشادات والأنماط الدينية. وقد ضعُف هذا التأثير بصورة ملحوظة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، عندما ظهرت العلوم التجريبية في أوروبا. وخلال القرون الثلاثة الأخيرة، هيمنت الثقافة العلمية-التكنولوجية على العقائد الميثيولوجية والدينية، رغم أنها لم تتمكن من إزاحتها كلياً. وقد انتشرت الثقافة العلمية-التكنولوجية الغربية في عموم الكرة الأرضية في القرن العشرين، ووجدت الثقافات غير الغربية نفسها أمام معضلة ثنائية الحدّ مفادها: هل يجب عليها الانفتاح على الثقافة الغربية، أم أنّ عليها الانغلاق على نفسها ومواصلة اتّباع طرائقها التقليدية، محافظةً بذلك على أنماط حياتها المألوفة وحِرَفها وعباداتها. الثقافة الغربية ثقافة فردانية، وللفرد فيها موقع مركزي. فهي تعتبر القيم الشخصية والحرية والطموح إلى السعادة أموراً مقدّسة، وترى أنّ الطبيعة، وجميع الكائنات الأخرى، مسخّرة لخير الإنسان بصورة رئيسية. والثقافة الغربية، بالإضافة إلى ذلك، ثقافة براغماتية، فهي تنبذ قسماً كبيراً مما لا يمكن رؤيته أو الإمساك به، أي مما لا يمكنه أن 'يتجلّى' لليد أو العين. والاستثناء الوحيد هو النظام العقائدي اليهودي-المسيحي بإلهه المتعالي، ربّ القديسين والكائنات الغيبية الأخرى، وكذلك الإيمان بخلود الروح. أما ما يتعلق بالأرواح، وكذلك الكائنات اللاجسدية وغير المرئية الأخرى، والتي تختلج أمامها الثقافات التقليدية بإجلال، فإنّ نصير الثقافة الغربية، بما يحمله من المخزون العلمي للعقل، يعمد ببساطة إلى نبذها باعتبارها خرافات، رغم أنّ جمهوراً واسعاً من السكان يؤيدون وجهات نظر مناقضة لهذه (على سبيل المثال، وحسب المعطيات التي نشرتها مجلة «Life»، في عدد كانون الأول 1995، يؤمن 69% من الأمريكيين بوجود الملائكة). لكن حتى الثقافة الغربية تُسكِن الكون بكائنات واقعية غير مرئية، وغيبية إلى حدّ ما: أقطاب وتبادلات الجاذبية والكهرومغنطيسية، وتفاعلات القوى النووية، وغيرها من الوحدات البنيوية للعلوم الطبيعية المعاصرة. ومعظم الغربيين والمتغربنين متأكدون من وجود هذه الأقطاب والتفاعلات، مثلما هم متأكدون من وجود البشر والحجارة والطاولات. في السنوات الأخيرة، وبغضّ النظر عن "استعمار الكوكاكولا" و"الماكدوناليزم"، بدأت قيَم ومفاهيم الثقافة الغربية تواجه مقاومةً. ففي أمريكا الجنوبية ظهرت ثقافة قومية جديدة مختلفة المظهر، حيث تزعج الأمريكيين اللاتينيين تبعيتُهم لأمريكا الشمالية؛ وهم يعبّرون عن عدم رضاهم عن دورهم كمتلقّين، لا كمؤسسي تيارات ثقافية تقوم بصياغة العالم المعاصر. بل إنّ هيمنة الثقافة الأجنبية باتت تعاني سكرات الموت كذلك لدى المتعلمين والعقلانيين العرب، الذين يرون في التقاليد الغربية عنصر سيطرة على بلادهم؛ إذ يعتبر العرب أنفسهم طرفاً سلبياً في الحوار البينثقافي الذي يربطهم بأوروبا وأمريكا الشمالية، بصورة استثنائية تقريباً. وباتت الهند وبلدان جنوب آسيا -رغم استمرارها في التواصل مع الثقافة البريطانية، هاضمةً الكثير من خواصها المتميزة- تدافع عن تراثها الثقافي الخاص بحماس. وفي روسيا تراكمت خبرة تاريخية واسعة للتعامل المنافق مع الثقافة الغربية، وهذا التعامل ما زال قائماً حتى الآن، وسمته الرئيسية هي الإعجاب بمنجزات الغرب في مجال التكنولوجيا، وكذلك في حقل الثقافة العليا، لكن هذا الإعجاب يترافق، في الآن نفسه، بالخشية من أنّ هذه المنجزات قد تسحق التراث الثقافي الروسي، وتُفقد بذلك الشعب الروسي أصالته. وتناوب الإعجاب والخشية هذا يميّز كذلك الأمم الشابة في الصحراء الأفريقية الكبرى؛ هذه الأمم الشحيحة الطلب على الثقافة الصناعية، مرفقةً ذلك بجهود كبيرة للدفاع عن تراثها الثقافي. فالمفكرون العقلانيون (Intellectuals) الأفارقة مشغولون بالبحث عن جذور أصولهم العرقية، في حين يتطلع قادتهم إلى تقوية الوعي القومي لشعوبهم. إنّ نقائض المقاربات الغربية لرؤية العالم والذات واقعية تماماً، رغم أنها لا تكون مدرَكة دائماً. فعلى سبيل المثال، يتمتع الأمريكيون اللاتينيون بتطور روحي أعلى بكثير من سكان الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وإنّ لهذا الأمر جذوره التاريخية، إذ إنّ العناصر المتعالية المجرّدة (Transcendental) في الثقافة اللاتينية تعود إلى القرن الخامس عشر. وبالنسبة لأمريكا الجنوبية فإنّ علم الكلام المدرسي الكاثوليكي لأوروبا القروسطية ليس أكثر من فلسفة ديرية [نسبة إلى دير]، وقد لعبت دور منظومة اشتقاقية تحمل طابع الحكومة والمجتمع في داخلها، وتتحكم بكافة مناحي الحياة. وتعلّم الأمريكيون اللاتينيون أنّ السعادة تتنزّل من المساء كرحمة من الله، وأنّ هذه الرحمة صلاحية استثنائية من صلاحيات الكنيسة الكاثوليكية؛ لذا لم يكن من المستغرب أن يصبح الخضوع للكنيسة، تماماً مثل الإخلاص للملك وطاعة الله، من بديهيات الأخلاق اليومية. بل حتى عندما وصل العهد الاستعماري إلى نهايته، لم يحدث تكيّف بين التراث السكولاستي (المدرسي الديني) وبين الفكر العلمي الحديث. لذا فإنّ البراغماتية الأنغلو***ونية، القائمة على استخدام مفاهيم ومناهج العلوم الطبيعية في التعامل مع المجالات المادية للحياة، أخفقت في ترسيخ أقدامها في أمريكا اللاتينية. كذلك يعدّ المذهب التجريدي Transcendentalism (2) سمة مميِّزة للثقافتين الهندوسية والبوذية في شبه القارة الهندية، وإنْ بصيغ متنوعة. وقد تمّ مزجه بالتوحيد (monotheism) والصوفية في الثقافة الإسلامية. أما الثقافات الأصلية لإفريقيا السوداء، فقد تطبّعت دائماً بالروحانية (spiritualism) والأرواحية animism (3)، ولم يتم مَحْق هذه العناصر لا من خلال تعصّب المبشرين المسيحيين، ولا من خلال الدعاية الاستهلاكية للشركات العبرقومية(4). ويحتفظ التفكير الشرقي بكثير من سمات عقائده التقليدية، فقد تشكّلت الدائرة الواسعة للثقافات التي خرجت من الصين على امتداد الألفية الأخيرة بتأثير طبيعانية naturalism (5) لاوتزو، والانضباط الاجتماعي لدى كونفوشيوس، واهتمام بوذا الصارم بالاستنارة الذاتية. وفي القرن العشرين، تفرّعت هذه المصادر الثقافية إلى تيارات متعددة، مولّدة ثقافة "يانانيا" الماوية الأرثوذوكسية، وثقافة "كونغ-داو" الهونكونغية البراغماتية، وكذلك مزيجاً من الطبيعانية والكونفوشية والبوذية ميّز ثقافة اليابان المعاصرة. وقد احتفظ فرعا هونغ كونغ واليابان، المنبثقان عن الثقافة الصينية، بالشغف بكل ما هو دقيق وعملي. لذا، ليس غريباً أنّ المجتمعات التي انتشرت فيها هذه التقاليد بصورة واسعة لا تجد صعوبة في تبنّي، بل حتى تطوير، التكنولوجيا الغربية. لكن هذه الثقافات 'تحدثنت'، لكنها لم 'تتغربن'؛ فحداثتها المميزة لها تحتفظ بخاصية ثقافية نوعية. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن نقل مهارات الشغل، والميول الجماعية، الشرقية إلى أوروبا وأمريكا. أما كيف يمكن لهذه الثقافات المتمايزة فيما بينها أن تتعايش على كوكبنا الصغير، حيث كل شيء متعالق، فهذه أحجية هائلة. إذ من الواضح أنّ كل ثقافة تحتاج إلى أن تتطور بصورة مستقلة، محترمةً أصولها وتقاليدها؛ ولكن عليها، في الآن نفسه، أن ترتقي بنفسها إلى القيم والمنظورات التي تسمح لمشايعيها بالعيش في تناغم مع الثقافات الأخرى من جهة، ومع الطبيعة من جهة أخرى. هذا هو المطلب الأساسي، حيث أن تصادم الثقافات يشكّل تهديداً جدياً وخيم العواقب للسلام في الأسرة العالمية، أكثر من نزاعٍ مسلّحٍ ما بين أمتين أو دولتين. وعلى الرغم من أنّه يتوجب علينا، الآن، صنع الشروط الدقيقة للقوانين الفعّالة، والجذّابة بالنسبة لمعظم البشر، فقد نجحنا، في الوقت الراهن، في الوصول إلى إجماع (consensus) ملحوظ فيما يتعلق بالطبيعة العامة لهذه الشروط/الظروف. وعموماً فإنّ شروطاً كهذه، أياً كانت، يجب أن تستجيب لمتغيرات التطور الوطيد والمستديم.
ترجمه عن الروسية هفال يوسف
هوامش:
* نُشر هذا المقال في مجلة "البيئة والحياة" (العدد 4، 1999)، وهو مقطع من تقرير بعنوان "الدروب المؤدية إلى الألفيات القادمة"، الذي تلاه المؤلف في مراسم افتتاح "نادي بودابست" في كانون الأول 1996.
** إرفين لاسلو، المولود في بودابست عام 1933، بروفسور في الفلسفة وقد شغل كرسي الأستاذية في عدد من الجامعات؛ وهو كذلك مدير برنامج الأمم المتحدة للتعليم والأبحاث (سنة صدور هذا البحث)، وعميد أكاديمية علوم المستقبل Futurology في فيينا، ومؤسس الأكاديمية الدولية لأبحاث النُّظُم. اهتماماته العلمية الرئيسة هي الفلسفة، علم الجمال، التحليل المنظوماتي وعلم البيئة (الإيكولوجيا). وقد ألّف في هذا المنحى 66 كتاباً، صدرت في 18 لغة، وله حوالي 400 مقال وبحث ودراسة. أعماله الأخيرة هي: "الفضاء الخلاّق" (1993)، "الكون المتعالق" (1995)، "البِركة الهامسة" (1996)، "التطور: النظرية العامة" (1997) و"المنظور المنظوماتي للعالم" (1997).
كانت آخر منجزات البروفسور لاسلو تأسيس "نادي بودابست"، وهو عبارة عن جمعية غير رسمية وغير حكومية ضمّت الكثير من العلماء والفنانين والكتاب، وشخصيات اجتماعية ودينية، ممن يهتمون بحماية الوسط المحيط وبمصير العالم والأجيال القادمة. وقد تأسس هذا النادي تحت الشعار الإيكولوجي: "من أجل تعامل حكيم وحريص ومسؤول تجاه الطبيعة".
1- يشير هذا المصطلح إلى اعتقاد مفاده ظهور صفات النسل بعد اختفائها لأجيال، بمعنى أن العالم يكرر نفسه.
2- مذهب يقول بإمكانية معرفة الحقائق عن طريق التفكير المجرد دون الحاجة إلى إحساسات أو خبرة.
3- وهي العقيدة التي تقول بأن لكل ما في الكون (من أشياء) أرواحاً.
4- أعتقد أن هذه هي الترجمة الأصح، حيث تترجم أحياناً: الشركات المتعدية للجنسيات، أو الشركات المتعددة الجنسيات.
5- مذهب فكري يعلل الأشياء ويفسرها استناداً إلى قوانين الطبيعة ومسبباتها الطبيعية

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2011, 11:31   رقم المشاركة : 37
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

من نهاية الفلسفة … إلى نهاية التاريخ


عزيز لزرق
إنّ مهمة الفلسفة، هي إذن، نقد هذه النزعة الكليانية (العولمة) نقدا ينصب نظريا وعمليا على ذلك الادعاء بوضع حد لنهاية الرأسمال والذي دمر الديمقراطية، ونقد ديانة الرأسمال التي ترسم دوغمائيتها في أوجه جديدة). إنها مهمة تتوخى النظر في هذه التحولات بمعزل عن روح العصر، وبالتالي مهمة نقدية، تتوخى هدم خطاب العولمة، بما هو مطمح يود جعل التحولات دالة على زمن العالم الذي نعيشه، زمن يجب أن نقرأ فيه كل التحولات باعتبارها ليست سوى تجليات لعالم يرسم قدر الحضارات ومصير الإنسانية مصيرا واحدا خالدا، كمرحلة نهاية من مراحل التطور.
عتبــة:
يستدعي موضوع الفلسفة والتحولات العالمية اختيارا محددا في المعالجة، ضمن اختيارات عديدة ممكنة: فقد ينصب هذا الاختيار على المقارنة بين مسارات الفلسفة، تاريخها وتطورها ومسار التحولات العالمية، تاريخها ومجالات تطورها. إن تحليلا كهذا، يسعى في نهاية المطاف إلى الإجابة عن مدى إمكانية قراءة التحولات العالمية بنفس العدة الميتودولوجية التي نقرأ بها مسارات الفلسفة. وقد يتوجه الاختيار نحو دراسة العلاقة، أي اختبار مدى حضور وحدود تأثير الفلسفة في مجريات التحولات العالمية؟ ومدى تأثير التحولات العالمية في مسار الفلسفة. إن هذا الاختيار يمكن إدراجه في إطار إشكالية كلاسيكية هي: علاقة الفكر بالواقع. أما الاختيار الثالث، فهو الذي يتقصد التفكير في القيمة، أي البحث عن قيمة الفلسفة على ضوء التحولات العالمية، يتعلق الأمر بالجواب عن سؤال هل ثمة مكانة للفلسفة داخل هذا الفلك من التحولات العالمية؟ ضمن هذا الاختيار الثالث، سنحاول مقاربة هذا الموضوع، ذلك أن الحديث عن الفلسفة والتحولات العالمية، يعني التموقع وسط تداولات عديدة: الدفاع عن الفلسفة، ضرورة الفلسفة، الحاجة إلى الفلسفة، قيمة الفلسفة. إن هذه التداولات التي يتكرر طرحها بين الفينة والأخرى، تخفي حافزا (هاجسا) ثاويا، هو نهاية الفلسفة، في كل مرة يختفي فيها الموضوع الأصلي. هكذا يمكن القول إن الفلسفة والتحولات العالمية تتضمن فكرة نهاية الفلسفة. إنها فكرة القيامة/الأبوكاليبس Apocalypse، فما هي أسس هذه القيامة/الأبوكاليبس؟ هل يتعلق الأمر بفناء الجسد والروح، أم بفناء في الجسد وببقاء الروح كشبح، كطيف؟ (بالمعنى الذي تحدث عنه دريدا)، حيث لا يحضر الآن، ولكن قد يأتي بل قد يحضر بالتأكيد لاحقا. كيف أصبح الوضع بعد هذه القيامة؟ لقد أصبحت النهاية نهايات متتالية: نهاية الإنسان والتاريخ والإيديولوجيا الخ، نهايات تؤسس إسكاتولوجيا Escathologie لعالم أخروي، فعلى ماذا تقوم هذه الإسكاتولوجيا: هل على فكر النهاية بما هي تجسيد لنقطة اللاعودة، أم على فكر العود الأبدي؟ كما هي سمات هذا العالم الأخروي الذي ظهر بعد القيامة؟ تعرف موسوعة Univers الأبوكاليبس كالتالي: "يشير هذا المصطلح بالنسبة للفكر الحديث إلى كارثة على الصعيد العالمي، إن الأمر يتعلق بنقل الكلمة من دلالاتها الإغريقية، حيث التعرية والكشف"(1). نفس الدلالة تنطبق على الخطابات المتداولة حول النهايات، والذي أدى تدفق سيلها إلى تحويلها من خطابات تفسيرية إلى خطابات معاشة، أصبحت قاسما مشتركا بين المثقف والمفكر والسياسي والاقتصادي والصحفي، كل يتحدث عن انهيارات متلاحقة وعن كوارث وانشقاقات وتصدعات: انهيار الاتحاد السوفياتي، انهيار الشيوعية، انهيار جدار برلين..الخ، لقد أصبحت بمثابة مسلمات تبنى عليها نتائج وتنسج علاقات لزوم غير ضرورية، لكننا نعتقد، مطلقا، أنها الحقيقة عينها. بهذا المعنى يصبح الحديث عن الأبوكاليبس رمزا للحديث عن نهاية العالم، نقرأ في Dictionnaires des symboles: "أصبح مصطلح الأبوكاليبس رمزا للحظات الأخيرة في العالم، والتي ستشهد ظواهر مرعبة، تدفقات طوفانية للأنهار، انهيار الجبال، انشقاقات كبرى في الأرض، معانقة السماء من خلال انقصاف لا يوصف، وبالتالي أصبحت الأبوكوليبس رمزا لنهاية العالم"(2). إن هذا الأبوكاليبس المزعوم، يحتل مكانة هامة في المتخيل العام (لنتذكر رواية جورج أرويل 1984 وكل ما نسج من أدبيات حول سنة 2000) حيث تم تأسيس نوع من الأسكاتولوجيا، باعتبارها تهتم بالنهايات الأخيرة: الموت، نهاية العالم، وبصفة عامة (وهذا شيء مهم) الأحداث المقبلة. يتعلق الأمر في هذه الأسكاتولوجيا بنزوع نحو عودة السلام والانسجام، بعد الاهتزازات التي أحدثها الأبوكوليبس. إنها نظرة إسكاتولوجية، تؤسس لعالم جديد.
بهذا المعنى، تكون "الإسكاتولوجيا هي مذهب النهايات الأخيرة، إذ تتضمن المعتقدات الخاصة بالمصير الأخير، سواء تعلق الأمر بالإنسان (إسكاتولوجية فردية) أو بالكون (إسكاتولوجيا كونية)، ترتبط هذه المعتقدات بالتصور الذي نحمله عن الإنسان وعن الكون، ولها تأثير أساسي على السلوك الإنساني".(3) إن هذا التأثير الذي تحدثه على السلوك الإنساني، هو الذي يدفعنا في اتجاه نقد أسس ومقومات وتبعات هذه النزعة الإسكاتولوجية.
البعد الأبوكاليبسي في الفلسفة:
يمكن أن نبدأ باستعارة سؤال صاغه جاك دريدا(4): كيف يمكن فهم خطاب النهاية أو الخطاب حول النهاية، وهل يمكن أن تكون نهاية النهاية مفهومة؟ يتعلق الأمر، بالنسبة إلينا، تحليلا بالتمييز بين خطاب النهاية والخطاب حول النهاية، ونقدا بالبحث عن إمكانية الحديث عن نهاية النهاية وعن دلالتها. فالخطاب حول النهاية، هو الخطاب الذي ينطلق من نهاية الفلسفة، لكي يؤسس خطابا حول النهايات، وبالتالي يريد أن يؤسس خطابا أبوكاليبسيا بصدد العالم (نموذج الخطابات السائدة حول نهاية التاريخ، نهاية الشيوعية وسنعود إلى ذلك لاحقا).
أما خطاب النهاية في الفلسفة فهو يحيل على الأسس الفلسفية التي أسست لما يمكن تسميته بالقيامة الحديثة Apocalypse moderne(5) (موت الله، موت الإنسان، نهاية الفلسفة) وقد وضع هذه الأسس فلاسفة أمثال: ماركس، نيتشه، هايدغر…الخ.
سنأخذ هنا نموذجا واحدا بصدد هذه الأسس، هو نموذج هايدغر، وبالتالي الحديث عن نهاية الفلسفة. صحيح لقد تحدث هايدغر عن نهاية الفلسفة، ولكنه تحدث أيضا عن مهمة التفكير، إذ يتساءل عن شيئين متلازمين: بأي معنى نتحدث عن نهاية الفلسفة؟ وما هي المهمة المتبقاة للفكر بعد نهاية الفلسفة؟ غالبا ما يسقط هذا الشق الثاني في التداول حول الحديث عن نهاية الفلسفة. وبالتالي فنهاية الفلسفة، لا تتخذ عند هايدغر معنى بسيطا، أي "معنى محض سلبي، باعتباره يحيل على التوقف –توقف سيرورة- أي على التلف والعجز".(6)
ليست النهاية توقفا لمسار الفلسفة ولا عجزا عن الاستمرار في المسير ولا تلفا لبوصلة السير. فإذا كانت الفلسفة هي، تحديدا عند هايدغر، عبارة عن ميتافيزيقا تفكر في الوجود من خلال نظرها في الموجود، فعبارة "نهاية الفلسفة" تعني اكتمال الميتافيزيقا parachèvement، وليس كمالها perfection. بالإضافة إلى ذلك فكلمة النهاية تحيل –في الألمانية- على كلمة المكان، حيث تصبح نهاية الفلسفة هو ذلك المكان الذي يتجمع فيه كل تاريخها. فاكتمال الميتافيزيقا، تجعل الفلسفة تتخذ نهايتها وتحتل مكانها في عصر يشهد انتصار عالم تقنوي، تسود فيه نظرة علمية للإنسانية كما هي فاعلة في الوسط الاجتماعي(7). إن الإحالة الدلالية لكلمة النهاية على المكان هي التي تجعل لكلمة النهاية دلالة أخرى، ألا وهي وضع الحدود limites، فالأمر يتعلق لا بانتهاء الفلسفة ولكن بنهاية الفلسفة، عند تخوم وحدود معينة. بهذا المعنى اعتبر ج. دريدا أن الخطاب حول النهاية، حول الموت، هو عبارة عن خطاب تشكيلي في بلاغة الحدود(8). تبتدئ هذه الحدود بمشكلات (problèmes) وتنتهي بإحراجات. فالشكل يحيل على الإسقاط أو الحماية (projection-protection). ذلك أن فكرنا وتساؤلاتنا ليست سوى إسقاط لمشاريعنا ومتطلباتنا، نضعها أمامنا، لكي تمثلنا وتأوينا وتحمينا، إذ نستتر على ما لا نود التصريح به، لكن الحد الآخر للمشكل هو الأبوريا، حيث لا نعلم أين نذهب. يتعلق الأمر بممر مغلق non-passage، إننا نقف مشلولين في مكان ما أمام حدود مليئة بالعقبات، حيث لا نستطيع أن نضع ما يحمينا، أي أن نكون مشكلا بما هو إسقاط وحماية، إننا في مكان إحراجي "أبوريتيكي" تكون فيه سريرتنا الداخلية معرضة للفضح وللعري(9). إن نهاية الفلسفة، مكان الفلسفة، حدود الفلسفة يمكن أن تقرأ باعتبارها تحيل على الأبّوريا أي على مأزق في المشكل، في الحماية. أمام هذا الوضع الأبوريتيكي حسب دريدا وبالتالي أمام اكتمال الفلسفة، حسب هايدغر، يصبح من مهام الفكر، التهييء وليس التأسيس وهذا يعني أن على الفلسفة أن تتخلى عن النزعة النبوية، المتمثلة في التكهن بالمستقبل، لكي تنخرط في إيقاظ استعداد الإنسان من أجل عالم ممكن، غير واضح المعالم، وغير يقيني قدومه، ولكنه محتمل وممكن(10). لذا لاحظ Luc Ferry أن الفكر المعاصر توقف عن أن يكون فكرا نسقيا ونبويا، لكي يصبح عبارة عن فكر تأملي نقدي، وهذا ما يفقد الفلسفة جزءا من بريقها، ألا وهو محبة الحكمة(11). لقد اعتبر ألان باديو، أن انتشار وتداول أطروحة نهاية الفلسفة يرجع إلى سببين(12):
السبب الأول: لم تعد الفلسفة قادرة على تنظيم نفسها كوعد، إذ أصبحت تشعر بضعف تأثيرها مقارنة مع مجالات أخرى: فلا هي تنتج تغيير العالم كما يحدث في السياسة (….)؛ ولا هي تنتج تقنيات، كما تفعل العلوم؛ ولا هي تثير إعجابا مشتركا بين الناس، كما يحدث ذلك في مجال الفن.
السبب الثاني: سيادة التصور الهايدغري حول الفكر، والذي مفاده أن هناك فكرا واحدا (المسار الميتافيزيقي) ممزوجا مع تاريخ الكائن، بإمكانه أن يحدد مصير الإنسانية. لذا يرى باديو ضرورة تجاوز هذه القناعة الهايدغيرية وفتح الفكر على مجالات متعددة تتكون فيها الأفكار: التجربة العاطفية، السياسية، العلم والفن. لنقل، باختصار، قد تحدث تغيرات في الحياة وفي مجال حياة الفكر والتفكير، تضعنا في صلب أزمات واضطرابات، وتجعلنا نعتقد أنها مؤثرة على نهاية الفلسفة، وهذا شيء لم يحدث أبدا، فلا يمكن أن تموت الفلسفة في يوم ما ولن يمكن أن تتغير، وهذا ما حدث على طول مسارها، "فعصرنا الحالي على وشك إقصاء المشاكل الموروثة عن القرن 17 و18 و19 (المقصود هنا التوقف عن فهم الواقع انطلاقا من الوعي والتجربة)، لهذا يعتبر القرن 20 هو القرن الأكثر أهمية في تاريخ الفلسفة"(13).
بهذا المعنى، نقول إنه حتى في لحظات اندثار الفلسفة، كما هو الشأن بالنسبة لحديث هايدغر عن نهاية الفلسفة، فإن مسار الفلسفة يكمن في كونها تمشي، وتقود سير جنازتها الخاصة(14). ولكن لنتساءل الآن: ما هي دوافع ظهور هذه النزعة الأبوكاليبسية في الفلسفة؟
يمكن القول إن بروز هذه النزعة، جاء نتيجة خلخلة النموذج الكلاسيكي الفلسفي حول الإنسان والإنسانية، الذي كان سائدا فيما قبل؛ إنه نموذج فلسفي يتمركز، كما يقول إ. هوسرل، حول العقل ويسعى نحو معرفة كونية connaissance universelle بصدد العالم؛ إنها معرفة حررت الإنسان من الأسطورة، من التقليد ومن الأحكام المسبقة، حيث يسمح نموذج هذه الفلسفة الكونية بإضفاء طابع الاستقلالية (النظرية والعملية) التي لا تجعل الإنسان متحررا فقط في نمط تفكيره، بل فاعلا في العالم الإنساني المعيشي، أي في الوجود السياسي والاجتماعي للإنسانية(15). إن مرجعية هذا النموذج الفلسفي السائد، هو النظر إلى الإنسان كمشكلة ميتافيزيقية، أي ككائن عاقل، يتساءل حول معنى التاريخ (ومعنى تاريخه) ومعنى العقل في التاريخ. لكن هذا النموذج سيتخلخل مع سيادة النزعة الوضعية التي قال عنها هوسرل: "لقد ضربت الوضعية عنق الفلسفة"، حيث سيقع نوع من الشك في وجود فلسفة كونية، والشك في إمكانية إقامة ميتافيزيقا. الشيء الذي أدى إلى تأسيس ما سماه هوسرل: الحداثة الفلسفية(16). وبالتالي فخطاب نهاية الفلسفة لا يمكن فهمه إلى على ضوء هذه الإنسانية المتهدمة.
إنه تناقض حاد ذلك الذي يشعر به الفيلسوف، حيث أنه لا يستطيع التخلي عن الإيمان بإمكانية وجود فلسفة كونية، أي لا يستطيع التخلي عن مهمته كموظف للإنسانية ولكنه يشعر بأن هذه القناعة لا تصمد طويلا خارج دائرة الفلاسفة: حيث أصبح سائدا الشك في قيمة، بل إمكانية وجود فلسفة كونية. إنها مسؤولية مزدوجة تعترض الفيلسوف: فمن جهة الكشف عن حقيقة وجوده كفيلسوف، ومن جهة ثانية الكشف عن الوجود الحق للإنسانية(17). إن انهيار هذا النموذج الفلسفي، هذا الإيمان في بناء فلسفة كونية، هو الذي يجعل حاليا كل عمل فلسفي ينحت مساره الخاص وكل فيلسوف يرسم معالم فلسفته الشخصية، باعتبارها إبداعا متفردا. لهذا الغرض يرى Christian de La Campagne "أن الغياب المتصاعد لمرجعيات مشتركة يجعل تدريجيا من الحوار بين الفلاسفة شيئا صعبا، فبالأحرى ظهور هذا الحوار بينهم وبين قرائهم"(18). إن فلسفة كهذه معزولة وشخصية، تتفرخ بكثرة ولكن تموت بسرعة، إن الضيق الشديد الذي تعيشه الفلسفة، الآن، هو ذلك الذي عبر عنه هوسرل متسائلا عن دلالة التأملات الفلسفية، يقول: "هل يمكننا أن نعود إلى مهنتنا، وأن نستأنف العمل، هناك حيث تركناه، بصدد هذه أو تلك من المشاكل الفلسفية، وبالتالي نستمر في بناء فلسفتنا الشخصية التي لن يكون لها سوى وجود عابر"(19).
أسس ودلالات النزعة الإسكاتولوجية:
بموازاة مع هذا البعد الأبوكاليبسي في الفلسفة (خطاب النهاية)، سيتأسس خطاب حول النهايات، وما بعدها، يتخذ مسحة إسكاتولوجية، تجعل من التحولات العالمية مؤشرا على عالم أخروي. وعلى العموم، يمكن تكثيف هذه التحولات العالمية في عبارة صدمة التاريخ، هذه الصدمة التي يمكن تلمس تجلياتها على مستويين:
المستوى السياسي: حيث عملت الأحداث التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية (النازية والستالينية والليبرالية الجديدة) على وضع الفلسفة والفلاسفة أمام كوة سحيقة، إذ كانوا ضحايا سيرورة لم يستطيعوا منع حدوثها ولا التنبؤ بها، بل لم يكونوا على علم بها (بل إن بعض الفلاسفة، كما أشار إلى ذلك Christian de La Campagne، كانوا متورطين فيها)(20).
علاوة على ذلك فانهيار الإمبراطورية السوفياتية، بخر كل الآمال المعلقة على الثورة التاريخية المشيدة لعالم مثالي. الشيء الذي وضع ارتهان الفلسفة بالثورة موضع تساؤل، وجعل الفلاسفة يتخلون عن الرغبة في تغيير العالم، من أجل العودة إلى السعي نحو محاولة فهمه وتفسيره.
المستوى العلمي/البيولوجي: سنقتصر بهذا الصدد على التطورات العلمية التي حدثت على مستوى البيوتكنولوجي Biotechnologie. لقد لاحظ Dominique folsheid بعمق، أنه ليس صدفة أن يكون انهيار الإمبراطورية السوفياتية معاصرا لتطور نمو البيوتكنولوجيا، وظهور وعي حاد بمشاكلها. إن هذا الترادف له دلالة فلسفية، لا يجب الاستهانة بها. إن صدمة التاريخ هنا، تتجلى في تعويض العهد الذهبي للتاريخ ولكل الخطابات والتمثلات التي أسسها بصدد الإنسان والإنسانية، وبصدد العالم، بعهد ذهبي للبيوتكنولوجيا، وما رافقها من تغير على مستوى الخطابات والتمثلات. هكذا فعوض النظر تاريخيا إلى الإنسان كمنتوج اجتماعي، يمكن تفسير كل ما يتعلق به اعتمادا على ما هو سياسي وعلى ما هو اجتماعي، وبالتالي على ما هو مكتسب، أصبح الإنسان الآن ينظر إليه بيولوجيا، كمنتوج لتركيبة من الخلايا l’homme neuronal (لنستحضر هنا أطفال الأنابيب وظاهرة الاستنساخ)، إذ يمكن تفسير كل ما يتعلق بالإنسان اعتمادا على ما هو اقتصادي، ما هو بيولوجي وبالتالي ما هو فطري(21)، (بل حتى الشذوذ الجنسي أصبح ينظر إليه لا كنتاج لشروط نفسية واجتماعية، بل نتاج لشروط جينية). إن صدمة التاريخ، هنا، تكمن في تحول الإنسان من منتوج اجتماعي (تاريخي) إلى منتوج بيولوجي، وتحويل وجهة التحكم من حقل التاريخ إلى حقل البيولوجيا. أمام هذه التحولات وأمام صدمة التاريخ، انتعشت نزعة اسكاتولوجية، تعلن نهاية التاريخ.
يرجع أصل الفكرة إلى هيغل، الذي اعتبر أن نهاية التاريخ تبدأ تحديدا من الفلسفة، "ذلك أن التاريخ هو المعيار الواقعي للحكم على مدى أهمية ودلالة الأفكار"(22). لكن السؤال الذي يجب طرحه، هو ذلك الذي صاغه دريدا، أليست نهاية التاريخ، سوى نهاية تصور محدد عن التاريخ؟ ألا تؤدي هذه النزعة الإسكاتولوجية، إلى استنبات يوم القيامة في المتخيل؟ وما هي دلالة هذا الاستنبات وخلفياته؟
يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال فرضيتين اثنتين:
أولا: لقد اعتبر فوكو أن الفكرة التي كانت سائدة عن التاريخ هي أنه مجال متصل، يضفي القيمة على ما يدوم ويستمر، بينما التصور الجديد للتاريخ، أصبح قائما على مساءلة التحولات(23). وبالتالي فقراءة التحولات العالمية، على أنها مؤشر على لحظة أبوكاليبسية تبشر بحدوث اسكاتولوجيا محددة، ليس سوى دليل على النظر إلى التاريخ، كتاريخ شامل يعكس وجه العصر. فهو يسلم بكون جميع الأحداث وجميع الظواهر تدخل في منظومة شبكة واحدة من العلاقات والعمليات التي تتمحور كلها حول نواة مركزية "ثم إنه يفترض أن نفس الشكل التاريخي يعم البنيات الاقتصادية والثوابت الاجتماعية واستقرار الذهنيات والمواقف السياسية، فيخضعها جميعا لذات النوع من التحول"(24). ولكن قد نتخلى عن هذه النزعة الإسكاتولوجية، إذا ما قرأنا هذه التحولات وفق ما سماه فوكو بالتاريخ العام، باعتباره فضاء للتشتت والتغير. إن السعي نحو سيادة خطاب أحادي شامل حول التاريخ، يود أن يتحدث باسم روح العصر، هو الذي جعل النظر إلى بعض الفلسفات التي أسست للخلخلة والتصدع بمثابة فلسفات أبوكاليبسية، تنذر بسوء مآل التاريخ. لذا فضد كل أشكال الخلخلة الماركسية والنيتشية والفرويدية، سيتم البحث عن كيفية الحفاظ على سيادة الوعي من خلال السعي نحو إقامة تاريخ شامل ينتعش فيه التناسق والاتصال والمعقولية، وبالتالي فالنزعة الإسكاتولوجية المدججة بخطاب النهايات، ليست سوى نزوع نحو كلية منغلقة، ينتفي فيها التنوع ويرفع فيها التصدع والخلخلة، إنه التبشير بتاريخ ينظر إلى ما سبقه نظرة يوم القيامة، كما قال فوكو(25). إن هذه النظرة الإسكاتولوجية تفترض شيئين: افتراض إمكانية الحكم بموضوعية على يوم القيامة، وافتراض وجود حقيقة خالدة في العالم الآخر الجديد، الذي يتأسس بعد القيامة، إنه عالم الخلود، حيث ينتهي الموت، ينتهي الفناء: إن هذا العالم الخالد ليس شيئا آخر سوى عالم الليبرالية، عالم العولمة.
ثانيا، لقد أشار دريدا إلى نفس الفكرة، ولكن بطريقة مغايرة، ذلك أن هذه النزعة الإسكاتولوجية، التي تدعي ارتداء لبس جديد وتدعي سمة وجه العصر، ترجع إلى بداية الخمسينات. فالخطابات حول النهاية (نهاية التاريخ، نهاية الإنسان) وهذه اللكنة الأبوكاليسية كانت مستشرية. لذا قال دريدا إنها تشبه مفارقة مملة(26). إن خطاب نهاية التاريخ، يتقنع من أجل إخفاء حقيقته كخطاب معاد للخلخلة الماركسية، وللتاريخ الشامل. فالخطاب المهيمن، والذي يتلذذ بالحديث عن نهاية المجتمعات المبنية على النموذج الماركسي، هو خطاب يبدو ظاهريا، منسجما، إلا أنه خطاب دوغمائي، يسكنه الخوف والوسواس من طيف الشيوعية، الذي يمكن دائما أن يعود، بل يجب علينا أن لا نجعله يعود. لقد كان في الماضي، يشكل طيفا مقبلا؛ وفي الحاضر، يعتقد البعض أنه طيف مضى، وعلينا الاحتياط من رجوعه(27). لهذا ينبغي تهويل يوم القيامة، نعجل فيه بالإعلان عن النهاية، عن الموت. إن هذه النزعة الأسكاتولوجية تريد أن تنتصر لحقيقة خالدة، ولعالم غير فان. إن الأمر يتعلق بإنجيل جديد، يبشر بإيديولوجية رأسمالية ليبرالية جديدة منتصرة، ينظر إليها كلحظة شمولية، كونية وبالتالي كنقطة نهاية في الحكومة الإنسانية(28)، لأنها تعلن بفرح نهاية الشيوعية. لكنها، حسب دريدا لم تنته لأنها لم توجد قط، ولأنها مجرد شبح لا يموت. تنبني هذه الإسكاتولوجية، إذن على "انهيارات مزعومة، هدفها التبشير بالديموقراطية الليبرالية باعتبارها أصبحت المطمح الوحيد السياسي المنسجم، الذي يجمع مناطق وثقافات مختلفة"(29). إن الأسكاتولوجية هي حد فاصل بين حياة وحياة أخروية، بين موت/نهاية وخلود/بقاء، إن الخطاب الذي يتأسس بعد هذه الأسكاتولوجيا، هو خطاب مدمر لكل الخطابات الأخرى، ويقوم على أنقاضها، إنه خطاب يعيد الاعتبار للتاريخ الشامل (بالمعنى الفوكوي) خطاب يبحث عن وجه العصر، وينزع نحو تأسيس كلية منسجمة مغلقة، إنه خطاب العولمة، "إيديولوجيا هذه الأيام" التي تزعم التطابق مع الطبيعة العميقة للإنسان، إذ تنطلق مقومات هذه الإيديولوجيا من التقدم والتقنية والاتصال، لكي تمركز فكر الناس حول الكيف، مع إخفاء سؤال "لماذا"، في أفق تثبيت ديانة العصر(30). إن خطابا كهذا يجعل من العولمة عالما أخرويا، استتب دوامه، لأنه انتهى زمن النهايات وقامت القيامة، ولم يبق سوى أن نتموقع في فلك هذا الخلود، وأن نختار هذا الشكل من خلودنا.
لقد اعتبر هايدغر أن نهاية الفلسفة هو الإعلان عن بداية حضارة عالمية تتخذ طابعا تقنيا علميا ولم يعتبر هذا النموذج، نموذجا خالدا، بل قال إنه سيتم تجاوزه. صحيح لن تتجاوز الحضارة العالمية من تلقاء ذاتها، بل من خلال استعداد الإنسان من أجل التوجه في مسار مغاير، لهذا صاغ هايدغر سؤالا متقدما، له دلالة في وقتنا الراهن، حيث قال: "هل ستتحطم هذه الحضارة العالمية قريبا، أم أنها ستعزز لمدة طويلة وذلك من خلال تغيير مستمر، يغدو فيه الجديد محتلا إلى الأبد مكانة الجديد"(31)، أي من خلال إغراق العالم في فلك الخلود.
إن هذا العالم الجديد (العولمة)، هذا النظام العالمي الجديد هو سعي نحو ترسيخ انسجام يزعم أنه لم يسبق له مثيل، يعتمد في آلياته الكليانية على إعلان حرب ضد الماركسية، لأنها الطيف، حسب دريدا، الذي يهدد كليته المغلقة، ويهدد انسجامه، إنه مجرد اختلال عالمي جديد nouvel désordre mondial(32)، هاجسه ترسيخ رأسمالية جديدة وليبرالية جديدة وخالدة ومتحررة من الأشباح التي لازالت تطاردها. إن عولمة العالم، ليست كما يشيع لذلك خطاب العولمة، عبارة عن سيرورة عادية، ومرحلة نهائية من مراحل التطور، بل هو في الأصل، نزعة كليانة تقوم أساسا على إسكاتولوجيا للأزمات ووضع حد للإيديولوجيات.
عتبات:
يمكن القول إن اللكنة الأبوكاليبسية، التي ظهرت في صلب رحم الفلسفة، والتي تحدثت عن نهاية الفلسفة، كانت نتاجا لانهيار ما يمكن تسميته بالفلسفة الكونية، كما كانت مولدة لكف الفلسفة عن أن تكون وعدا تتمسح بمسحة نبوية حيث التكهن والتبشير بإنسانية محتملة، كما كان داعيا لإعادة النظر في ارتهان الفلسفة بالثورة. لقد أصبحت مهمة الفلسفة أكثر فأكثر مهمة أنطولوجية نقدية بالمعنى الفوكوي(33) تسعى نحو نقد مزدوج:
* نقد أركيولوجي: ينصب على الخطابات التي تملأ مجالات قولنا وفكرنا وفعلنا، من قبيل نقد أركيولوجي لتمفصلات خطاب العولمة. لا يتعلق الأمر بتأرجح بين رفض وقبول، كما يقول بعض المفكرين. لنسق على سبيل المثال ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري: "وبما أن الأمر يتعلق بنظام عالمي يفرض نفسه بكل قوة السوق ووسائل الإعلام والاتصال التي تخترق الحياة البشرية في كل مكان، فإن الوقوف ضده ومواجهته من خارجه عملية لا أظن أنها ستكون مجدية بالقدر المطلوب. ولذلك أرى أنه من الضروري العمل داخل هذا النظام نفسه واستعمال وسائله وأدواته للتأثير على مساره واتجاهاته…"(34).
عكس ذلك يتعلق الأمر بنقد أركيولوجي، يكون على الحدود من أجل التفكير في هذه الخطابات –خطابات العولمة- وتحليلها.
*نقد جينيالوجي: ينصب على الغوص في كل ما نفعله وما نفكره في الحاضر، أي فهم ما نحن عليه الآن. والحاضر هنا، هو حاضر التحولات العالمية، وما أفرزته من خطابات إسكاتولوجية مؤسسة للقيامة، لعالم جديد خالد (سرمدية العولمة): يقول هوسرل "إننا نحن الذين ولدوا في خضم هذا التحول، نوجد أمام الخطر الأكبر: ألا وهو الغرق وسط طوفان الشكية بحيث نترك حقيقتنا الخاصة تنفلت منا. فلتتجمع عقولنا حول هذا الضيق الشديد، ولنلتفت بنظرنا نحو تاريخ إنسانيتنا الحالية. فعبر توضيح وحدة معناه، يمكننا كسب فهم ذواتنا… فوحده الفهم الداخلي لحركة الفلسفة الحديثة في وحدتها، يسمح لنا بفهم هذا الحاضر ذاته"(35).
إن مهمة الفلسفة: بما هي مهمة نقدية، اتجاه الحاضر، تسعى نحو فهم الذات، بوابتنا من أجل فهم الحاضر. إن هذه الجينيالوجيا من شأنها أن تجعلنا نقرأ هذه التحولات العالمية التي تعيشها ذواتنا في الحاضر، نقرأها بحس تاريخي –بالمعنى العام وليس بالمعنى الشامل المؤسس للقيامة. إنه عمل لذواتنا حول ذواتنا ككائنات حرة، تندمج في حياة فلسفية وتجعل من تحليل ونقد ما نحن عليه عبارة عن تحليل للحدود التي توضع أمامنا من أجل اختراق ممكن لها(36). إن مهمة الفلسفة، هي إذن، نقد هذه النزعة الكليانية (العولمة) نقدا ينصب نظريا وعمليا على ذلك الادعاء بوضع حد لنهاية الرأسمال والذي دمر الديمقراطية، ونقد ديانة الرأسمال التي ترسم دوغمائيتها في أوجه جديدة(37).
إنها مهمة تتوخى النظر في هذه التحولات بمعزل عن روح العصر، وبالتالي مهمة نقدية، تتوخى هدم خطاب العولمة، بما هو مطمح يود جعل التحولات دالة على زمن العالم الذي نعيشه، زمن يجب أن نقرأ فيه كل التحولات باعتبارها ليست سوى تجليات لعالم يرسم قدر الحضارات ومصير الإنسانية مصيرا واحدا خالدا، كمرحلة نهاية من مراحل التطور. فالعالم الأفضل الأبدي الذي ينتظره الإنسان، حسب هذا المنظور، ليس هو النموذج الذي عاش فيه سابقا (المجتمع الإنساني ذو الدلالة الاشتراكية ولا حتى النموذج الرأسمالي سابقا) بل هو مملكة خالدة (مملكة إلهية). هذا العالم الأخروي، هذا العالم الجديد، لا يمكن أن ننظر إليه وفق ثنائية الجنة والنار، بل هو العالم المفروض وكفى، العالم الوحيد الذي يمكن أن نعيش فيه. إن مهمة الفلسفة تكمن في خلخلة وهدم هذا الفردوس الذي يزعم الخلود. إنه تصور ينبني على موقف خطي من التاريخ حيث يرفض إسكاتولوجيا فكرة العود الأبدي (رفض عودة الاشتراكية)، فلا عودة للعالم المنتهي. لهذا قد يبدو لنا فردوسا، وقد يبدو لنا جحيما، ولكن لا خيار لنا، فليس هناك عالم آخر بعده، لأنه عالم أخروي أخير. يقول ديريدا في نقد هذا العالم: "يسير العالم نحو الأسوأ (ليس كعالم على ما يرام). لقد أصبح مستنفذا (مبتذلا) ولا يمكن تقدير هذا الابتذال: هل هو شيخوخة أم شباب؟ لا يمكننا تقدير ذلك. أصبح للعالم أكثر من عمر. يعوزنا قياس القياس، إننا لا ننتبه إلى هذا الابتذال وكأن الأمر يتعلق بعمر واحد له دور في تقديم تاريخ ما. ليست المسألة مسألة نضج، ولا أزمة ولا حتى احتضار، يتعلق الأمر بشيء آخر. إن ما يحدث، يحدث في نفس العمر، لكي يعزز النظام الغائي للتاريخ. أما ما يأتي، أو يبدو أنه لا زمني، فهو يحدث في الزمن، ولكنه لا يحدث في وقته"

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-19-2011, 19:40   رقم المشاركة : 38
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

مفهوم "الحقل" عند بيير بورديو: القوة الإجرائية و الفعالية الاستكشافية.



ديرار عبد السلام.
يخلد الفلاسفة بمفاهيمهم، و العلماء أيضا، بل إن العالم يتحول في آخر المطاف إلى إنسان مقترن بمجموعة من المفاهيم صيغت في شكل قوانين. و يخلد المفهوم الفيلسوف باعتبار المفهوم في جوهره تورطا و ارتطاما بالعالم و قضاياه، و بالضبط بقضايا الإنسان في علاقته بالإنسان. و التورط و الارتطام قد يكونان بالمعنى الإيجابي و قد يكونان بالمعنى السلبي، و السلبي و الإيجابي يدركان طبعا انطلاقا من شرط من يرى و يدرك. و حين يتمكن الفيلسوف من بناء مفهوم ما بهذا المعنى) وهي عملية في غاية الصعوبة و إلا لكان كثير من الناس فلاسفة (، يولد المفهوم و ينفصل عن صاحبه، و يصبح ملكا لكل قادر على التورط أو إعادة التورط به. و هنا يكمن سر تخليده للفيلسوف الذي أبدعه. أما سر تخليد المفهوم للعالم، فالواضح أنه أشسع من سر تخليده للفيلسوف خصوصا حين يتعلق الأمر بالمفاهيم المرتبطة بقضايا الإنسان، إذ إلى جانب كون المفهوم هنا تورطا و ارتطاما بالعالم و قضاياه يستثمره آخرون، فإن المفهوم في العلم يعتبر أداة للكشف و الاستقراء و النبش و السبر و التفكيك )تفكيك الوقائع طبعا( ...، يستمر اعتمادها) الأداة( بالتناسب مع حجم قوتها و فعاليتها، وما دام العلم لم يتمكن بعد من بناء مفهوم آخر أكثر قوة و فعالية.
و القارئ الذي تابع و تفحص الأعمال العلمية الكبرى لعالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو Pierre Bourdieu ، لابد أن يلاحظ كونها تمحورت حول مفاهيم كبرى اخترقت قوتها الثقافات و التخصصات و الحدود و اللغات، و باتت ملكا للكثيرين خلال حياته و اليوم بعد رحيله )أليست ضامنة لخلوده؟(، و نخص بالذكر مفاهيم "إعادة الإنتاج"La reproduction، و "العنف الرمزي"La violence symbolique، و "الهابيتوس" Habitus،) و مما له الكثير من المعنى أن لا نعثر له على مقابل متماسك في العديد من اللغات و يتم استعماله على نطاق واسع بلغته الأصلية (، و "الرأسمال الرمزي"Capital symbolique ، و "الخيرات الرمزية"Biens symboliques ، و "سوق الخيرات الرمزيةMarché des biens symboliques ، و "الطبع"Inculcation ، و"النبلاء الجدد"La nouvelle noblesse، و"الميكروكوزم"Le microcosme و "الحقل"Le champ...
و ما يهمني أساسا في هذه الدراسة هو هذا المفهوم الأخير، أي مفهوم "الحقل".و الحال أنه في غاية الصعوبة الإحاطة بكل المفاهيم التي أبدعها و تورط بها بورديو لأن لكل منها سياق تورطه و منطقه و رهاناته و سيرورة انبنائه .
1- مفهوم "الحقل" عند بورديو:
تلزم الإشارة أولا إلى كون معنى "إبداع" المفاهيم في العلم ( و في الفلسفة أيضا) لا يحيل بالضرورة إلى معنى الخلق أو النحت لأول مرة، أي بالمعنى الذي يدفع إلى الاعتقاد أن الكلمة/المفهوم لم تكن موجودة أصلا و لا يبدأ وجودها إلا مع وجود الفيلسوف أو العالم !!، لا ليس الأمر كذلك، لأن الكثير من المفاهيم العلمية (حتى في مجال العلوم الدقيقة) تكون في الغالب مألوفة في اللغة العادية (و لا أقول العامية)، و لكن ككلمات لا أكثر( أي ليس كمفاهيم) . فمفهوم "الجاذبية " قبل أن يصبح مفهوما علميا تفسر به ظواهر الكون كان كلمة عادية تضاف إلى حديقة أو لوحة أو امرأة للتعبير عن جمالها الفادح. و نفس الحال بالنسبة لمفهوم "الحقل" عند بورديو الذي انتزعه من الاستعمال العادي الذي يفيد قطعة أرض قد تمتد و قد تقصر، أو في الاستعمالات الحديثة: مجالا لتربية الدواجن أو الأسماك أو غيرها...، ليبنيه مفهوما علميا للتورط و الكشف و الخلخلة. يحيل مفهوم الحقل عند بورديو إلى عالم اجتماعي كامل "Tout un monde social "، أي بكل المواصفات و التقاطيع التي يشير إليها العالم الاجتماعي: يتعلق الأمر بسلطة و رأسمال و علاقات قوة و صراعات من أجل المحافظة أو من أجل تغيير علاقات القوة القائمة، و باستراتيجيات للمحافظة أو للخلخلة...الخ، كما في باقي المجالات الاجتماعية. و من جهة أخرى، و في نفس الوقت عالم خاص له قوانين اشتغاله الخاصة( 1). هذا هو معنى الحقل الثقافي عند بورديو، و هو المعنى الذي ما انفك يطوره على امتداد مشواره العلمي الطويل الممتد من نهاية الستينات و بالضبط من ثورة الطلاب الشهيرة إلى مشارف القرن الواحد و العشرين. أثار بورديو مفهوم "الحقل" في مقالات عديدة أولا، ثم قدم تركيبا في كتابه "الرأسمال الرمزي". و عاد للمفهوم بقوة في كتاب ضخم هو" قواعد الفن"(2) ، ثم ارتقى في عملية التركيب و الصياغة في آخر درس له بكوليج دو فرانس( أي بعد مدة طويلة من بداية ورش بناء المفهوم) ، و هو الدرس الذي نشر تحت عنوان مشهور عند السوسيولوجيين و النقاد الأدبيين و الأنتروبولوجيين و غيرهم(3) . ثم عاد في نهاية مشواره ليقدم لنا المنتوج و قد اكتمل بنيانه، أي المفهوم و قد انقطعت صلته بالمعنى الاستعمالي العادي ليغدو أداة للتورط و الحفر و النبش و الفهم و التفسير فعالة و في أعلى درجات القوة الإجرائية، أي قابل لأن يستخدمه الآخرون للتحليل و الفهم و فك ألغاز و طلاسم الواقع الاجتماعي( و المقصود هنا هو طلاسم الحقل الثقافي).
و لكي يقربنا بورديو أكثر من مفهوم "الحقل"، ينتقد كلا من ميشيل فوكو و الشكلانيين الروس في فهمهم لمنطق اشتغال "الثقافي": ينتقد فوكو أولا، فيكشف كون هذا الأخير بقي وفيا للتقليد الديسوسوري( نسبة إلى دي سوسير) ، حين ينتهي إلى التأكيد على الاستقلالية المطلقة ل: "حقل الإمكانيات الإستراتيجية" الذي يسميه "الإبستيمية"( Epistémè ، و يستدعي بورديو فيدغتشطاينWittgenstein في تذكيره بكون الحقائق الرياضية ليست جواهر خالدة تخرج مسلحة بالكامل من الدماغ البشري ، و إنما هي المنتوجات التاريخية لنوع من العمل التاريخي المنجز تبعا للقواعد و الضوابط الخاصة بهذا العالم الاجتماعي الخاص الذي هو الحقل العلمي(4) .
ثم يؤكد بورديو أن نفس النقد يبقى صالحا ضد الشكلانيين الروس، الذين لا يـأخذون في الحسبان سوى نسق الأعمال [الفكرية] ، أي شبكة العلاقات بين النصوص أو العلاقات البين-نصية( )intertextualité،و مثلهم في ذلك مثل فوكو، يجدون أنفسهم مضطرين للعثور داخل نسق النصوص ذاته على مبدأ ديناميته(5). أليس ذلك ما يقوله تينيانوفTynianov عن النسق الأدبي، ثم أليس ذلك جوهر أطروحة فوكو بالنسبة للعلوم؟
يحلل التأويل البنيوي الأعمال الثقافية ( اللغة، الأساطير...، ثم الأعمال الفنية) كبنيات مبنينة )Structures structurées( دون ذوات مبنينة )des sujets structurants( و التي هي كما الحال بالنسبة للغة الديسوسورية إنجازات تاريخية خاصة، و يلزم-إذن- تفكيك رموزها على أساس أنها كذلك، و لكن دون أدنى رجوع للشروط الاقتصادية أو الاجتماعية لإنتاج العمل الثقافي أو لمنتجيه(6).
و ضمن تحديده ل مفهوم الحقل، يتنقل بورديو إلى تناول التحليل الخارجي( المنتوجات الرمزية)، و الذي يفكر في العلاقة بين العالم الاجتماعي Le monde social و الأعمال الثقافية ضمن منطق الانعكاس، فيربط –ميكا***يا- الأعمال الفكرية بالخصائص الاجتماعية للمؤلفين( بأصولهم الاجتماعية)، أو للمجموعات الحقيقية أو المفترضة التي توجه لهم تلك الأعمال، و الذين يفترض أن تجيب على انتظاراتهم(7).
ثم يتناول التحليل الإحصائي الذي يبحث عن بناء الخصائص الإحصائية لجمهور الكتاب خلال فترات مختلفة أو عند فئات مختلفة منهم( مدارس، أجناس...الخ) خلال فترة معينة، و يبين بورديو أن هذا النمط من التحليل ليس أكثر صلاحية، فهو ينطبق في الغالب على جمهور[ كتاب ] مبني مسبقا بمبادئ للترتيب هي الأخرى مبنية سلفا. ولإعطائه الحد الأدنى من الصرامة و الدقة، يلزم أولا –كما قام بذلك فرانسيس هاسكل Francis Haskell بالنسبة لفن الرسم – دراسة سيرورة تكوين لوائح المؤلفين الذين يشتغل عليهم الإحصائي، أي عملية سن المبادئ و القواعد التي تمكن من التمييز بين الفئات التي تتحكم في بناء التراتب الذي يؤدي إلى تحديد جمهور الكتاب المعترف بهم في لحظة تاريخية معينة. و من جهة أخرى، يلزم دراسة نشوء و تشكل أنساق الترتيب و تحديد العصور و "الأجيال" و "المدارس" و "الاتجاهات" و الأجناس...الخ التي تستعمل في التصنيفات الإحصائية و التي هي واقع أدوات و رهانات الصراع.
ليست المسألة إذن بالبساطة التي يعتقد الكثيرون، فقراءة حال حقل ثقافي معين من أصعب المهام على الإطلاق، و النقد الأدبي أو النقد عموما ليس بالمعنى المبتذل و المبسط الشائع، بل هو مهمة شاقة إلى أبعد الحدود، إذ في غياب تلك الجينيالوجيا التي يضع بورديو إجراءاتها و خطواتها الضرورية، نعرض أنفسنا لخطر الحسم في المشكلة على المستوى البحثي بينما هي لا زالت قائمة على مستوى الواقع : مثلا حدود جمهور الكتّاب أي حدود الكتاب المعترف بهم من طرف الأكثر شهرة منهم، أولئك الذين لايتردد كبار الناشرين في نشر "أعمالهم"مهما كان مستوى جودتها ، و تفرد لهم الصحف الكبرى مساحة خاصة متميزة، و يتسابق الصغار المتزلفون لنشر قراءات لأعمالهم يرسمونهم فيها – تزييفا ونفخا- آلهة أو أوثانا، ليستمدوا فتات رمزية منهم. مما يعطي لهؤلاء الأكثر شهرة الحق في الادعاء بأنهم كتاب. ينطبق ذلك على الروائيين كما ينطبق على الشعراء و المؤرخين و المحللين السياسيين و الجغرافيين و السوسيولوجيين، و كل المشتغلين بكل الحقول المعرفية.
و ينتهي بورديو إلى أن الدراسات الأكثر نموذجية لنمط التحليل الخارجي و التي يغيب عنها معنى الحقل و منطق اشتغاله، هي الدراسات ذات النفحة الماركسية التي من خلال كتاب مختلفين ك : لوكا تش Lukacs أو غولدمانGoldmann و بوركونوBorkenau ( حول تشكل الفكر الميكا***ي)، و أنتال Antal حول الرسم أو أدو رنوAdorno ( حول هايدغر) ، حاولت ربط الأعمال الفكرية بالنظرة إلى العالم أو بالمصالح الاجتماعية لطبقة اجتماعية( 8) .
إذن ، لا الذي يقصده فوكو، و لا الذي يقصده الشكلانيون الروس، و لا أصحاب التوجه الماركسي و الإحصائي هو الحقل، بل إن الحقل شيء آخر مختلف تماما. و لضبطه و إدراك حدوده و شعابه و ألاعيبه و الفاعلين فيه و منطق اشتغالهم و اشتغاله بهم، يلزم تطبيق نمط التفكير العلائقي على الفضاء الاجتماعي للمنتجين( منتجي الأعمال الفكرية أو الثقافية) : فالميكروكوزم( 9) الاجتماعي الذي تنتج في إطاره الأعمال الثقافية( الحقل الأدبي، الحقل الفني، الحقل العلمي...الخ) هو فضاء لعلاقات موضوعية بين مواقع( موقع الفنان المنبوذMaudit و موقع الآخر المتوّجConsacré) ..، و لا يمكن فهم ما يجري داخله إلا إذا موضعنا كل فاعل أو كل مؤسسة داخل علاقاته/علاقاتها مع كل الفاعلين أو المؤسسات الأخرى، إذ ضمن الأفق الخاص لعلاقات القوة المتميزة هذه، و للصراعات الهادفة إلى المحافظة أو إلى التغيير، تنشأ استراتيجيات المنتجين: شكل الفن الذي يدافعون عنه، و التحالفات التي ينسجون و المدارس التي يؤسسون، كل ذلك من خلال المصالح الخاصة التي تتحدد ضمن تلك العلاقات(10).
ذلك هو الحقل، و تلك هي عوالمه الذرّية( ميكروكوزماته) التي يشتغل كل منها بنفس منطق اشتغال الحقل ككل. فالسيرورة التي تفضي إلى الأعمال الفكرية هي نتاج الصراع بين الفاعلين الذين لهم مصلحة في المحافظة أي في الروتين و الرّوتنةRoutinisation ، أو الذين يسعون إلى قلب الوضع القائم ، و الذي يتخذ في الغالب شكل العودة إلى المنابع و نقاء الأصول، و النقد المارق، كل ذلك في علاقة مع مواقع الفاعلين ضمن الحقل. فأن يفرض في السوق ( سوق الخيرات الرمزية) في لحظة معينة، منتج جديد، و منتوجا جديدا و نسق أذواق جديد، معناه الدفع للانزلاق إلى الماضي بمجموع المنتجين و المنتوجات و أنساق الذوق المرتّبة تبعا لعلاقة درجة الشرعية(11).
2- مفهوم "الحقل": القوة الإجرائية و الفعالية الاستكشافية:
لا يقدم لنا بورديو أفكارا محض نظرية تورطنا في التأمل الصرف، أو تجرنا نحو الحلم ! ، يكره بورديو أن يخالطنا الانفصال عن الوقائع و منطق اشتغال الواقع. و بناء على ذلك، يقدم لنا مفهوما إجرائيا/أداة إجرائية تمكننا من الانتقال المباشر إلى العمل، يكفي أن تتوفر فينا الشروط المطلوبة و أبرزها الروح الجادة المستعدة للآلام المبرحة ، فالحقل جديد والأدوات في غاية الدقة و الخيوط متشابكة و كم تحن مع بورديو بعيدين عن تلك المسالك التبسيطية المألوفة.
ما أن يمسك الباحث و الناقد و مؤرخ الأفكار بخيوط مفهوم الحقل ، حتى يشعر بقوة و كأنه يمسك بضوء كاشف وسط غابة فادحة الحلكة، فتنفضح له استراتيجيات الفاعلين و المؤسسات المنخرطة/المنخرطين في الصراعات الأدبية، أي اتخاذهم لمواقف جد خصوصية كالأسلوبية مثلا، أو غير خصوصية كالمواقف السياسية و الأخلاقية...الخ، هذه الاستراتيجيات التي يتضح أنها متوقفة على الموقع الذي تحتله/يحتلونه داخل بنية الحقل، أي داخل توزيع الرأسمال الرمزي الخاص الممأ سس أوغير الممأسسInstitutionnalisé ou non ( اعتراف داخلي أو شهرة خارجية) ، و الذي – عبر الاستعدادات المتشكلة من هابيتوسهم Habitus (12) ( و المستقلة نسبيا عن الموقع) ، تخضعهم إما لأن يحافظوا على بنية هذا التوزيع أو يعملوا على تغييرها ، أي أن يؤبدوا قواعد اللعبة الجارية أو أن يخلخلوها. إلا أن هذه الاستراتيجيات – و عبر رهانات الصراع بين السائدين و المطالبين بالاعتراف بهم و القضايا التي حولها يتواجهون – متوقفة أيضا على وضعية الإشكالية المشروعة، أي وضعية مجال الإمكانيات الموروثة من الصراعات السابقة الذي يميل إلى تعريف/تحديد مجال اتخاذ المواقف الممكنة و توجيه البحث عن الحلول و بالتالي تطوير الإنتاج(13) .
كل ذلك يكشفه اعتماد مفهوم "الحقل" أداة إجرائية للقراءة و التحليل و التفكيك، و هو ما لا يتسنى بالأساليب التقليدية و الأدوات الكلاسيكية ضمن المناهج الكلاسيكية التي يستمر اعتمادها في حقل الدراسات الأدبية أو حتى في حقل العلوم الإنسانية. و تتسع دائرة الفعالية التي تتمتع بها الأداة التي يقدمها لنا بورديو حين يكشف التطبيق العملي قصور كل الدراسات و المناهج و الأدوات و التقنيات التي تشتغل في خندق البحث عن الوظائف ضمن الحقل الثقافي العام أو ضمن كل ميكروكوزم على حدة( الشعر، الرواية، المسرح، الفلسفة...) . يقول بورديو : "بلغة أكثر عمقا، لنفترض أننا تمكنا من تحديد الوظائف الاجتماعية للعمل الفكري، أي المجموعات و "المصالح" التي يخدمها أو يعبر عنها، هل نكون قد دفعنا و لو قليلا في اتجاه فهم بنية العمل ؟ القول بأن الدين "أفيون الشعوب" لا يعلمنا شيئا حول بنية الرسالة الدينية. و بناء على ذلك يمكنني القول فيما يخص عرضي أن بنية الرسالة هي شرط إنجازها لوظيفتها، إن كانت هناك وظيفة. و ضد هذا الاختزال بالضبط، طورت(بورديو) نظرية للحقل، لأن الاهتمام المبالغ فيه بالوظائف، يؤدي إلى إغفال مسألة المنطق الداخلي للموضوعات الثقافية، بنيتها باعتبارها لغات، و الأكثر عمقا أنه يؤدي إلى نسيان المجموعات التي تنتج هذه الموضوعات ( رجال دين، قانونيون، مثقفون، كتاب، شعراء، فنانون، رياضيون...الخ) ، و الذين تؤدي لهم وظائف. وهنا يعتبر فيبرWeber و نظريته في الفاعلين الدينيين ملاذا حقيقيا. و لكن إذا كان له الفضل في إعادة إدماج المتخصصين و مصالحهم الخاصة، أي الوظائف التي يقوم بها نشاطهم و منتوجاتهم ( عقائد دينية، مجموعات نصية قانونية...) لصالحهم، فإنه (أي فيبر) لا يلاحظ أن عوالم رجال الدين هي ميكروكوزمات اجتماعية أي حقول لها بنيتها الخاصة و قوانينها الخاصة(14).
إننا بكل وضوح أمام أداة إجرائية في غاية الفعالية الاستكشافية، و القادر على الإمساك بها و تسليط أضوائها الكاشفة بإتقان و حسب التعليمات الصارمة ل"الصانع"،على حقل ثقافي ما لمجتمع ما، لا بد أن ينجلي له و بكل وضوح كون الصراع بين المشهورين من ذوي الألقاب( في حقل ثقافي معين)، و المطالبين بالاعتراف بهم، بين الحائزين على اللقب( كاتب، فيلسوف، عالم...الخ) و خصومهم المعلنين للتحدي كما يقال في مجال الملاكمة، هو الذي يصنع تاريخ الحقل : إن شيخوخة المؤلفين و المدارس و الأعمال الفكرية هي نتيجة الصراع بين ألئك الذين طبعوا فترة تاريخية ما ( بإحداث موقع جديد داخل الحقل) و الذين يصارعون من اجل الاستمرار( حتى يصبحوا كلاسيكيين)، و بين ألئك الذين لا يستطيعون أن يسجلوا اسمهم في التاريخ من غير أن يلقوا إلى الماضي بأولئك الذين لهم مصلحة في تأبيد الوضعية الراهنة و إيقاف التاريخ(15). و لا تفلت من الأضواء الكاشفة لمفهوم الحقل، قنوات الدعم الغير معلنة(في الغالب) التي يتلقاها هذا الطرف أوذاك من جهات أو مؤسسات أو قوى من خارج الحقل لالتقاء مصالحها مع مصالح هذا أو ذاك.
أليس هذا هو منطق الحقل الثقافي منذ انبثاقه؟ألم تقسم قضية دريفوس Dreyfus الشهيرة( التي شكلت منطلق ظاهرة المثقف)، الجسد الثقافي الفرنسي إلى جماعتين متعارضتين لم تخل ساحات الجامعات الفرنسية أحيانا من تشابكهما بالأيدي و العصي؟ و بينما رأت فيها الجماعة الأولى مسّا بشرف الجيش الفرنسي و "محاولة يهودية فاشلة" للنيل من كيان فرنسا الوطني ( موريس باريس Maurice Barres ، أعضاء الأكاديمية الفرنسية...) ، رأت فيها الجماعة الثانية تهديدا للديمقراطية و تكريس للعنصرية و مدا للعسكراتية (اليسار السياسي الفرنسي، ليون بلومLéon Bloom ، جان جريسJean Gores، بعض الأدباء الشباب الملتفين حول جماعة الرمزيين من أمثال أندريه جيدAndré Gide ، مارسيل بروستMarcel Proust) ، ثم دخل أكبر أديب فرنسي آنذاك : إميل زولاEmile Zola ليزن بكل ثقله خصوصا من خلال "إني أتهم" / الرسالة الشهيرة الموجة إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 13 يناير1898 (16).
و ما يهمنا أساسا هنا هو كون هذا الاختلاف بين الجماعتين لم يكن محض اختلاف سياسي، بل كان أيضا اختلافا بين جيلين ثقافيين، جيل القدامى الذي مثلته الأكاديمية الفرنسية بميولها الوطنية المحافظة و بمعاداتها لكل ما من شأنه أن يمس ب "الإرث الأدبي للغة الفرنسية"، و جيل المحدثين بميوله الطليعية و بتعاطفه مع كل النزعات "التجديدية". حمل الجيل الأول أحيانا اسم "الورثة" ( )Les héritiers، أي جيل الصالونات الأدبية الرفيعة الذي كان يحتقر احتقارا شديدا الجيل الثاني، جيل الممنوحين)Les boursiers(، أي الجيل الذي تكون في الجامعة الفرنسية و درس فيها بمنح مساعدة علاوة على عوزه المادي و أصوله الريفية(17).
** تساؤلات من وحي سياقنا الثقافي الخاص :
ذلك منطق الحقل و جوهره ، و تلك حقيقته، هو ساحة لحرب حقيقية و لرهانات متناقضة تحسمها الهابيتوسات المختلفة للفاعلين و كذا مواقعهم، و تتدخل قوى خارجية(من خارج الحقل) لتقديم الدعم و المساندة للجهة التي تلتقي معها في المصالح. فالتعارض بين السائدين و المطالبين بالاعتراف بهم يؤسس توترا داخل الحقل بين الذين يجهدون أنفسهم لتجاوز منافسيهم، و الذين يحاولون تجنب أن يكونوا موضوع ذلك التجاوز كما الحال تماما في سباق. و عموما فبالرغم من كون الصراعات الداخلية للحقل تتمتع بالكثير من الاستقلالية من حيث المبدأ، فإنها تبقى دائما متوقفة في أصلها على التبادل الذي يمكن أن تقيمه مع الصراعات الخارجية، سواء تعلق الأمر بالصراعات داخل حقل السلطة أو داخل الحقل الاجتماعي في كليته(18).
و كل قارئ ألم بخيوط مفهوم "الحقل" كما بناه بورديو و هندس مركباته، لا بد و أن تجرفه رغبة عارمة في "تسليطه" على الواقع و الوقائع، خصوصا في مثل سياقنا الثقافي لتسليط الضوء على الزوايا المظلمة لإخفاقاتنا و النقط العمياء المسببة لانتكاساتنا و العلاقات و البنيات المعطلة لانبثاقنا، و خصوصا لوضع اليد على سر امتداد التفاهة إلى العديد من جوانب البعد المزي فينا بعدما كان منا سادة الشعر و الفلسفة و الرياضيات و الفلك...، و انطفأ عنا نور كل هؤلاء بعدما تم تعطيل عقلنا أو على الأحسن ميتا-معرفنا.
و قبل الانتقال إلى العمل الإجرائي الهائل الذي تتيحه الأداة (مفهوم الحقل)، لا نشك في كون القارئ في سياقنا سيجد نفسه وجها لوجه أمام سيل من الأسئلة جد مستفز من قبيل :
أ‌- كم من شاعر و روائي و مشتغل بالفلسفة و بالتاريخ و بالسياسة (العلم) و...، في سياقنا كان يلزم أن يخرس منذ زمان لأنه لم يعد في جعبته ما يقدمه، إلا أنه يستمر في السيادة. و الحال أنه بالنسبة لمن يأخذ في الاعتبار منطق الثورة الدائمة التي باتت قانونا لاشتغال الحقل، فلا يمكن التردد في القول أن خمسة و عشرين عاما هي مدة للبقاء جد طويلة لجيل أدبي(19).
ب‌- في إطار تدخل السلطة القائمة ضمن الصراع داخل الحقل الثقافي بين المتوجين / السائدين و المنبوذين / المجددين و المطالبين بالاعتراف بهم ( طبعا لصالح السائدين لالتقاء المصالح بين الطرفين)، ألا يسهل تصور كون حجم تدخل السلطان)Le pouvoir( التقليدي المعادي للعقل الجاثم على صدورنا ، فظيع ، مخرب و بشع إلى أبعد الحدود، و هو ما يفسر التشوهات التي مست ميكروكوزمات عديدة من حقلنا الثقافي و تضخم أعداد وجوه بلاستيكية لشعراء و روائيين و محللين سياسيين و حتى فلاسفة و سوسيولوجيين تحتل الساحة ليسهل الاغتيال الرمزي للحقيقيين.
ت‌- بالنسبة لمجتمعاتنا نحن خارج الغرب الديمقراطي المتقدم بالخصوص، هل يقتصر الدعم الذي يتلقاه المكرسون و الذين ينعتون بالمثقفين، على السلطان المركزي التقليدي أم يتعداه إلى المؤسسات الموازية لهذا السلطان، و نقصد بالخصوص ما ينعت ب "الأحزاب" أساسا؟ أليس مشهورا عندنا نحن بالمغرب مثلا أن أسماء تحتل مواقع أمامية في الحقل الثقافي إن هي إلا "صناعة ح***ة" باهتة و أن البون بينها و بين ما يدعى لها من شعر و رواية و سوسيولوجيا و علم سياسة و...و...، جد شاسع، و الأخطر في ذلك أنها بوجوهها اللاتستحيي يصبح كل واحد منها إمبراطورا على ميكروكوزم.
ث‌- في ارتباط بما سبق، ألا يجرنا مفهوم الحقل إلى التساؤل المؤلم عن كم من الشعراء و الروائيين و المؤرخين و المفكرين الفعليين و الغير الزائفين في سياقنا الذين سيغادرون هذا العالم دون أن تتاح لهم الفرصة لتلقيح مخيالنا بتقديم ما لديهم، نتيجة التواطؤ الفظيع(الغير معلن) بين السلطة التقليدية المتخلفة المعتمدة على المكر و الدسيسة، و جيل المتوجين المصرين على الاستمرار في احتكار الزمان و المكان (و لو على حساب المقدس).
لقد كشف ميشيل فوكو أن لكل مجتمع نظاما معينا للحقيقة و سياسة للمعرفة و أنواعا من الخطابات يقبلها و يسمح بتداولها و عملها على أساس أنها خطاب الحقيقة، و آليات و منابر تسمح بتعيين ما للحقيقة و ما ليس لها، و طرق معينة للتوصل إلى الحقيقة، و موقع خاص لأولئك الذين يوكل إليهم إصدار قول ما يعمل كحقيقة. و بناء على ذلك، فمهمة المثقف الجدير بهذا الاسم هي العمل في خندق إنشاء سياسة جديدة للحقيقة، أي العمل من أجل تغيير النظام السياسي و المؤسساتي لإنتاجها و تعميمها و الدعاية لها. يقول بورديو : يكفي أن نطرح السؤال الممنوع لنتبين أن الفنان الذي خلق العمل هو نفسه "مخلوق" داخل حقل الإنتاج من طرف الذين ساهموا في "اكتشافه" و تتويجه كفنان "معروف"، و معترف به (نقاد، مقدمون، تجار...الخ). (20). يحدث هذا بالمجتمعات الحديثة، أما بمنجمعاتنا بعاهاتها ، فالسلطة التقليدية المتخلفة المهووسة بتأبيد شرطها و لو على حساب انقراض شعوبها، تبقى هي صاحبة الكلمة الأولى لأنها صاحبة أكبر مصلحة في استمرار الأسئلة الزائفة و التي مستها الشيخوخة، و التي تكرر نفسها ، و التي ضاع أصحابها بفعل التضخم الفادح للأنا ، و التي تكره "الانفصال" بلغة الفلسفة. إلا أن كل ذلك لا يمنع من انتشار بعض الجديرين به رغم ضراوة الاغتيال الرمزي، و لكن تحت وطأة آلام مبرحة وقدرة على التحمل هائلة، أو بضمان الشهرة بالجغرافيا التي تحتفي بالفكر و المفكرين قبل العودة (بالشهرة) إلى أرض السواد، أو بالحيلة... . و لا عيب أبدا في ذلك ما دام شعراء و قصاصو و روائيو و فلاسفة الأنابيب يتكاثرون كالفطر، وفعلهم التسطيحي الخبيث يهدد أجيالنا بالضياع.
__________________________
هوامش:
1-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques- sur la théorie de l’action- édition : Seuil –
1994 – p : 96
2-Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – Genèse et structure du champ littéraire
–édition du Seuil- 1992.
3-Pierre Bourdieu : Science de la science et réflexivité : édition : Raison d’agir –
Paris- 2001.
4-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques- op.cit.- p : 65.
5-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques –op.cit.-p : 65.
6-Pierre Bourdieu : Raisons Pratiques –op.cit –p : 63.
7-Pierre Bourdieu : Raisons Pratiques – op.cit – p : 66.
8- Pierre Bourdieu : Raisons pratiques – op.cit – p : 67.
-9يستعمل بورديو مفهوم "الميكروكوزم" بمعنى الحقل الذري أو الحقل الخاص لإنتاج صنف أدبي أو معرفي خاص (شعر، رواية، فلسفة...) له بنيته الخاصة و قوانينه الخاصة.
10-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques – op.cit. p. : 68
11- Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – op. Cit. –p. :264.
12- يقصد بورديو بمفهوم "الهابيتوس" مجموع الاستعدادات التي تطبع في الأفراد ضمن موقع معين و شروط معينة، و التي تجعلهم يتصرفون وفقها (الاستعدادات) لا وفق ما يريدون/يختارون أو وفق شرطهم أو وفق ما يقتضيه العقل... .
13- Pierre Bourdieu : Raisons pratiques – op.cit – p. :71.
14- Pierre Bourdieu : Raisons pratique – op. Cit – p. : 68.
15- واضح جدا في حالة المجتمعات التقليدية أن هذا الصراع يحسم في الغالب لصالح المكرّسين نتيجة الدعم الذي يتمتعون به من طرف السلطة التقليدية و المؤسسات الموازية لها، و أنه لا تتاح الفرصة لانتصار المنبوذين إلا في حالات ناذرة ، بالحيلة و ذكاء أحيانا ، و بمعاناة لا حدود لها أحيانا أخرى.
16- محمد الشيخ: المثقف و السلطة – دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى – 1991 – ص: 18.
17- محمد الشيخ: نفس المرجع – ص: 18.
18- Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – op. Cit – pp : 212-213.
19- Florian – Parmentier : La littérature et l’Europe – Histoire de la littérature Française de 1885 à nos jours – Paris – Eugène Figuière – 1994 – pp : 292-293.
20- Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – op. Cit- p : 280

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-19-2011, 19:43   رقم المشاركة : 39
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

العلم بين الحقيقة والنمذجة /دراسة للتحميل //

87108647zx9




عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
قديم 04-19-2011, 19:46   رقم المشاركة : 40
معلومات العضو
abdelaziz1971
الادارة-الناطق الرسمي للمنتدى
 
الصورة الرمزية abdelaziz1971
 







abdelaziz1971 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 13369
abdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond reputeabdelaziz1971 has a reputation beyond repute

افتراضي

السلام عليكم

البنية الزمرية
عبد الرحمن كاظم زيارة
(1) مدخل
تتضمن الدراسات البنيوية مفردات مثل البنية الدائرية و البنية التوليدية ، يجري توضيفهما بفسحة من المجازأحيانا ومجانبا للدقة احيانا أخرى ، بمعيارالمفاهيم الاصيلة التي أستعيرت منها. وللمفهومين المذكورين أرضية مشتركة تسمح بتنوع البنى ، فينبغي لهاتين البنيتين أن تتضمنا شروط معينة كي يكتسبا صفتيهما الدائرية والتوليدية . وبطبيعة الحال أن الشروط المنوه عنها شروط بنائية. وهنا في هذا البحث نضطلع بتأصيل المفهومين المذكورين،تأصيلا رياضياتيا. وليست الدراسات البنيوية إلا تطبيقات منهجية لنسق البنى الرياضياتية ، وبضوء هذه الحقيقة ينبغي محاكمة الدراسات البنيوية محاكمة علمية رصينة . ولقد وجدنا أن الاطار العام للمنهجية البنيوية يتمثل بمعطيات الجبر المجرد الذي يعالج الكميات والكيفيات معالجة علمية رصينة سواء كان ذلك في الالسنية أو الاناسة أو علم النفس ، أو في الايديولوجية ، أو في الفيزياء او في الكيمياء وغيرها من القطائع العلمية المتنوعة . كما وجدنا أيضا أن البنيوية كما عرفت في الدراسات البنيوية يمكن تجديدها عبر نظرية المجموعات فيما يتعلق بدراسة دعامة البنية ، وعبر مفهوم البنية الزمرية بشكل خاص ، وعبر موضوع الجبر المجرد بشكل عام ،فيما يتعلق بالدراسة البنيوية الحقة للبنى المتنوعة والمختلفة .
الزمرة هي نوع من انواع البنى الرياضياتية ،ولدت في بيئتها الرياضياتية ضمن موضوع الجبر المجرد . والى هذا المفهوم يرجع الفضل في حل الكثير من المعضلات والمسائل في الرياضيات والفيزياء وعلوم اجتماعية عدة . وبرغم التجريد العالي الذي عليه مفهوم الزمرة وما يليها من مفاهيم ضمن نسق الجبر المجرد ، الا انها تتصف بالوضوح والسلاسة . وتضفي امكاناتها التطبيقية ،على موضوعات وميادين علمية ومعرفية مختلفة، جمالا خاصا، يحفز متعة الاكتشاف ، اضافة الى منافعها الواسعة .
(2 ) الزمرة
الزمرة Group هي نوع مميز من البنى تتألف حصرا من مجموعة عناصرأو وحدات، وعلاقة ثنائية داخلية واحدة . ويشار اليها بالزوج المرتب :(مجموعة ،علاقة داخلية ) وبتعبير أكثر تجريد (ج ، ) ، حيث ج ترمز الى المجموعة
( = دعامة البنية ) والرمز  إعتباطي يشير الى العلاقة الثنائية الداخلية( 1 ). أن الصفة الداخلية للعلاقة تعني أن العلاقة مغلقة على عناصر الدعامة ، أي أن العلاقة بين عنصرين من عناصر الدعامة تنتج عنصرا موجودا داخل الدعامة . فالبنية مع صفة الاغلاق التي تتصف بها العلاقة الثنائية ندعوها البنية المستقرة . أن الصفتين سابقتي الذكر: المجموعة غير الخالية والعلاقة الثنائية الداخلية لاتجعل من البنية المستقرة زمرة. بل ثمة شروط ثلاثة يجب أن تتوافرفي البنية المستقرة لكي تكون زمرة ، وهي :
1) العلاقة الثنائية الداخلية تجميعية . أي ان :
ط)  ل ص) = (ط ل ( ص ،حيث ط ، ل ، ص عناصر تنتمي الى المجموعة ج.
2) يوجد عنصر محايد وحيد مثل م ينتمي للمجموعة ج نفسها بحيث اذا ارتبط مع أي عنصر من المجموعة مثل ع عبر العلاقة الثنائية ينتج ذلك العنصر، وبلغة تجريدية :
مع = م ع = ع .
3) لكل عنصر في المجموعة ج يوجد له نظير هو عنصر في المجموعة ايضا. لو عومل العنصر ونظيره عبر العملية الثنائية المغلقة لانتج العنصر المحايد للمجموعة . فاذا كان ك عنصرا في المجموعة وان نظيره كـ فان ك  كـ = م ( م = العنصر المحايد ) .
أن ألاصطلاحين : علاقة ثنائية داخلية و علاقة ثنائية مغلقة لهما نفس المعنى . والقول بالعلاقة الداخلية أو العلاقة المغلقة يعني سلفا أن هذه العلاقة ثنائية قبل كل شئ .
واذا كانت العملية الثنائية المغلقة إبدالية فان الزمرة عندئذ تسمى زمرة ابدالية . وتكون العملية الثنائية إبدالية اذا تم ابدال عنصر باخرعبر العلاقة الثنائية المغلقة دون ان تتغير النتائج ، وكمثال على العملية الابدالية بين عنصرين :
قام سعيد = سعيد قام ، الطرفان متساويان من حيث النتيجة (= الفعل) ، وهي قيام سعيد . واذا شأنا التجريد فأن ف ل = ل ف وهذه تكون في الاعداد اوضح منها في أي مجال آخر، مثلا ، اذا كانت العملية الثنائية معرفة على عملية الجمع فان 6 + 8 = 8 + 6 = 14 ، أي كل طرف يساوي العدد 14 .
لاتعد العلاقة الابدالية من شروط الزمرة ، ولكن اذا توفرت فيها فالزمرة تسمى بالزمرة الابدالية . بمعنى هناك زمر إبدالية وزمر ليست إبدالية .
دعنا نخفف من مظنة التجريد والترميزات ، باتخاذ الكلمات المعبرة سبيلا لعرض هذه البنية الهامة التي نطلق عليها : الزمرة . مستعينين بامثلة تطبيقية نريدها نماذج لها ..
لقد اشرنا اشارة سريعة لمفهوم الاغلاق الذي تتصف به العملية الثنائية الداخلية. ولابد ان نقول شيئا اضافيا عنها. من المعروف ان الجنس الحيواني يولّد المثْل ، كالانسان يولّد انسان.فعلاقة التوالد هي علاقة ثنائية بين زوجين من نوع الانسان ، وهي ايضا علاقة مغلقة لانها تولد انسان بعينه وهو عنصر في مجموعة الناس . وفي الحقيقة كل الولادات الطبيعية هي عمليات ثنائية مغلقة . اما الولادات التي تحاكي الولادات الطبيعية في شروطها البايلوجية فهي قابلة للتصنيف الى عمليات مغلقة كاستنساخ خلية شخص انسان في رحم امرأة . وعمليات غير مغلقة كاستنساخ خلية حيوان ذكرمن نوع معين ، في رحم انثى من نوع آخر وان كان من جنس الحيوان، إلا انها مغلقة في مجموعة الحيوانات . ايضا اذا ما اعتبرنا علاقات الزواج هي نوع من التبادل ، ومن ثم التواصل والتواشج مع الاخر ، مع تحديد للمقصود بالآخر، فيمكن تصور زيجات تعقد داخل اسرة ممتدة او داخل قبيلة فان المواليد سيحملون نفس النسب الى الاسرة الممتدة او القبيلة ويتلقبون بلقب الاسرة او بلقب قبائلهم. فعملية الانجاب ستكون مغلقة بمعيار النسب للاسرة او بمعيارالنسب للقبيلة . بمعنى اخر ان المجموعة هنا الاسرة او القبيلة واعضائها من ينتسبون اليها بدلالة اللقب . هذا اذا ما اعتبرنا منح اللقب مشروطا بالنسب الموافق له حقا . ان الامر يشبه عملية الجمع بين الاعداد الاعتيادية الموجبة ، فمجموع أي عددين من هذه المجموعة ينتج عنها عددا اعتياديا موجبا . في هذه الحالة نقول ان عملية الجمع على الاعداد الاعتيادية مغلقة .
وليس كل عملية ثنائية تتصف بخاصية الاغلاق ، فان التحليل قد يكشف عن وجودها او عدم وجودها . العلاقة الثنائية الداخلية تعني ان العلاقة الثنائية مغلقة ، فالصفة الداخلية للعلاقة تعني صفة الاغلاق .
أن مجموعة معينة من الزيجات بين رجال علماء ونساء عالمات ليس بالضرورة ان يكون ابناؤها علماء ، فان تزوج عالم أمرأة عالمة قد ينجبون عالما او عالمة او قد يكون مولودهما ليس بعالم .
مثال آخر : قدّم الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش قصيدة له بكلمات ، اذ قال : ماعدت اكتب القصيدة تحت هاجس :
ــ هل الشعر يحتاج الى براهين وطنية ؟
ــ اوهل الوطن بحاجة الى براهين شعرية ؟ ( 2).
والعبارتان إبداليتان . وطرفا الابدال : هما الوطن والشعر ، والعلاقة الثنائية ، هي :البرهان . ويمكن وضع العبارتين بالشكل الجبري : الشعر يبرهن الوطن = الوطن يبرهن الشعر . يكون الشكل صائبا اذا ما كان عاكسا لحقيقة تساوي الأثر (= النتيجة لكليهما ). فالشعر ينبغي له ان يعبرعن الوطن ، انتماءا من الشاعر ، وهوية ، وقضية ، وحياة انسان يعيش في ارض يكتسب منها الهوية وما الى ذلك . ومن الجهة الاخرى ، الوطن فيها يمثل منطق الفيض لمشاعر تجسدها القصيدة وتمنحه طاقته الانسانية ، وحقيقة الوجود الانساني والوطن فيه بُعدَه الهام . ونلاحظ ان الاثرين في الحالتين متطابقان بمعنى تساويهما في النتائج برغم اختلاف ترتيب المقدمات .
. ولكن هل العلاقة مغلقة ؟ نعم هي كذلك طالما الشعر ابداع هوية ،والوطن وجود للقصيدة . فكلا العنصرين : الوطن والشعر، يفرضان ذاتيهما في الوجود الانساني المنتمي .والعنصر الثالث الوليد الذي هو الاثر الناتج عنصر متميز عن الاخريين برغم انه تولّد من امتزاجيهما عبر العلاقة الداخلية. الى هنا استطعنا اثبات ثنائية وانغلاق العلاقة البرهانية في قول الشاعر ، الا ان الشاعربدا وكأنه رافضا لمنطق العبارتين ومضمونهما على نحو اظهرهما مستقلين عن بعض، ولكننا نستشعرانه مزج منطقيهما مزجا تاما بمعنى توحدهما وهذا ما اراد قوله تماما ، واراد ايضا التزامهما : وعيا بمنطق وحدتهما .
ان مفهوم الخاصية التجميعية ( = الدمج ) صفة محتملة للعلاقة الثنائية الداخلية لاتتم الا بوجود ثلاثة عناصر تستغرقها الخاصية التجميعية عبر علاقة التعاقب الخطية وهي علاقة ثنائية دون شك ، ومغلقة ايضا . مثلا المفردة كتب ، دعامتها هي { ك ، ت ، ب } ولو أتخذنا من الرمز ليشير الى علاقة التركيب فالخاصية التجميعية تُصوَّر على النحو الآتي :
ك  ( ت  ب ) = ( ك  ت )  ب
ك  تب = كت  ب
كتب = كتب
فعلاقة التركيب هنا تجميعية .
ولكن لو تأملنا العبارة " أراق دمي " وأردنا أختبار الخاصية التجميعية عليها بتأويلها الى العبارة " أرى قدمي " يكون لدينا :
أرى  ( ق دمي )  ( أرى  ق) دمي
أرى  قدمي أراق  دمي
أرى قدمي  أراق دمي فالعلاقة  هنا ليست تجميعية من ناحية المعنى .إلا انها تجميعية من الناحية اللفظية .
ان التحايد Idendity خاصة لشئ ، تعني عدم تأثر شيئا آخر به لو ارتبطا بعلاقة ثنائية ما . مثل هذا العنصر يسمى محايدا أو مرواحا . على صعيد الدلالة لو تم حذف مفردة دون ان تتأثر دلالة العبارة او النص فان المفردة محايدة . لقد استخدم سوسور في محاضرته عبارة (العناصر السلبية) التي لبعض المفردات او الاشياء ذات الصلة باللغة ، بمفهوم يقترب من فكرة التحايد . الا اننا لانميل الى استخدام هذه العبارةلانها تختلط بمدلول القيم السالبة ، وهي قيم فعّالة وليست محايدة ويمكن العثورعليها في قطاعات وموضوعات عدة تهتم بها الدراسات البنيوية .
وتقريبا للمفهوم نتصور عملية الجمع الحسابي البسيط بين أي عدد مهما كان صغيرا او كبيرا مع العدد صفر فالناتج يساوي العدد نفسه ، ما يعني ان العدد صفر عنصرا محايداعلى عملية الجمع . وبالسياق ذاته العدد واحد المحايد الضربي لعملية الضرب بين الاعداد . فلابد اذن لكل شئ عنصرا محايدا بمعيار علاقته الثنائية المغلقة . وليس ثمة عمليات او علاقات محايدة، بل يوجد في البنى من نوع الزمرة ، عنصرا محايد ويكون وحيدا دائما . يُستكشف العنصر المحايد من دعامة البنية وبمعيارالعلاقة الداخلية لها . ان البنية التي لاتحتوي عنصرا محايدا فهي ليست زمرة . ويرتبط مفهوم المحايد مباشرة بمفهوم اخر هو النظير فكل عنصر في البنية من نوع الزمرة له عنصر نظير بحيث ان العلاقة بين العنصر ونظيره إبدالية ، واثرهما (= ناتجهما ) دائما يكون العنصر المحايد والاخير هو ايضا عنصرا من عناصر البنية . تثير كلمة النظير مشكلة معقدة في مدلولها في الدراسات البنيوية السابقة . الامر الذي يستدعي حصر معناها الاصطلاحي . في اللغة (نظير الشئ شبيه الحال به )(3) ولكن الشبه هنا فضفاض لايقرب المعنى ، اذ يتشابه شئ مع نظيره على صعيدهما باعتبار جنسهما واحد الا انهما يختلفان بالنوع وربما الخاصة. الفرح نظير الحزن : اين التشابه هنا ؟ تشابهما من كون كل منهما شعور؟ ولانريد القول ان كل شعور نظيرا لشعوراخر، واندراج الفرح والحزن تحت الشعور ليس بكاف للقول بان هذا نظير هذا فثمة شرط اخر ضروري يكمن في اختلاف طبيعتهما بل وفي ولادتهما .وحيث ان ( الفرح ، او السرور ما يتبع القوة الحيوانية عندما تنبعث من النفس ، فتتحرك من داخل الى خارج اولا فاول وباعتدال فيحدث الفرح والسرور)(4) . بينما (الحزن شعور يتحرك من خارج الانسان الى داخله)(5) ، (بانقباض الطبيعة من خارج الى داخل)(6).فكلاهما شعوران يتبعان القوة الحيوانية وهذا وجه التشابه ، وان الفرح ينبعث من داخل الى خارج والحزن يتحرك من خارج الى داخل وهذا وجه الاختلاف ، فهما متساويان من حيث قيمتهما المطلقة ومختلفان في اتجاههما. وفي بحثنا في البنية التي في عناصرها شعورا الفرح والحزن لابد من وجود شيئا محايد يمثل حالة شعورية او قريبا من الحالة الشعورية بحيث تؤدي بنتيجة محايدة بينهما عبر العلاقة بين احد الشعورين والحالة الشعورية المحايدة .البلادة ربما هي تعبير محايد بشكل ما . وان علم النفس وكذلك الطب النفسي يتوافر على مثل هذه البُنى .
في بُنى معينة يكون النظيرلعنصرما عنصرا عكسيا Inverse وهذا واضح في مثال الفرح والحزن . ويكون في الاعداد معرّفا بسهولة متناهية فالعملية الحسابية 8 + ( ــ 8 ) = صفر تخبرنا ان العدد 8 نظير العدد ــ 8 ( = سالب ثمانية ) على العلاقة الثنائية الجمع وناتجها العدد صفر وهو العنصر المحايد في علاقة الجمع . وليس عسيرا التثبت من ان العلاقة الثنائية مغلقة اذا ما اعتبرنا الاعداد الثلاثة تنتمي الى مجموعة الاعداد الحقيقية ، وهي اعداد غير منتهية تحتوي الاعداد الموجبة والسالبة ، اضافة الى الصفر والاعداد الكسرية ( النسبية ) .
من الممكن انشاء الزمر باستيفاء كامل شروط الزمرة التي عرضناها . وبشكل معكوس يمكن مناقشة البنى طبقا لشروط الزمرة .
والاشارات الى لفظة زمرة شحيحة في الدراسات البنيوية حيث تسود لفظة بنية مقترنة بميزات تفصح عن تفرع مفهوم الزمرة طبقا للتغيرات العاملة داخلها . ومن الدراسات القليلة التي وردت فيها هذه اللفظة دراسات في علم النفس كدراسة د . مريم سليم ( الاختلافات البنيوية للذكاء في مراحل نموه المتدرجة من الحسي ــ الحركي الى المجرد ) ( 7 ) ، ولكن دون استيفاء مفصّل للمفهوم إذ تذكر( حسب نظرية بياجيه تصل عمليات الذهن الى التوازن عندما تؤلف نظاما يتصف بالعكسية : التجمع والزمرة .. حيث ان الشكل المتزن يمثل إحدى مراحل النمو دون أن يضع حدا لهذا النمو ، وهو لايفسر بالتالي المراحل السابقة للنمو أو إواليات الانبناء . من هنا فإن الذكاء الحسي ــ الحركي يمثل نقطة انطلاق العمليات العقلية ، وتمثيلاته تشكل المعادلة العملية للمفاهيم والعلاقات وتنسقها في نظم فراغية ــ زمنية حتى تصل الى البنية المتصفة بخصائص الزمرة ، اما زمرة الذكاء الحسي ــ الحركي فتؤلف ببساطة تصورا للتصرف أي نظاما متوازنا للأشكال المختلفة للتنقل حسيا في الفراغ ، ولاتصل مطلقا إلى وسيلة ذهنية ..) (8) والمعروف ان جان بياجيه من الذين وظفوا المفاهيم الرياضياتية في ابحاثه والتي اتخذت نماذج رصينة في البحوث التربوية والنفسية وبشكل خاص مفاهيم الجبر المجرد الذي تنتمي اليه نظرية المجموعات ونظرية البنى ومنها الزمر والحلقة والحقل وكذلك نظرية التبولوجية التي تصف المسافات بين المجموعات او البنى . ونلاحظ في النص الذي اوردناه العبارة ( تصل عمليات الذهن الى التوازن عندما تؤلف نظاما يتصف بالعكسية : التجمع والزمرة ) وكذلك ( .. حتى تصل الى البنية المتصفة بخصائص الزمرة .. ) ، فالنص يشير الى نظام مستقر هو في حقيقته بنية مستقرة ، بمعنى ان العلاقة الداخلية هنا مغلقة ، منتجاتها دائما هي من دعامتها لاتخرج منها . اما صفة العكسية فهي تعبير حسابي لمفهوم النظير فالنظير عند العلميات الحسابية يدعى معكوس العنصر ، حيث ان نظيرالعدد هو العدد ذاته ولكن باشارة مخالفة لاشارة العدد ، هذا في حالة الجمع العددي ، اما في الضرب فان نظير العدد يساوي مقلوبه inverse ، وفي كلا الحالتين العمليتان تنتجان العنصر المحايد : الصفر او الواحد على الترتيب. ان الصفة التجميعية الواردة في النص هي في الحقيقة الصفة التي تنقل البنية الى خصائص الزمرة مع شروط اخرى كما ذكرنا . لذا فان تعريف النظام الذي يتصف بالعكسية بأنه عبارة عن : تجمع وزمرة ، فيه الكثير من الخلط والارباكللمفهوم ذاته . وكان يمكن اعادة ترتيب المفاهيم على النحو الذي يفصح عن الشروط المتنامية لزمرة الذكاء لدى المتعلمين .استنادا الى :
ـ الدعامة متمثلة بما يفصح عن الذكاء الحسي ـ الحركي : المهارات.
ـ فرز المهارات الى عناصر ونظائرها ( العنصر وعكسه بمعيار العلاقة الداخلية).
ـ خاصية التجميع او ما يسمى بالتداعي والذي يلامس شيئا ما مفهوم التجاور الذي يسمح بتأليف انماط مختلفة من المهارات يستدل عليها مثلا باعادة تركيب اشياء معينة .
(3) مقاربة تحليلية
دعنا هنا وكمثال تطبيقي في تحليل البنية نناقش القصة الشهيرة جحا والحمار (9) لبساطتها ولقلة الاختلاف في تأويلها من وجهة نظر نقدية ،ولأنها قابلة للتحليل على مستويات عدة كلها تتصف بالبساطة ، تقول الحكاية:
( ركب مرة جحا حماره ومشى ابنه خلفه ، ومر امام جماعة فقالوا :
ــ انظروا الى هذا الرجل الذي خلا قلبه من الشفقة يركب هو ويترك ابنه يمشي .
فنزل جحا واركب ابنه ومرعلى جماعة فقالوا :
ــ انظروا الى هذا الغلام المجرد من الادب يركب الحمار ويترك اباه الرجل الكبير يمشي .
فركب جحا وابنه على ظهر الحمار وسارا فمروا بجماعة فقالوا :
ــ انظروا الى هذا الرجل القاسي ، يركب هو وابنه ولايرفقان بالحمار .
فنزل جحا وابنه وساقا الحمار ومشيا خلفه فمروا بجماعة ، فقالوا :
ــ انظروا الى هذين المغفلين يتعبان من المشي وامامهما الحمار لايركبانه .
وبعد ان جاوزاهم حمل جحا هو وابنه الحمار وسارا به فمروا بجماعة فضحكوا منهما وقالوا :
ــ انظروا الى هذين المجنونين يحملان الحمار بدلا من أن يحملهما .
وحينئذ انزلاه ، وقال جحا لابنه :
ــ يابني لا تستطيع ان تظفر برضا الناس جميعا ) الى هنا تنتهي الحكاية.
تتسع هذه الحكاية لتحليلات من اوجه مختلفة باختلاف مكوناتها التي ينظر اليها الباحث على انها اولية طبقا لرؤيته المنهجية سواء على مستوى أبطال القصة : جحا وولده والحمار . او على مستوى العلاقات الداخلية للقصة : علاقة كل من جحا وابنه بالحمار . او على مستوى البنية الدلالية : ما يعنيه كل مشهد او قل كل شريحة كاملة من القصة ، وختامها ممثلا بالقول الاخير لجحا الذي ساقه لابنه بما يفيد العظة والحكمة مما حدث لهما من امر الناس . وغير ذلك كثير .. وفي كل الاحوال ينبغي اختيار المستوى التحليلي بحيث تتوافر العناصر التي يتم تشخيصها ممثلة في كل مشهد من المشاهد الخمسة للقصة . ونقوم بتحليلها من منظور كونها بنية تمثل نظاما بعناصر وعلاقة داخلية ، وهذه الاخيرة تغطي كل مشهد انتقالي قارّ في الحكاية تسبقه حركة انتقالية هي الاخرى .
ان دعامة الحكاية وهي ما تؤلف عناصر المجموعة ، تتألف من : جحا وابنه والحمار .
وان العلاقة الثنائية هي الركوب ، طرفاها راكب ومركوب وهي مستغرقة لعناصر المجموعة كلها .
وباعتماد الرمز  : ليدل على الفعل يركب . وهو علاقة ثنائية طرفاها راكب ومركوب.
وان بيان العلاقة حسب القصة كما يلي :
الحركة الاولى : جحا يركب ظهر الحمار وابنه يمشي  ( جحا الحمار )
و( ابنه ابنه ).
الحركة الثانية : ابن جحا يركب ظهرالحمار وجحا يمشي  (ابنهالحمار)
و( جحا  جحا ).
الحركة الثالثة : جحا وابنه يركبان الحمار  ( جحا وابنه  الحمار )
الحركة الرابعة : جحا وابنه ساقا الحمارومشيا خلفه  ( جحا  جحا )
و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار ) .
الحركة الخامسة : جحا وابنه يحملان الحمار  (الحمار جحاوابنه) .
مع ملاحظة التعابير :( ابنه ابنه )و ( جحا  جحا ) و(الحمارالحمار ) تفيد ان ابنه يركب ابنه أي ابنه يمشي راجلا لا راكبا، وهكذا البقية . اما التعبير (الحمار جحا وابنه) : الحمار ( يركب ) جحا وابنه ، بمعنى ان الحمار محمول من قبل جحا وابنه .
ان العلاقة ( الركوب ) ثنائية تتم بين طرفين لذلك فاننا نحصل على عناصر البنية وهي مجموعة العلاقات الثنائية الاتية : {( جحا الحمار )، ( ابنهالحمار) ،( جحا وابنه  الحمار )، (الحمار جحاوابنه) ((جحا  جحا ) و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار )) } .
والتحليل كما ترى افضى الى بنية علاقات ، وبمعنى مباشر أن عناصر دعامة البنية هي محض علاقات لا أشخاص .
وطالما ان العلاقة الثنائية هي علاقة ركوب فان الازواج الثلاثة الاخيرة في المجموعة اعلاه تعد عنصرا محايدا للمجموعة . كما ان العلاقة مغلقة لانها لم تأتي بعنصر من خارج دعامة البنية ، ولا مناقضا للحركات كما وردت في القصة . ويتوجب الان ان نقرن كل عنصر بنظيره :
العنصر ( جحا الحمار ) نظيره العنصر ( ابنهالحمار) ،
وينتج عنه العنصر المحايد (جحا  جحا ) و ( ابنه ابنه ) على الترتيب .
ولوعكسنا ترتيب الزوجين بجعل الزوج الثاني عنصرا والاول نظيرا له لصحت العلاقة مع عكس مماثل للعنصر المحايد أي :
ــ العنصر ( ابنهالحمار) نظيره العنصر ( جحا الحمار )
ينتج عن اجتماعهما العنصر المحايد ( ابنه ابنه ) و (جحا  جحا ) على الترتيب ايضا.
حيث ان اجتماع كل نظيرين في علاقة الركوب ينتج عنه العنصر المحايد .
ــ العنصر ( جحا وابنه  الحمار ) نظيره العنصر (الحمار جحاوابنه)
وان اجتماعهما في العلاقة ينتجان عنصرا محايدا هو:
((جحا  جحا ) و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار ))
وبعكس العبارة بجعل العنصر نظيرا والنظير عنصرا لانتجا في العلاقة ذات العنصر المحايد المذكور .
ــ والعنصر((جحا  جحا ) و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار )) نظير نفسه لان العنصر المحايد للدعامة.
فعندما نعامله مع نفسه عبر علاقة البنية ينتج نفسه .يكررها عبر العلاقة.
المرحلة التالية من التحليل هو اختبار الخاصية التجميعية :
( جحا وابنه  الحمار ) تساوي ( جحا الحمار ) و( ابنهالحمار)
أي : ان جحا يركب الحمار وابنه يركب الحمار في آن واحد .
ولو اعدنا تجميع العناصر دون تحريك لمواضعها وعلى النحو التالي :
جحا (وابنه  الحمار ) تساوي ايضا النتيجة السابقة ( جحا الحمار ) و( ابنهالحمار) .
وبهذا يكون: ( جحا وابنه  الحمار ) = جحا (وابنه  الحمار )
وبما ان العبارة ( جحا وابنه  الحمار ) تجتمع اليها عناصر دعامة البنية وتتضمن معنى الركوب حرفيا ،فانها كافية لاخبارنا بان العملية الثنائية تجميعية .
اذن حصيلة التحليل هي : وجود دعامة معلومة العناصر ومحددة بشكل جيد ، وان العلاقة ثنائية ومغلقة ، ووجود عنصر محايد ينتمي للدعامة نفسها وان لكل عنصرفي الدعامة يوجد له نظير . وان العلاقة الثنائية تجميعية . ما يعني ان هذه البنية تشكل زمرة .
ان هذه الزمرة ليست إبدالية ويكفي لاثبات ذلك ان نأتي باي عنصرين ونعاملهما عبر العلاقة نجد ان ناتجهما مختلفان . مثلا العنصران ( جحا الحمار ) لايساوي (الحمارجحا) لاختلافهما في الحركة ، أي في الاثر .
ونجد ان هذا الموضع مناسبا لعرض مفهومين من مفاهيم البنية من نوع زمرة :
الاول : يطلق عليه شبه زمرة Semi Group ويرد في الدراسات البنيوية باصطلاح شبه بنية او نصف بنية ولا فرق بين الاثنين في التسمية ما دام المقصود بالبنية الزمرة ، والا فان المفهوم لا معنى له وليس له جذر علمي . فاذا ما أستبعد مفهوم الزمرة من الاصطلاح المذكور فانه سيعني نظاما مؤلفا من مجموعة قابلة للتحليل ومزودة بعملية ثنائية ولايشترط وهذه الحال ان تكون العملية مغلقة . وانتفاء هذا الشرط الاولي يكفي لانتفاء وجود النظام اصلا ناهيك عن انعدام وجود الزمرة . تعرف شبه الزمرة بانها النظام ( ج ، ) التجميعي وهذه صفته اما الشروط الاخرى للزمرة فهي غير متوفرة . علما ان "ج " دعامة البنية ، والرمز يدل على العملية الثنائية . اما المفهوم الثاني : يطلق عليه النظام الاحادي Monoid ( مونوئيد) وهو النظام ( ج ، ) التجميعي مع وجود عنصرا محايدا للعلاقة الداخلية .
ان شبه الزمرة والمونوئيد يتم الكشف عنهما تحليليا كما هو الامر مع الزمرة ولاتمثلان باي حال من الاحوال مرحلة او مرحلتين من تحليل بنية ما ، اذ يتوجب الاستمرار في التحليل حتى نهايته . فان افضى التحليل الى توافر شروط الزمرة باجمعها فهي زمرة وان كشف التحليل فقط عن حقائق هي جزء من شروط الزمرة قد تكون شبه زمرة او نظام احادي ، او مجرد بنية مزودة بعملية داخلية لا اكثر .
(4) التطبيق والتابع
وليس بعيدا عن رؤية ( جحا والحمار ) من منظور الزمرة ثمة امكانية لتحليل الحكاية من منظور آخر هو التطبيقApplication) او Mapping) والترجمتان تستخدمان بمعنى واحد ) وهو علاقة بين مجموعتين من الاشياء ، وبغض النظر عن كون هاتين المجموعتين أو أحدهما تشكلان بنية زمرية أو لا . وينطوي المفهوم على مفهومين جزئيين يكونانه هما : المنطلق والمستقر اوالمجال والمجال المقابل على الترتيب . والتسميتان تُقرّبان المفهوم جيدا . والتطبيق هو علاقة دالية تنص على ان كل عنصر في المجال له صورة في المجال المقابل ، ومجموعة هذه الصور تسمى المدى وهي محتواة في المجال المقابل وليس بالضرورة ان يتساويا او يتطابقا ، اعني المجال المقابل والمدى . ويمكن الوقوف على هذه العلاقة عن طريقين : الاول من معلومات تفيد اقران كل عنصر من المنطلق ( المجال ) بعنصر واحد في الاكثر في المستقر ( المجال المقابل ) . والثاني من القاعدة التي تصف تقابلات العناصر على جهتي المنطلق والمستقر والقاعدة هي علاقة من نوع خاص ، علاقة خاصة بتجربة او بموضوع ما . وجدير بالاعتبار ولاغراض فرزالعناصرالتي تفصح عن قيم التطبيق في الجهتين تكون العناصر في المنطلق مستقلة وهي مسؤولة عن انتاج او توليد او انبثاق عناصر المستقر وهذه تكون معتمدة في قيمها على العناصر المستقلة ، فهي غير مستقلة .
ولنضع ما قلناه في تجربة القصة المذكورة ، باعتبار الحركات الخمسة ..
نلاحظ ان كل حركة ( راكب ومركوب بهيئة معينة ) وهو ما يشكل عناصر المنطلق ( المجال ) يقابلها قول للناس يفصح عن عدم رضاهم عن ما يرونه من امر جحا وولده ، بما يفصح عن دلالة ما يرونه من وجهة نظرهم .وكما يلي :
التطبيق
من الى
المنطلق ( المجال ) المستقر ( المجال المقابل )
الحركة 1 : جحا يركب ظهر الحمار وابنه يمشي الرجل الذي خلا قلبه من الشفقة .
الحركة 2: ابن جحا يركب ظهرالحماروجحا يمشي الغلام المجرد من الادب
الحركة 3: جحا وابنه يركبان الحمار الرجل القاسي .
الحركة 4 : جحا وابنه ساقا الحمارومشيا خلفه المغفلان .
الحركة 5 : جحا وابنه يحملان الحمار المجنونان .
ان الشرط الاساس لعلاقة التطبيق متوفر في هذا التحليل ، وهو ان كل عنصر في المنطلق يقابله عنصر في المستقر في الاقل، اي صورة العنصر، والصورة هنا تعني بالضبط الدلالة او القيمة بمعايير مختلفة. فمثلا صورة او قيمة الحركة الخامسة في القصة هي تعبير "المجنونان" وهكذا في شأن بقية الحركات . واذا كان علينا ان نختار بين مفردة صورة ومفردة قيمة وهذا ما ينبغي عمله فالاختيار يقع على مفردة قيمة اما مفردة صورة فهي اكثر تجريدا ولها دلالات اكثر عمومية .
وبصفة عامة وبمعزل عن التجربة التي بين ايدينا ليس من الضروري ان لايكون عنصر او اكثر في المستقر لايرتبط بعنصر من المنطلق بمعنى ثمة انواع للتطبيق تفرزها اشكال ارتباط عناصر المنطلق مع عناصر المستقر . أي ان البحث في انواع التطبيق يكون نسبة الى مستقرها حسب . فلدينا تطبيق ثابت Constant ومن الامثلة النموذجية عليها المفردات المترادفة اذ يجتمع اليها عمود المعنى ليدل على معناها قاطبة . الا ان تحديد قيمة واحدة للمترادفات امر نسبي ، إذ تتغير دلالات النص او العبارة .ومع ذلك لايعدم تحديد القيمة المقابلة لمجموعة مترادفة من المفردات المعجمية . ويعرف الجرجاني المترادف بانه ( ما كان معناه واحدا واسماؤه كثيرة . وهو ضد المشترك .أَخذْاً من الترادف الذي هو ركوب احد خلف آخر ، كأن المعنى مركوب واللفظين راكبان عليه كالّليث والأسد) (10) . فعنصري المنطلق هما الليث والاسد اما صورتهما فهي ذلك الحيوان المعروف ولا نستطيع الاشارة اليه باسم اخر دال عليه كما في الاسمين المتقدمين كقولك ملك الغابة ،فان فعلنا فعلينا بنقله الى المنطلق ، أي المجال ففي حالة الترادف تكون الصورة او القيمة محض مدركة في النفس وهيئته قابلة للتصور او التذكر .
وعندما يكون كل عنصر من المستقر صورة لعنصر واحد ليس اكثر من مجموعة المنطلق او لايرتبط باي من عناصر المنطلق يكون التطبيق متباين One –to - One Mapping كما هو الحال في القصة فالمخطط المعبر عن التحليل يوضح بان التطبيق متباينا . فكل قيمة دالة على وجهة نظر الناس ازاء ما يشاهدونه من امر جحا وابنه قد ارتبطت بحركة من الحركات. ولو ان حركة ما لم يعلق عليها احد فان التطبيق يحتفظ بصفة التباين ايضا.
واذا كانت كل عناصر المستقر صورا لعناصر المنطلق دون اهمال لاحدها، او بكلمات اخرى اذا كان كل عنصر من مجموعة المستقر صورة لعنصر على الاقل من مجموعة المنطلق فالتطبيق عندئذ تطبيقا غامرا Onto Mapping وهنا لدينا العناصر في المستقر كلها مرتبطة بعناصر المستقر في القصة ،فالقصة تطبيق غامر. وفي التحليل النهائي للقصة على هذا الصعيد يفضي بنا الى القول بانها تطبيقا تقابليا او اختصارا تقابلا لانها تطبيق متباين وغامر في آن واحد .
وما دمنا نتحدث عن مفهوم التطابق فلنتحدث عن نوع آخر من التطبيقات ويدعى التطبيق المطابق Identity Mapping ومن امثلته العنصر المحايد في زمرة القصة " جحا يركب جحا " ، " ابنه يركب ابنه " ، " الحمار يركب الحمار " ومعناه ان كل عنصر هو صورة لنفسه وبكلمات اعم صور عناصر المستقر هي نفسها عناصر المنطلق . والامثلة في هذا كثيرة ومتنوعة في اكثر من موضوع . من بينها توليد المثل في الجنس البشري اذا ما وضعنا الذكور والاناث من جنس البشر في وحدة مفهوم البشر غير القابلة للتصنيف : البشر يولد عنهم بشر .
من المحتمل ان لايرتبط عنصر ما من المنطلق بعنصر من المستقر او بشكل عام عندما يرتبط كل عنصر من المنطلق بعنصر واحد في الاكثر من مجموعة المستقر في مثل هذه الحالة نكون امام علاقة ثنائية مختلفة عن علاقة التطبيق تسمى علاقات تابعية واختصارا تسمى تابع . لنتصور في لحظة ما نسمع مجموعة من الصور الصوتية من بينها وحدات تدل على افكار واضحة وبعضها الاخر ليست لها معنى . او ان كل صورة صوتية ترتبط بـ ( أوتدل على) فكرة واحدة من خزين الافكار في لغة ما ، ففي الحالتين نحصل على تابع وليس تطبيقا . ان ما يجعل تابعا تطبيقا هو ان يكون مجاله مجموعة منطلقه نفسها . بكلمات اخرى التطبيق تابع وقد ارتبط كل عنصر من مجاله بعنصر واحد في الاكثر بعنصر من مجاله المقابل .
من المفيد هنا الاستعانة بمثل بسيط لايضاح مفهوم التابع : بفرض لدينا المجموعة س = { انمار ، عمار ، ايلاف ، احمد } ، والمجموعة ص = { 15 ، 13 ، 18 } تدل على الاعمار بالسنين .
فان التابع يكون :
تابع (انمار) = 18 ، تابع ( عمار ) = 15 ، تابع ( ايلاف ) = 13 ولايوجد تابع لاحمد في العلاقة الثنائية اما بسبب ان عمره غير الاعمار في المجموعة س او لاي سبب اخر .
ولكن ومع الحفاظ على التابع اعلاه نضيف العلاقة تابع ( احمد ) = 13 نحصل مرة اخرى على تابع وهوما يتفق وتعريفه .
ويوضح مفهوم تطابق تابعين Coincidence ما ذهب اليه سوسور عندما عبر عن ( فكرة التطابق بمعنى ان الشيئين يحتويان على العنصر نفسه ) (11) و كان عليه ان يحدد ظروف تكّون مثل هذا التطابق وان لايترك الامر فضفاضا على هذا النحو فان هذا القول يحمل الكثير من العسف والتضليل .حيث ان فكرة تطابق شيئين يعني على وجه الدقة ان ينطبق الجزء على الجزء المناظر له وهكذا حتى نصل الى نوع من انواع المساواة بين الشيئين . لنتأمل المثل الذي ساقه للتدليل على التطابق واضعا الجملتين في علاقة مساواة :
( لاتقل ذلك ) pas Jene sais pas = ne dites ( لا أعلم )
ان مفهوم التطابق الذي ذهب اليه سوسور ينبغي رده الى اصله المفاهيمي وهو مفهوم تطابق التابعين كي نتقبل ما ذهب اليه . فاذا كان لدينا تابعين اثنين ، التابع الاول : تابع من المجموعة س الى المجموعة ص والثاني : تابع من المجموعة ع الى المجموعة ح . ووجد ان مجموعة جزئية من س ، لتكن ك ( في التابع الاول ) تساوي مجموعة جزئية من ع ( في التابع الثاني ) أي ايضا ك فان التابعين متطابقان في المجموعة ك. ولكن اية تابعية يمكن الوقوف عليها في الجملتين المذكورتين ، وبأي معنى ؟ اذا ما نظرنا اليهما بوصفهما رمزين مكتوبين لصورتين صوتيتين وهو محور الدرس اللغوي لسوسور :
ــ الجملة Jene sais pas ( لا أعلم ) : يمكن تحليلها معنويا الى الحرف ( لا ) و ( أعلم ) وهما صوتان يقابلان فكرتين متغايرتين فالعلاقة الثنائية علاقة تقابل بين فونيم كل منهما مع الفكرة المقترنة بكل منهما ايضا وهو تقابل واحد لواحد ( متباين ) .
ــ الجملةpas Jene dites ( لا تقل ذلك ) تحلل الى (لا ) و( تقل ذلك) بنفس السياق السابق من العلاقة .
يمكن القول اذن كل من الجملتين تابعا بينهما مجموعة جزئية مشتركة هي pas .
يتساوى التابعان اذا تساوى مجالاهما وان كل عنصر من مجموعة التعريف له نفس الصورة في كل تابع منهما . ونقصد بمجموعة التعريف هو المنطلق.
ويستخدم مفهوم المدد ، باشارات يسيرة ، عند بعض الدراسات البنيوية ومرجعيته هو ما يعرف بمدد التابع Extension وينشأ من افتراض وجود تابعين تكون مجموعة منطلق الاول محتواة في مجموعة منطلق الثاني ( أي مجموعة جزئية منها ) ومجموعة مستقر الاول محتواة في مجموعة مستقر الثاني . فان التابع الثاني يمدد التابع الاول . وبكلمات اخرى التابع الثاني ممدد التابع الاول على مجموعة منطلق التابع الثاني .
ويمكن التعبير عن ممدد التابع صوريا بافتراض التابعين :
التابع الاول : س ع ،التابع الثاني : ص ح
س ع ص ح
نلاحظ ان عناصر منطلق التابع الاول س = { ب ، ج ، د ، ق } مجموعة جزئية من مجموعة منطلق التابع الثاني الذي هو ص = { ب ، ج ، د ، ق ، ن ، ل } .
وبالمثل مجموعة مستقر التابع الاول ع = { 2 ، 4 ، 7 } مجموعة جزئية من مجموعة مستقر التابع الثاني .
ح = { 2 ، 4 ، 7 ، 5 }. وبالرموز نكتب العبارتين المذكورتين : س  ع ، ص  ح ( حيث الرمز  يقرأ : مجموعة جزئية من .. ) . فالاستنتاج يذهب الى ان التابع الثاني يمدد (= يتسع لـ ) التابع الاول .فالصلة بينهما بتعبير اخر هي علاقة احتواء ، حيث الاول محتوى في الثاني وهو نفس القول الثاني ،يحتوي الاول.
ولهذا المفهوم توظيفات واسعة جدا سنتطرق لاحقا الى امثلة منها عندما يأتي دور مناقشتنا لقسم من الدراسات البنيوية المنشورة.
(5) الزمر المولِّدة والزمر الدائرية
يتردد مصطلحا البنية الدائرية والبنية المولدة في الدراسات البنيوية كثيرا ،واشهر توظيف لهما ما يسمى بالتوليدية التي (استحدثها )غريماص وجيّرت باسم جومسكي. ومرجعيتهما هما المفهومان الرياضياتان : الزمرة المولدة والزمرة الدائرية . ولايمكن اقرار هاتين الصفتين في بنية ما ، لم تكن البنية محققة لشروط الزمرة بوصفها شروط بنائية لايمكن تجاوزها . ان ذلك يعني ضرورة قطع مراحل في التحليل لايمكن اغفال ايا منها كي نصل تاليا الى البنى المولدة فالدائرية . ولكل كتلة من الاشياء او شميلة او مجموعة قابلة للتحليل لابد من وجود عملية او علاقة ثنائية ما تتيح امكانية تصور هذه الكتلة على انها تشكل نظام معرّف هو في الحقيقة بنية الكتلة . وعكس ذلك فان الكتلة ليست الا مجموعة محض لاترقى الى النظام وبسبب ذلك لايمكن الاستمرار في التحليل وصولا الى المرحلة اللاحقة منه واعني اختبار العلاقة الثنائية فيما اذا كانت مغلقة و تجميعية ، وفيما اذا كان ثمة نظير لكل عنصر من المجموعة وحصرعنصرا محايدا للمجموعة على تلك العملية واهم ما يوصف به انه وحيد في المجموعة . وما دمنا نتفحص اولا المجموعة بوصفها دعامة للبنية فانه يمكن تصور اقتطاع جزءا من تلك المجموعة بهيئة يطلق عليها المجموعة الجزئية . ستكون المجموعة الاخيرة موضوعا للتحليل له نفس مسار التحليل البنيوي باتجاه استيفاء شروط تعريف الزمرة بمعنى ان المجموعة الجزئية المذكورة محققة لخواص العلاقة الثنائية ايضا ستكون زمرة جزئية Sub Group محتواة في الزمرة الاصلية . بمعنى السابقة والتي تم تعيين جزءا من دعامتها . وواضح ان الزمرة الجزئية هي زمرة بحد ذاتها .ولكل زمرة في الاقل زمرتان جزئيتان تافهتان Trivial Sub Group هما الزمرة نفسها ــ والقول هذا متأتي من حقيقة ان كل مجموعة هي مجموعة جزئية من نفسهاـ والثانية هي الزمرة التي تكون دعامتها عبارة عن العنصر المحايد في الزمرة الاصلية . والمثال المباشر على النوع الثاني هو العنصر المحايد للنموذج التحليلي الذي قدمناه لقصة جحا والحمار :
حيث ( جحا يركب جحا ) ، ( ابنه يركب ابنه ) ، ( الحمار يركب الحمار ) وهذه العبارات التي تفصح عن علاقة الزمرة تعني ان كل واحد منهم يمشي على رجليه . ان هذا العنصر هو نظير نفسه كما انه يرتبط بعلاقة تجميعية مع نفسه وهو ايضا يمثل العنصر المحايد في زمرته الجزئية ، كما ان هذه الزمرة ابدالية طالما ان العلاقة إنعكاسية .
ان مفهوم الزمرة الجزئية يشكل مدخلا لمفهومي الزمرة المولدة والزمرة الدائرية (12 ) حيث افتراض وجود مجموعة جزئية من مجموعة اخرى تشكل دعامة لزمرة مزودة بعملية ثنائية ولكنه ليس ضروريا طالما ان الزمرة الجزئية هي زمرة بحد ذاتها وينبغي التعامل معها بصفتها هذه .لنستعين هنا بالانظمة العددية المعروفة للاحاطة بمفهوم الزمرة المولدة Generated Group . ان مجموعة الاعداد الصحيحة تشمل جميع الاعداد الموجبة والسالبة والصفر ، ونعبر عنها كما يلي :
ص = { ... ، 5، 4 ، 3 ، 2 ، 1 ، الصفر ، ــ 1 ، ــ2 ، ــ 3 ، ... }
وبافتراض ان العملية الثنائية في هذه المجموعة هي عملية الجمع الاعتيادية ومن السهولة اثبات ان :
الزوج المرتب ( ص ، + ) يمثل زمرة ذلك ان :
ــ العلاقة الثنائية مغلقة بسبب ان حاصل جمع أي عددين ينتج عدد صحيح ايضا
ــ العلاقة الثنائية تجميعية فاي ثلاثة اعداد صحيحة من هذه المجموعة تحقق خاصية التجميع ، مثلا
8 + ( ــ 10 + 6 ) = ( 8 + ( ــ 10 ) ) + 6
8 + ( ــ 4 ) = ــ 2 + 6
4 = 4
حيث جميع الاعداد المذكورة تنتمي الى مجموعة الاعداد الصحيحة .
ــ العنصر المحايد في المجموعة هو العدد صفر فعند جمعه مع اي عدد صحيح ينتج العدد نفسه والعدد صفر هو العنصر المحايد الوحيد على عملية الجمع .
ــ وواضح ان لكل عنصر في المجموعة يوجد عنصرا نظيرا له بحيث حاصل جمعهما ينتج عنه الصفر وهو العنصر المحايد مثلا 3 ، ــ 3 عناصر في المجموعة حاصل جمعهما صفر .
ـــ والزمرة فوق ذلك ابدالية : 7+1 = 1+7 = 8 على سبيل المثال .
بعد ان اثبتنا ان الزوج المرتب المذكور يمثل زمرة نتفحص عناصر المجموعة ونبحث عن عناصرفيها من المحتمل ان تولّد عناصر المجموعة باكملها عبر عملية الجمع سنجد ان العددين 1 و ــ 1 يولدان عناصر مجموعة الاعداد الصحيحة عبر عملية الجمع . كيف ؟ لنبدأ بتوليد العدد صفر : ــ 1 + 1 = صفر
( الواحد مطروح من نفسه من وجهة نظر عملية ،على ان مفهوم الجمع الجبري يتسع لعملية الطرح عندما يكون العددان مختلفي الاشارة ) . ان العدد الموجب 1 يولد جميع الاعداد الموجبة من خلال عملية الجمع :
1 ، 1+1 =2 ، 1 +2 = 3 ، ... وهكذا والعدد السالب ــ 1 يولد جميع الاعداد السالبة من خلال ذات العملية : ــ 1 ، ــ 1 + ( ــ 1 ) = ــ2 ، ــ 1 + (ــ 2 ) = ــ3 ، ... وهكذا نحصل على المجموعة غير المنتهية للاعداد الصحيحة . ان العددين 1 ، ــ 1 هما مجموعة جزئية من المجموعة الاصلية ( الاعداد الصحيحة ) . في هذه الحالة وطبقا للمناقشة التي انجزناها فان الزوج المرتب يشكل زمرة مولدة . ويمكن كتابتها بالصيغة الرمزية ( { 1 ، ــ1 } ، + ) . وحصرا للمفهوم من المناسب القول ان البنية المولدة هي زمرة تتولد من مجموعة جزئية من المجموعة الاصل عبر العلاقة الثنائية المغلقة التي للزمرة الاصل ايضا .
اما مفهوم الزمرة الدائرية Cyclic Group فهي زمرة مولدة بواسطة عنصر واحد فقط هو عنصر ايضا من المجموعة الاصلية. على ان صيغتها محددة بالتعبير" س ن "حيث س عنصرا من دعامة الزمرة وان " ن " هو القوة المحتملة بحيث يُرفع س اليها ويُمثل هذا التعبير بالانتقال مثلا من طبقة اجتماعية اواقتصادية الى اخرى عبر علاقات الزواج بين طبقتين اجتماعيتين او اقتصاديتين . ان مفهوم القوة هنا المعبر عنه كما يبدو من الصيغة الرمزية تعبيرا عدديا محضا ، ينصرف عمليا عند قطاعات علمية اخرى كصعيد الدراسات البنيوية ، الى ما يشبه الرافعة لشئ لتُضاعفُه فينشأ جديدا بمثابة عنصرا مولدا بهذا السياق بمولد او اكثر . ولفظة القوة في وضعها الحالي تعني أُس لأساس مُعرّف . وينشأ عن ذلك متتاليات اساسها ثابت ، قيمة معلومة كما هو الحال مع البنية الدلالية ، تطالها تحولات بفعل قيمة اخرى هي القوة الرافعة لها . عدديا مثلا : 12، 22 ، 2 3 ، ... ، 2ن = 2 ، 4 ، 8 ، .... وهكذا في تصاعد مستمر وفي امثلة اخرى في تناقص مستمر .
لقد تضمن العرض السابق لمفهوم الزمرة احتمال وجود العلاقة الابدالية بين عناصرها والزمرة التي تتصف بهذه الخاصية تسمى الزمرة الابدالية . وليس كل زمرة ابدالية . ولكن توجد في كل زمرة مجموعة جزئية ( وليس المقصود زمرة جزئية ) بحيث تكّون عناصرها مع عناصر المجموعة كلها علاقة ابدالية عبر العلاقة الثنائية المغلقة للزمرة ، تسمى هذه المجموعة الجزئية مركز الزمرة Center Of Group. فاذا كان ج عنصرا من هذه المجموعة الجزئية و س أي عنصر من المجموعة الشاملة ( دعامة الزمرة ) فان الشرط ج  س = س  ج .
ولايكتمل عرض مفهومي الزمرة المولدة والزمرة الدائرية الا بعرض مواز يتضمن تجربة تحليلية . ولقد وقع اختيارنا على مساهمة ( د . كمال ابو ديب ) (13) والتي تناول فيها البنى المولدة في الشعر الجاهلي وهي أكثر الدراسات قربا من المفاهيم التي عرضناها توا ..
اذ اخضع اكثر من اثني عشر نصا شعريا ـ سنشير الى واحدا منها ـ تضم مفهوم البنية المولدة والدائرية ومفاهيم اخرى وبما يجعل من العينة المختارة ممثلة على نحو جيد للاسهامة من جهة ومحتوية للمفاهيم ذات الصلة الواردة في مساهمته. علما قد خالط الاسهامة شيئا من التحليل الدلالي كضرورة لتعيين البنى الامر الذي لانناقشه الا من وجهة نظر بنيوية .
يحدد كمل ابوديب نقطة البدأ في عمله ( باحتمال وجود بنى توليدية اولية في الشعر الجاهلي تمتلك خصائص محددة يمكن ان تنتج من استخدامها ، عن طريق حدوث عمليات تحويل او توسيع او تطوير جذرية ، مجموعة من البنى المتميزة المتحققة في نصوص فردية وتسمح الدراسة المتقصية للنماذج العديدة التي شكلت أساس البحث الحالي ــ بحثه ــ بالقيام بخطوة مبدئية ، هي اختيار نص محدد واعتباره بنية توليدية اولية ، هو نص المرقش الاكبر ... )( ص 8 ). وهنا لزاما علينا ان نحدد مفهوم البنية التوليدية الاولية كما وهو الامر الذي لم نتناوله سابقا . الزمرة الاولية زمرة منتهية finite بمعنى ان عناصر دعامتها محدودة ، أي قابلة للحصر وان عدد عناصرها يدعى رتبة الزمرة Order مضافا اليها شرطا اخر هو ان رتبة الزمرة تكون مساوية لقوة شئ اولي . اما كونها زمرة توليدية اولية فهذا يعني اضافة الى ذلك وجود عناصر توليدية.
وبعد ان حصرنا المفهوم الذي يعتمده بدأ في التحليل ،لاتستقيم متابعة التحليل وتقريضه مالم نورد النص ــ موضوع التحليل ــ وهو نص المرقش الاكبر:
(1) هل تعرف الدار عفا رسمُها إلا الأثافيَ ومبنى الخيمْ
(2) أعرفها دارا لاسماء فال الدمع على الخدين سح سجم
(3) أمست خلاء بعد سكانها مقفرة ما إن بها من إرم
(4) إلا من العين ترعى بها كالفارسيين مشوا في الكمم
(5) بعد جميع قد أراهم بها لهم قباب وعليهم نعم
(6) فهل تسلي حبها بازل ما إن تُسلى حبها من اَمم
(7) عرفاء كالفحل جمالية ذات هباب لاتشكّى السأم
(8) لم تقرأ القيظ جنيناً ولا أصرها تحمل بهم الغنم
(9) بل عزبت في الشول حتى نوت وسوغت ذا حبك كالارم
(10) تعدو إذا حرك مجدافها عدو رباع مفردٍ كالزلم
(11) كأنه نصع من يمان وبال أكرع تخنيف كلون الحمم
(12) بات يغيب معشب نبته مختلط حربته بالينم
قبل ذلك اعطى الباحث للبنية التوليدية التي يشكلها النص رمزا هو3)ــ ( G s دون ان يفصح عن مدلولاته للقارئ ، وبالمقارنة مع ايضاحاته يمكن القول ان G ترمز الى مجموعة عناصر البنية ، s تفصح عن المحور التزامني احد محوري حركة دراسته ( حيث تتم دراسة علاقته بغيره من النصوص دراسة بنيوية ... )( ص 6) ، والمحور الثاني التوالدي او التعاقبي ( حيث تتم دراسة مكونات النص الاساسية في شروط تبلورها التاريخية بين الابداع الفردي والتقليد الجماعي وبالتطور التاريخي )(ص7) ،مبشرا بصلاحية البنية التوليدية الاولية التي سيكشف عنها لاحقا ،من أنها ستشكل نموذجا قابل لاستيعاب تغيرات بنى اخرى في نصوص اخرى كلها تنتمي الى الشعر الجاهلي وهذا ما جعل رمزه المقترح لايتضمن اشارة الى هذا المحور الاخير .. اما العدد 3 فوضعه كما يبدو للحركات الثلاثة التي ينطوي عليها النص قيد البحث وهو ما يعني لدينا رتبة الزمرة.
والسؤال هنا : ما هي المبررات لاتخاذ نص المرقص نموذجا قياسيا لنماذج اخرى ؟ هل لوضوح البنية المشار اليها ؟ ام انها نموذج قابل للاستبدال بغيرها واطلاق الوصف ذاته على بنيته ؟ هذه الاسئلة هامة لنفي تهمة تكرار النموذج الالسني في مجالات علمية اخرى في حين ان حظ أي نص لاينبغي ان ينقص او يزيد عن حظوظ النصوص الاخرى وما يجعلها متساوية هي وحدة المنهج الموظف في التحليل .
لعل من الملائم كتابة الرمز،اذا كانت قرائتنا للرمز المقترح هو بالضبط ما قصد اليه الباحث، بشكل زوج مرتب ( G ,s) ليدل الرمز s على العلاقة الداخلية بدلالتها التي ظننت .ولكن يا ترى هل يصح محور للبحث ان ينظر له كعلاقة ثنائية في نظام ما ؟ لا اعتقد ذلك . ان البحث في بنى توليدية يفترض بدأً وجود زمرة توليدية متأتية من حصر جزئي لمجموعة عناصر الدعامة ما يجعلها تشكل مع العملية الثنائية زمرة ،لها خاصة التوليد . اما لفظة اولية فقد اوردها بمعناها البدئي ــ كتوطئة مرصنة ــ ستشكل لاحقا الكاشف عن تحولات بنى هي الاخرى توليدية الا انها بصفات وسمات اخرى اساسها البنية التوليدية ( الاولية ) . ان ما يجعلنا تقبل ورود الاصطلاح بهذه الالفاظ هو فرزه الحركات الثلاثة للنص بوصفها عناصر منتهية قابلة للحصر او العد ، باسطا اياها في حركات ثلاثة ( ص9 ) هي :
(1) الديار الدارسة الخالية في اللحظة الحاضرة (A)
(2) عمران الديار وامتلاؤها بالجماعة في زمن ماض(A ــ)
(3) الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء ( A7 ).
من منظور بنيوي صرف سنتعاطي مع الحركات على انها عناصر الدعامة ، وفي تقديرنا ثمة امكانات في النص تسمح بما هو اكثر من هذه العناصر الثلاثة . الا ان ذلك منوط بامور عديدة ليست من اهتمامات المنهج البنيوي وانما من اهتمامات الذائقة النقدية ورغم ذلك فان هذه الملاحظة السريعة لاتقلل من رصانة التحليل الذي بين ايدينا . ولانعلم لم الاشارة الموجبة في رمز الحركة الاولى والاشارة السالبة في الحركة الثانية . فاذا كان المقصود من تعاكس الاشارتين لتدلان على عنصر ونظيره فهذا امر متقبل . وسنعتمد هذا الافتراض في تقريضنا للتحليل . اما وجود العدد 7 في الحركة الثالثة فهو مبهم ولايشي بدلالة ما ضمن سياق الحركتين السابقتين ودلالتهما الرمزية كما تصورنا ( هل هو خطأ مطبعي ؟ ). وسنلتقط هنا العبارات على نحو مختصر دون المساس بالمعنى كي نحصل على ما يتصل بالبنية مباشرة منظورا لها من نموذج الزمرة ...
يقررأبو ديب بان القصيدة : تتشكل من توسيع الحركات في هيئات من التطورات، على صعيد الحركة الاولى .
فتطور الحركة الاولى ،ضمن تصور ضدي للوجود ــ الديار دارسة الا انها زاخرة بالحياة الحيوانية ــ وتطور من خلال علاقة انفعالية بين الذات والديار ــ هل تعرف الدار . نعم اعرفها دارا لاسماء ـــ وكذلك تطور الديارمن خلال استثناءات العفاء ــ الاثافي ومبنى الخيم ــ ، ثم ينتقل الى مستوى اخر من الرؤية للحركة الاولى ليجد ان مفارقة تنشأ بهذه التفاصيل ، مفارقة من درجة غير حادة : بين صورة العفاء وصورة البقاء ــ ما هو باق هو مبنى والبناء نقيض مطلق للاندثار والعفاء . الا ان هذه المفارقة تبلغ درجة عالية ، حين يتحول خلو الدار الى نسبي ـــ من الحياة الانسانية فقط ــ ، وتنمى صورة الحياة الحيوانية . اخيرا : تؤدي هذه الاستثناءات والمفارقات دورا هاما هو تدمير صورة الخلاء والاندثار ،والسماح لصور الحياة الغنية بالتفجر في سياق يفترض انه سياق الموت والعفاء .
اما الحركة الثانية فانها لاتتوسع ..الا بخلق رموز اساسية قليلة العمران والرفاه :
الرمز الاول: صورة الاجتماع الانساني ( بعد جميع .. البيت 5) التحام الحياة وامتلاؤها وتوحدها .
الرمز الثاني : صورة القباب ، تجسيد للرسوخ والانتصاب المكاني البارز وللثبات .
(( وهكذا فان العفاء والاندثار النسبيين في اللحظة الحاضرة يوضعان نقيضا للثبات والرسوخ والامتلاء المكاني في الزمن الماضي )) .
( مقابل الطبيعة اللمحية للحركة الثانية ، حركة انبعاث الماضي تأتي الحركة الثالثة المجسدة للاستجابة الفردية كلها ،مديدة موسعة ،تزخر بتفاصيل وصور وتفريعات للمكون الاساسي ، الناقة والاندفاع بها ، لتجعل منها مركز الثقل في النص ... صفتها الاولى الشباب فهي بازل ، مقابل القدم والاندثار والعفاء التي تطغى على الحركة الاولى ... ــ والناقة ــ لم تحمل جنينا ، برية ، محبوكة السنام ، نقيض الجبل في تفجرها حركية واندفاعا ، وتزداد التباسية الناقة وجمعها للاضداد حدة ــ اذا حرك مجدافها ــ ثم عن طريق توحيدها بحيوان اخر بري وحشي تعميقا لبريتها .. ــ الناقة رمزا للتوحد في مقابل التشتت ، واللازمنية مقابل الزمنية ، وللثبات والرسوخ مقابل زوالية التجمع الانساني ، وللتنآلف بين الذكر والانثى في مقابل الانفصال بين الشاعر وأسماء ، .. الناقة حركة مضادة للهشاشة والزوالية والزمنية والتشتت والانفصال ..حركة تستسلم لها القصيدة تماما دون ان تعود الى سياق الاطلال ، وتشكل نهاية الخط الذي يبدأ باللحظة A داخلة في وهم البقاء والديمومة ( ص 9ــ 14 ) .
الان وبعد هذا العرض المختصر لما جاء في التحليل اين هي عناصر القصيدة بحسب رؤية الباحث ؟
انها الحركات ولكن هذه الحركات انطوت على عناصر عدة الا انها محدودة بمعنى منتهية قابلة للتعيين والحصر لا بسبب تمدد وتوسع الحركتين الاولى والثالثة حسب بل يمكن الاكتفاء بالحركات الثلاثة دعامة للبنية : ان الحركة الاولى نظيرة الى الثانية عبر تزامنهما والتزامن هو العلاقة الثنائية ، وهي مغلقة فقط اذا ما عزلنا استثناءات ومفارقات الحركة الاولى وان بقاؤهما على صعيد التحليل فيها سيجعل من الحركة الاولى موضوع للتحليل على مستوى الزمرة وبذلك سيضطرنا الامر الى النظر الى الحركتين الاخريتين كزمرتين مستقلتين على مستوى التحليل . بمعنى ان عملية التعيين للحركات كان يفترض ان تكون مصفاة علاقة الاحتواء فيما بينها ، ولايسعف الباحث هنا التمدد والتوسع التي للحركة الاولى كي يجعل من الحركة الاولى حشد من العناصر ونظائرها في لحظة واحدة الامر الذي يمحو من التصور التحليلي عنصر التحايد ، الذي جسد اجتماع الاضداد وهي مستلة من الحركتين الاولى والثانية ، بالتساوق .
ان مفهوم التمدد والتوسع هنا شكّل غنى في التحليل لم نصادفه في دراسات بنيوية اخرى ، على قدر اطلاعنا في الاقل . فالباحث قد وعى العلاقة التابعية في وحدات التحليل ( الحركات ) وعيا تاما . اذ من السهل مع هذا الوعي ملاحظة الصورة الحيوانية المفعمة بالحركة الحرة البرية الوحشية ــ تابع اول ــ كجزء من صورة الديار الدارسة فالصورة الثانية تمدد او توسع للصورة الاولى ــ تابع ثاني ، فالصورة الثانية تمدد الصورة الاولى وهكذا في بقية الاستثناءات الاخرى التي جاء ذكرها في الحركة الاولى . ولكي يستقيم التحليل على نحو ادق كان بالامكان نقلها الى الحركة الثانية .
ان عناصر الحركة الثانية هي محض رمزية . اذ كيف يمكن ان تكون هذه الرموز نظائر لعناصر الحركة الاولى . او بشكل اعم كيف لرموز الحركة الثانية ان تكون نظيرا للحركة الاولى ؟ ان ذلك ممكن لان الصور الفنية ومن خلال الاساليب الشعرية ترد الى معاني من جنس المعاني المصورة هي الاخرى في الحركة الاولى.
والاستنتاج الذي نقرره هنا ان الحركة الاولى نظيرة للثانية . اما الثالثة فهي العنصر المحايد ، ( الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء) فالاسى حقيقة وجودية تحال الى ضدية وجودية بالتوحد بالناقة و ... الى اخره .
ولكن كيف نختبر الخاصية التجميعية لعلاقة التزامن في هذا التحليل ، ان الباحث لم يشر الى ذلك كما لم يوسع اطاره التحليلي لاستيعابها .. لو بددنا كل حركة من الحركات الثلاثة الى عناصرها المتوافرة في التحليل الدلالي المرافق للتحليل برمته ، ووضعناها في مجموعة واحدة هي دعامة البنية سنتجاوز خللا ونمهد لاختبار .. اما الخلل فيتعلق بالاشتثناءات والمفارقات وعلاجها بالترحيل الى الحركة الثانية واعادة صياغة الرموز فيها تاليا . اما الاختبار فيتعلق بالخاصية التجميعية . والتي نوردها كما يلي :
العفاء والاندثارتتزامن مع ( الاثافي والقباب تتزامن مع حركة واندفاع الناقة )
= ( العفاء والاندثار تتزامن مع الاثافي والقباب) تتزامن مع حركة واندفاع الناقة
= ( حياة مفعمة في الماضي ) تتزامن مع حركة واندفاع الناقة
= ( الاسى ومغالبة الاسى )
واذا ما عكسنا الصورة فسنحصل على النتيجة ذاتها التي تضبط دلاليا . وهكذا مع أي ثلاثة عناصر .
فالعلاقة التزامنية هنا تجميعية . ونصل مع الباحث وباستخدام تحليله الرائع الى ان البنية هنا هي زمرة ومن السهولة اثبات وعلى المستوى الدلالي ايضا وطبقا لمنطق الحركات الثلاثة بصورتها التي قدمها البحث او بضم عناصرها مجتمعة في دعامة واحدة بان هذه الزمرة إبدالية .
ذكرنا بان الباحث بَشّرَّ ببنية توليدية اولية ، وقد ارجأ الصفة التوليدية الى مستوى ثان من البحث ، ويهمنا الان الصفة الاولية لهذه البنية . وقد علقنا على ذلك في بداية مناقشتنا للتحليل ولكن بشئ من التعديل على المستوى المفاهيمي سنجد ان الصفة الاولية التي تتوافر عليها الزمر الاولية متوفرة بالتحليل . حيث ان الباحث افرد عناصر التحليل وهي ذات صفة نهائية finite يمكن الالمام برتبتها واظن هذا ما يفصح عنه مقترحه الرمزي للبنية بذكر العدد 3 بمعنى ان للبنية رتبة ورتبتها هي الثالثة بدلالة عدد عناصرها ( = عدد الحركات في تحليله ) ، كما نجد ان هذه الرتبة وهي توازي الحركة الثالثة في تسلسلها وفي كونها ناتج عن تزامن الحركتين المتناظرتين الاولى والثانية ما يسفر عنه شئ اولي . أي ان الناقة ليس بذاتها بل بحركتها التي انقضّت على الاسى بمغالبته في وجدان الشاعر . فالزمرة اذن اولية لا بالمعنى التراتبي ، او عند مستوى معين قابل للاستمرار بل بالمعنى المفاهيمي الدقيق . زمرة اولية ليس بمعنى زمرة غير معقدة ،بل هذه صفتها ولها ذات الاهمية التي لصفة الزمرة الابدالية على مستوى حزمة المفاهيم .
ينتقل بنا الباحث الى مستوى آخر من التحليل اسماه ( بُعد آخر لنص المرقش وهو البنية التوليدية Gs3 ) مرة الاخرى الرمز غير موفق وان اختلف مع السابق له برفع الشارحة وليس من دلالة في ذلك . وصف الباحث المكان والزمان كظاهرتين مطلقتين ( هي علاقة بين القبل والبعد ، أي اكتناه لعملية التغيير في صيغة مطلقة لها ) اذ ( تتنامى جزئيات صورة الناقة لتشكل رمزا طاغيا للخروج على الزمنية ) اما المكان ــ الديار الدارسة ــ ( مطلقة ، أي غير محدودة بزمان ومكان او مكان معين ) . ويبرهن في اثناء ذلك ان الزمان لازمني والمكان ليس بمكان جغرافي بعينه . ولكن عند المستوى الاخر من التحليل يقرر لعنصري الزمان والمكان فاعليتهما وحضورهما القوي ، اذ ( بدأ النص تجسيدا حادا لفاعلية الزمن : فاعلية عبور المواسم وانقلابها بحيث تنتج اللحظة الحاضرة التي يفصح عنها الفعل عفا الذي تتزاوج فيه عملية التغير باللحظة الراهنة ، لكن النص استمر يتحرك في الزمن ليكثف عملية التغير في الفعل أمست والظرف بعد ... يد ان فاعلية الزمن تكتسب تجسدها الاساسي لا في صورة زمنية فقط ، بل في لغة المكان ، ومن الشائق ان المقدم في النص هو المكان لا الزمان .. وتتنامى التفاصيل المكانية لتطغى على النص : الدار.. رسمها ، الاثافي ومبنى الخيم ، دارا خلاءا ، مقفرة ، بها ، بها ، لهم قباب ، لكنها تظل وجودا غارقا في سياق الزمان ،ولاتنفصل عنه اطلاقا ، بيد ان الدال في النص هو المكان ، كما كنت اشرت ، عائم نسبيا ، لاجغرافي على مستوى الواقع .. وهكذا يمكن القول هو ايضا حركة في الزمان فقط ، قابل للانتماء الى أي لحظة زمنية ) ص(17ــ19).
هنا الباحث يعيد ترتيب بحثه باظهار عنصري المكان والزمان اللذين كان حظهما الاقصاء في تحليله الاول ، ليس بداعي الاهمال أو الغفلة عنهما ، بل أن قراءة جديدة تسمح بالكشف عن بنية أخرى داخل القصيدة . القراءة الجديدة الممهدة لتحليل بنيوي آخر لايشي بوجود تناقض. ويكون الامر مقبولا لو وضع العنصرين المذكورين في الحركات الثلاثة المتقدمة حيث ان بنيوية بنية القصيدة اعني شروطها متلازمة مع عناصرها ، وبالتالي يكون من الثابت في الاعتبار العناصر ذاتها ، في كل مراحل التحليل وان لم يحظ جزء منها بخصوصية تتمتع بها ففي مرحلة لاحقة يكون من الضروري الكشف عنها كما هو الحال مع عنصري الزمان والمكان . هذان العنصران ومن سياق التحليل يمكن عدهما مجموعة جزئية من عناصر القصيدة الا انهما عنصران يكثفان عناصر اخرى في داخلهما ما يعني ان التحليل يسمح بتعيين عناصر هي بدورها مجاميع جزئية لو نظر اليها منفردة . فالزمان والمكان يشكلان مجموعة جزئية مزودة بالعملية التزامنية ، وهكذا يستقيم وعي البنية . وحقا انهما يولدان العناصر الاخرى ولكن بمعنى دون معنى اوضحه الباحث فيما اخترت لك من نصه التحليلي . اذن اعادة التصور التحليلي هنا يتطلب فرز زمرة جزئية تكون مولدة وحسب لغة الباحث بنية توليدية . وان الامر فيما يتعلق بهذه الجزئية لايكتفى بتعيين بضعة عناصر لتشكل زمرة انما ينبغي الاستمرار في التدقيق فيما اذا كانت ان العلاقة التزامنية بين المكان والزمان مغلقة؟ واذا كانت كذلك : ما هو نظير المكان ؟ وما هو نظير الزمان ؟ وأي عنصر منهما يمثل محايد الزمرة ، وهل العلاقة التزامنية في هذا النظام الثنائي ، الخاص ، علاقة تجميعية ؟
واضح ان الاجابة على هذه الاسئلة يتوجب ان يكون ايجابيا ومبرهنا عليه، هذا من جهة . ومن الجهة الثانية كيف يمكن استيفاء الشروط التي حملتها التساؤلات المتقدمة بوجود عنصري الزمان والمكان فقط . يستقيم هذا الامر فقط اذا اعتبرنا احدهما عنصرا محايدا( = مراوحا ) الا ان ذلك يوقعنا في اشكال لايمكن الخروج منه بنتيجة صحيحة ، لان في هذه الحالة ستكون النظائر محايدة هي الاخرى وبالتالي سنعود خالي الوفاض من رحلة التحليل لما اسماه الباحث بالبعد الاخر للنص . ونعود مجددا الى ما أقر في التحليل الاول الذي اثبت ومن وجهة نظر دلالية أطلاقية الزمان والمكان معا . والخروج من هذا التناقض يكمن في مركز الزمرة ( الناقة في حركتها الفتية الحرة ...) حيث يتكاثف الزمان والمكان معا في جدلية ( الاسى ومغالبة الاسى ) . والبنية التوليدية قد تكون مولدة بوساطة عنصر واحد فليكن الناقة ذاتها . وبهذا الخيار نحصل على بغيتنا .
المكان : دارس ، متهدم . والزمان : ماض افل على ما فيه من حياة نابضة . اما الناقة فانها تعيد جذوة الزمان وتستبدل صورة المكان الواقعي بحركة فتية نابضة بالحياة لتستقطب ما كان من حياة الى وجدان الشاعر . ومن جانب اخر لاتتضمن (الناقة ) كرمز هنا الغاء لحقيقتي الزمان الراهن ــ وقت القصيد ــ والمكان حيث لابد من مرور عربة الزمن على مكان كان سكنا وجغرافية حياة . ففي التحليل النهائي تكون البنية دائرية وهذا يتضمن معنى توليديتها .
ان الكشف عن بنية توليدية للشعر الجاهلي له مكانته المرموقة نظرا للمشتركات في قصائد ذلك العصر. ما يسمح بوضع اطار منهجي عام لايتقيد بآنية قصيدة ما . فالمكان يتصدر شعر ذلك الزمان ، والزمان فيه ذكرى تستجلب اللوعة والحسرة المشوبتين بلذة عيش او عشق قد مضى . على أي حال الباحث في تناوله لقصائد اخرى من الشعر الجاهلي يوظف فيها البنية التي استقرت رؤيته عليها في تحليله المتقدم لقصيدة المرقش الاكبرعادّا تلك الاخرى تمثل المحور السنكروني ( اللاتزامني ) لبحث بنى القصائدالاخرى .
جملة من المفاهيم التي ظهرت في بحث الدكتور كمال ابو ديب لابد من التعقيب عليها .. من بينها ما اسماها بـ "البنية الحلزونية " كأسم ثان للبنية الدائرية لقصيدة عبدة بن الطيب (ص 31 ) معززا اقتراحه بمخطط حلزوني على هيئة منحينات دائرية متداخلة تبدأ بالراوي فالحكاية الاولى فالثانية فالثالثة . والمقترح ليس له رصيد كما الرسم ايضا فيما يتعلق بالمفاهيم التي اشتغل عليها اللّهم الا اذا كانت الصفة الدائرية للبنية قد اوحت له رسم منحنيات دائرية لتشكل حلزونا هو الاقرب لحلزون هيلكس المعروف في الرياضيات . ان دائرية البنية ليس لها صلة بالدائرة لا شكلا ولا مفهوما . وسنناقش المفاهيم الاخرى في اثناء ما يلي من البنود .
( 6 ) التشاكل والتماثل
التماثل والتشاكل صفتان للتطبيق Mappingبين زمرتين تحت شروط معينة ، وهما من قوانين التشكيل الخارجي ( = العلاقة بين بنيتين وكذلك بين زمرتين ). وينطوي المفهومان على امكانات تحليلة جيدة وواسعة ومنتجة بالنسبة للبُنى . ان ما يميز زمرة عن اخرى، المعنى الخاص لكل دعامة من دعامتيهما والعلاقة الثنائية في كليهما . وبشكل معكوس اذا كانت زمرتان لهما العناصر ذاتها على سبيل الحصر والعملية ذاتها في كليهما فانهما في الحقيقة زمرة واحدة لازمرتان . ولكن اذا اختلفتا في دعامتيهما ( اي عناصرهما ) او في علاقتيهما الداخليتين فانهما من المؤكد زمرتان مختلفتان . وان الاختلاف بهذه الحدود لايلغي امكانية وجود علاقة تطبيق بين الزمرتين . ان كلا من التماثل والتشاكل يدرس علاقة التطبيق من زمرة الى اخرى ، فهما نوعان من العلاقة الخارجية لبنية مع اخرى ومن هنا تكمن الاهمية التحليلية التي اشرنا اليها . في حين كان بحثنا فيما سبق مقصورا على علاقات داخلية للبنى . لنقدم المفهومان بعرض تجريدي نعززه بما هو ملائم من الامثلة ... بفرض ان تحليلا بنيويا افضى الى إقرار وجود زمرتين ( ز1 ،  ) و ( ز2 ،  ) حيث ان كلا من ز1 ، ز2 مجموعتا عناصر الزمرة الاولى والثانية على الترتيب ، وان كلا من  و يرمزان إعتباطيا الى العلاقتين الداخليتين لهما على الترتيب ايضا . فان التطبيق من المجموعة ز الى المجموعة ز ، تكتب رمزيا بالصيغة التالية :
التطبيق : ز1 ز 2
والتطبيق يكون تماثلا Homomorphism من المجموعة ز الى المجموعة ز اذا وفقط اذا كانت صورة العنصر الناتج جراء ارتباط عنصرين من الزمرة الاولى وعبر علاقتها الثنائية يساوي مجموع صورتيهما عبر العلاقة الثنائية الثانية للزمرة الثانية . وتجريديا نعبرعن ذلك بدأ بافتراض عنصرين في المجموعة ( ز ) هما ف ، ق فان :
صورة ( ف  ق ) = صورة ( ف)  صورة ( ق )
وان الصور المذكورة هي قيم كأن تكون دلالية ،او عددية ، او شيئا اخر، لايهم ، انما المهم هو ان هذه الصور عناصر في مجموعة الزمرة الثانية ( ز ) . والتعبير القائل ( اذا وفقط اذا ) يعني على وجه الدقة اذا ما تحقق الطرف الايسر من مفهوم التماثل فان الطرف الايمن محقق ، وبالمثل اذا ما تحقق الطرف الايمن تحقق الطرف الايسر . ويعد كلام معاد اذا ما قلنا ان صورة عنصر من المنطلق هي عنصر من المستقر ، وبكلمات مكافئة ، صورة عنصر من المجال هي عنصر في المجال المقابل .
ويمكن كتابة العلاقة السابقة باكثر دقة لتكون صيغة عامة قادرة على استيعاب الاشياء والعلاقات المختلفة :
ت ( ف  ق ) = ت( ف)  ت ( ق ) ، حيث ت ترمز الى علاقة التطبيق .
وان ف ، ق عنصران افتراضيان موجودان في المجموعة ذاتها ، يمكن ابدالهما باشياء تسفر عن التحليل ، كما يمكن استبدال  ،  بأي علاقتين يسفر عنهما التحليل ايضا .
ان التماثل بين زمرتين هو التماثل الاكثر تعقيدا إلا إن تماثلا بين بنيتين لايشترط ان تشكل كل منهما زمرة ،أي يمكن ان يكون كل منهما مجرد نظام يتألف من مجموعة معرفة بعناصرها ومزودة كل منهما بعملية ثنائية ،هو تماثل اقل تعقيدا لانه لايشترط قطع مراحل تحليل تتضمن حضورا لشروط الزمرة . ولتقريب المفهوم نضرب المثل الاتي : لتكن ط مجموعة الاعداد الطبيعية ، وهي تحتوي على الاعداد الموجبة بدأ من الصفر والى ما لانهاية له من الاعداد وبرموز المجموعة ان ط = { 0 ،1 ، 2 ، 3 ، ... } . وليكن ايضا الزوجان المرتبان :
ــ ( ط ، + ) بنية عناصرها مجموعة الاعداد الطبيعية وان العلاقة الثنائية هي عملية الجمع الاعتيادي " + " .
ــ ( ط ، • ) بنية عناصرها مجموعة الاعداد الطبيعية وان العلاقة الثنائية هي عملية الضرب الاعتيادية " • " .
نجد ثمة علاقة تطبيق من البنية الاولى الى البنية الثانية عبر قاعدة التطبيق ( الخاصة هنا في المثال ) تتمثل بالقاعدة ت ( س ) = 2 س ، ت ترمز الى ( تطبيق ) والقاعدة تخبرنا ان تطبيق أي عنصر( س ) يمثل عددا من الاعداد الطبيعية يساوي العدد 2 مرفوع الى القوة (س ) وبكلمات اخرى ان صورة العنصر س هي 2 س . ان قاعدة لها ذات السياق يمكن الكشف عنها في بنى السنية ودلالية كثيرة . ولنتابع كيف هو شكل التطبيق المقيد الى القاعدة المذكورة عبر علاقتي الجمع والضرب وباختيار العناصر من ط :
ت(1) = 12 = 2 ، ت (2 ) = 2 2 = 4 ، ت (3 ) = 2 3 = 8 ، ت( 4 ) = 2 4 = 16 ... الى آخره (14) ...
وباستخدام تعريف التماثل : ت ( س1 + س 2 ) = ت (س1 ) • ت ( س 2 )
حيث ان س1 ، س 2 اعداد طبيعية من المجموعة ذاتها . أي ان :
ت ( 1 +1 ) = ت (1) • ت (1 )
 ت (2) = 2 • 2
 4 = 4
او مباشرة ت (2) = 2 • 2 =4
وايضا : ت ( 1+2 ) = ت ( 1 ) • ت ( 2 )
 ت ( 3 ) = 2 • 4
 8 = 8
يمكننا ان ان نحصل على تطبيق أي عنصرين بينهما علاقة جمع وهذه العمليات ليست لها نهاية لان عناصر المجموعة المختارة ـــ الاعداد الطبيعية ــ ليست منتهية . والشكل التوضيحي يوضح ان التطبيق متماثل :
التطبيق المتماثل : ط ط
يثير التماثل في الدراسات البنيوية مشاكل منهاجية عدة ، كتلك التماثلات المفتعلة بين علم اللسان وعلم القرابة وعلم الدلالة . ولقد اشرنا الى هذه المعضلة في اكثر من موضع ومن زوايا عدة . خاصة ذلك التماثل بين علم اللسان من جهة وعلم القرابة وعلم الدلالة من جهة اخرى باتخاذ البنية اللسانية انموذجا منهجيا قابلا للتكرار في العلوم الاخرى ، أي بافتعال ألْسَنَة انظمة دلالية مختلفة . ويمكن ان نفلت حالات من قبضة هذه الاشارة تجسدت في استخدام لفظة تماثل بمعنى المشابهة بمعناها العام او المطابقة بمعنى غيرمعناها الاصطلاحي.
لنفرض ان المجموعة:
ع = { الأُسرة (1) ، الأُسرة (2) ، الأُسرة (3) ، الأُسرة (4 ) }
تمثل أُسرا تقطن في حي سكني واحد وترتبط مع بعضها بعلاقة الصداقة .
أي لدينا البنية ( ع ، الصداقة ) .
والمجموعة ذاتها ترتبط بعلاقة القرابة فنحصل على زوج مرتب اخر يشكل بنية اخرى :
( ع ، القرابة ) .
وبسياق عام ، ان اي اسرتين من هذه الاسر ترتبط بعلاقة الصداقة وهو ما يماثل العلاقة القرابة الاخرى :
ت ( الاسرة (1) الصداقة الاسرة (2) ) = ت ( الاسرة (1) ) القرابة ت (الاسرة (2) )
وواضح ان ناتج الطرفين واحد لايتغيرلانه يتضمن العلاقتين في وقت واحد . وهذا ابسط تصور لعلاقة التماثل بين بنيتين .
وعلى مستوى الزمرة عندما يكون التطبيق:
ت : ( ز ، ) ( س ،  )
تماثلا فان العناصر في الزمرة ( ز ، ) التي صورة كل منها هي العنصر المحايد تسمى نواة Kernal التطبيق ت . وبالعودة الى بنية ابو ديب فنجد ان الحركة الثالثة ( الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء ) عنصرا محايدا متضمنا في المفارقات والاستثناءات في الحركتين الاخريتين . وفي الوقت ذاته ان الزمرة المؤلفة من النواة والزودة بعلاقة ثنائية معرفة تشكل هي الاخرى زمرة ، الا انها مجموعة جزئية من الزمرة الاصلية الاولى وهو ما اطلقنا عليه في موضع سابق بالزمرة التافهة .
وعندما يكون التماثل متباينا فانه يسمى تشاكل Isomorphism . وقد يحصل ان تكون البنية متماثلة في نفسها ، أي تطبيقا يعبر عنه بالعلاقات الثنائية بين عناصر البنية ذاتها دون ان تتعدى الى بنية اخرى هذا النوع من التطبيق يسمى تماثل داخلي Indomorphism . والبنية المتشاكلة في نفسها هيAutomorphism في فقرة (البنية التوليدية الاولية ) وفي تحليله لنص دويد بن زيد الحميري الشاعر الجاهلي يقررابو ديب(15) امكانية ( اعتبار نص دويد البنية التوليدية الاولية (Gs1) هو النواة المولدة التي تضم في صورة جنينية ، مكونات الاستجابة الاساسية ) فارزا حركتين للنص : حركة القرار ، متمثلة في جملة دويد (( اليوم يبنى لدويد بيته )) يعني قبره في صيغتها المستكينة الهادئة .. ثم ترتد باحثة في الماضي عن انبعاث زمن الحيوية ... والحركة المضادة ،التي أُولى خصائصها انها ذات لهجة انفعالية مناقضة لتقريرية الجملة الاولى ، أي حركة القرار ، ثم انها تمثل زخما من التجربة الحسية التي تتنامى على ثلاثة محاور .. البطولة ــ القوة ، الامتلاء ــ الحيوية ، والطاقة الجنسية ، وذلك ما يتجسد بايجاز باهر في الحركة "المضادة ؟ " التالية :
يارب نهب صالح حويته
ورب قرن بطل ارديته
ومعصم مُخضَّب ثنيته )
ويذهب الباحث في تحليله البنيوي الى وصف البنية التوليدية المذكورة(بانها تشكل جملة لغوية M من النمط :
ــ انا في لحظة الذبول وجزر الحيوية (x)
ــ لكن كان لي زمن يتفجر بالحيوية هو الزمن A) )
ثم يحتاط بافتراض ان الجملة ممكن ان توسع وتمدد في بالعبارتين الاساسيتين ويغلّب ذلك في العبارة A في الاغلب ، ثم يضع كل ذلك التحليل في صيغة اسماها نهائية :
M = ( x A + L ) ) (ص40 ـ 41 ) . وبكلمات اقل من تعقيبنا السابق على مساهمة ابو ديب فاننا نقول هنا كان بامكانه ان يوسع من تحليله ليشمل التحايد الذي يفرض ما اسماه تضاد الحركتين اللتان باجتماعهما في النص وفي ثناياه يولد حالة من التعادل ذات قيمة دلالية ما . ويبدو ان تقليص التحليل على هذا النحو الضيق يغلق ابوابا غنية في التحليل ، وبطبيعة الحال لن نستطيع ان ننوب عنه الان في ذلك ، وفي هذا الموضع . والصيغة النهائية على حد تعبيره للجملة ذات العبارتين الاساسيتين هي في حقيقتها علاقة تطبيق ولكن دون سمات محددة لها ، بل ودون اثبات كونها علاقة تطبيق اصلا . واضافة L للدلالة على توسع او تمدد تحتويه العبارة الثانية أمر غير مبرر تحليليا وفق مفهوم التمدد كما ذكرناه . واذا ما تجاوزنا كل ذلك فان مراجعة لنص القصيدة يمكن ان تسفر عنها علاقة تطبيق متماثل من جهة ومتشاكل من جهة اخرى ، شريطة ان نوسع من التحليل بإقرار عناصر اكثر تفصيلا وليست اجمالية . ان اجمال التحليل للنص بحركتين لن يغني شيئا وعكس ذلك فان عناصر متعددة لكل منها صورة في مجموعة تحليل اخرى يحيلنا فعلا الى تشكل زمرتين متماثلتين ومن ثم متشاكلتين .
ملاحظة اخيرة نسوقها هنا حول الترميز لقصيدة اخرى ( للمرقش ص 46 ) بان الجملة الاساسية M ( x / A) مفسرا ذلك بقوله ( استخدم الرمز للدلالة على علاقة توليد بين الحركة الاولى وحركة ثانية مضادة لها ، مع انها نابعة منها في نفس الوقت ) ( ص 122) وهذا خلط كبير بين التوليد كمفهوم وبين العنصر النظير والذي يسمى احيانا المعكوس . فالتوليد صفة لزمرة لها مجموعة مولدة ينبغي ان تحدد .اما النظير فهو عنصر ينبغي وجوده ازاء كل عنصر معين في مجموعة التحليل ، وهو متلازم مع العنصر المراوح ( = المحايد ).
يرى دي سوسور في محاضراته ( ان جميع القيم ــ حتى اذا كانت خارج اللغة ــ تخضع ، على ما يبدو لمبدأ واحد ، يظهر وكأنه ينطوي على تناقض ، حسب قوله. فهذه القيم تتكون دائما من :
(1) شئ مختلف يمكن استبداله بالشئ الذي نريد تحديد قيمته .
(2) شئ مشابه يمكن مقارنته بالشئ الذي نريد تحديد قيمته .
إن كلا العاملين ضروري لوجود القيمة . فإذا أردنا تحديد قيمة ذات خمسة فرنكات فعلينا ان نعرف :
(1) ان باستطاعتنا استبدالها بكمية ثابتة من شئ مختلف عنها كالخبز مثلا ، (2 ) ان باستطاعتنا مقارنتها بقيمة مشابهة في النظام نفسه كقطعة ذات الفرنك الواحد أو بقطعة نقود من نظام آخر ، كالولار مثلا ) (16) .
هل ان الوصف المتقدم يفصح عن علاقة هومومورفزية (= تماثل ) ، ومن ثم ايزو مورفزية
(= تشاكل) ؟
إن قطعا نقدية محدودة ومعلومة تشكل بنية مزودة بـ "علاقة تثمين " ، في اطار البيع مقابل فئة نقدية . وذات القطع ايضا تشكل بنية مزودة بـ "علاقة المقايضة " بفئات نقدية اخرى لاتخرج عن النظام النقدي العالمي الذي يحدد اسعارالعملات مقومة بعملات اخرى . وعلى نحو تجريدي نعبر عن البنيتين بالاشكال التالية: ( ن ، تثمين )،( ن ، مقايضة ) . وتوجد بين البنيتين علاقة تطبيق شكله العام كل فئة نقدية في البنية الاولى صورتها شئ عيني ( الخبز مثلا ) في البنية الثانية . على ان علاقة التطبيق متماثلة ومتشاكلة بذات الوقت : متماثلة لان كل فئة نقدية يمكن التعبير عنها بحاصل جمع عدة فئات نقدية اصغر وصورتها تساوي صورتي ثمن كل فئة نقدية صغرى المقابلة للخبز .. مثلا :
ت ( ربع دينار يقايض خمسة دراهم ) = ت ( ربع دينار) ثمن ت ( خمسة قطع خبز)
ربع دينار = خمسة دراهم = خمسة قطع خبز . وهكذا بالنسبة لبيقية عناصر ن . وحيث ان كل فئة نقدية يمكن استبداله بفئات اكبر او اصغر وبذات الوقت كل فئة نقدية يمكن استبدالها بعدد من ارغفة الخبز فالتطبيق هنا ايضا متشاكل .
ان هذا المثال من حيث السياق يمكن ان يحاكي علاقة التطبيق المتماثل من الكلمة الى الدلالة او القيمة ، وعندما تكون الكلمات مجموعة معجمية فانها لابد ان تكوّن مع قيمها او دلالاتها تطبيقا متشاكلا بسبب ان التطبيق متباين حيث لكل كلمة قيمة وحيدة مقابلة لها ، وان كل قيمة لابد ان ترتبط بكلمة من الكلمات . يكون ذلك صائبا اذا ما أقصينا صفة الترادف ، فأننا نعتقد أن كل كلمة في لغة وضعت لمعنى محدد ، تعنيه دون غيره ولربما قرب المسافات المعنوية بين دلالة وأخرى وضعف القدرة على تحسس الفوريقات بينها هو الذي برر في الاقل وجود ظاهلرة الترادف في اللغة . إن المفردة تولد لمعنى منفرد وهذا ما نعتقده ، وإلا فقدت مبرر ولادتها أصلا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرمزالاعتباطي  يشير الى عملية ثنائية معينة ويمكن استبداله باي شكل اخر . وقد درجت مصادر الرياضيات على اعتماد رموز مختلفة للعملية الثنائية اكثرها شهرة الرمز  الذي لانميل الى استخدامه لاسباب لا تغيب عن وعي القارئ العربي .
(2)القناة الفضائية الفلسطسينية في تشرين الثاني 2006
(3 ) ابوحيان التوحيدي " المقابسات " : المقابسة 43
(4) ،(5) ،(6) ابوحيان التوحيدي " المقابسات " المقابسات :71 ،91، 97 على الترتيب
(7 ) ، (8) د. مريم سليم " الاختلافات البنيوية للذكاء في مراحل نموه المتدرجة من الحسي ــ الحركي الى المجرد " في مجلة الفكر العربي المعاصرالعددان 6 و 7 ـ 1980م ـ ص 62
( 9 ) د . داود سلوم " دراسات في الادب المقارن التطبيقي " دار الحرية للطباعة ـ بغداد 1984 ، الطبعة الاولى ، ص 183 ــ 184
(10) الجرجاني " التعريفات " : 112
(11) فردينان دي سوسور" علم اللغة العام " ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز ، دار آفاق عربية ، بغداد ، 1985 م ، الطبعة الاولى ص 127
( 12 ) في بعض المصادر الرياضياتية تسمى بالزمر الدوّارة وليس ثمة اختلاف جوهري مع لفظة دائرية . الا ان مصادر اخرى تطلق عليها اسم الزمر الدورية ونحن لانتفق مع هذه التسمية لانه يتضمن احالة الى موضوع اخر في الرياضيات هو الدوال الدورية وهو امر مختلف عن ما يعنيه هنا في نظرية الزمرة .
(13) د. كمال ابو ديب : البنى المولدة في الشعر الجاهلي ــ دار الشؤون الثقافية العامة بوزارة الثقافة والاعلام العراقية ــ ط 1 سنة 1988 م . وسنشير الى الاقتباسات منه برقم الصفحة بين قوسين فور انتهاء الاقتباس.
(14) 12 يحسب بانه العدد 2 أي يذكر مرة واحدة ، 2 2 حاصله العدد 2 يضرب في نفسه ، 2 3 حاصله العدد 2 يضرب في نفسه بتكراره ثلاث مرات أي 2  2  2 =8 وهكذا مع ملاحظة ان رمز الضرب المستخدم في هذا التوضيح لايعني الضرب الاخر ، اعني التقابلي كما مر معنا في الفصل الثاني بل استخدمناه للايضاح فقط انما الرمز الضربي لمثل هذا النوع من الضرب العددي هوالرمز • ومنعا للخلط بين الضرب التقابلي ــ الديكارتي ـــ نكتب عملية الضرب المأخوذة هنا كما يلي 2• 2•2= 8 .
(15) د. كمال ابو ديب (م.س.ذ) ص 38
(16) فردينان دي سوسور ( م.س.ذ ) ص 134

شكرا لكم

التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء 0 والزوار 12)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كل شيء عن الفلسفة للشعب العلمية باكالوريا تونس 2011 abdelaziz1971 منتدى الباكالوريا 61 05-26-2014 10:18
مراجعة دروس الباكالوريا رياضيات abdelaziz1971 منتدى التعليم الثانوي 9 05-08-2013 04:00
منهجية الكتابة في الامتحان الوطني لمادة الفلسفة باكالوريا abdelaziz1971 منتدى الباكالوريا 0 03-20-2011 20:56
عودة الأسبوع المغلق لتلاميذ 7 و8 و9 أساسي chiko منتدى الأخبار التونسية و العالمية 0 03-12-2011 15:54
الإتحاد الوطني لتلاميذ تونس UNET المنتدى العام 4 02-09-2011 21:27


الساعة الآن 10:39

Get our toolbar!



جميع الحقوق محفوظة 2010-2012 © . Powered by vBulletin®
Copyright ©2010 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات تونيزيـا ميكس